لقد فقد الكثير من الباعة في الأسواق شرف المهنة التي يمارسونها،بل وتجردوا من إنسانيتهم كلّها، فراحوا يبيعون الناس السلع المغشوشة والمقلدة، وبأسعار مضاعفة وخيالية، واستحلوا للوصول إلى غايتهم كل الطرائق والوسائل، فكذبوا وضللوا وسرقوا وراوغوا. قصدنا محلا لبيع لملابس، وكان معنا صديق لنا عمل طويلا في هذا المجال، وألم بكل ما يتعلق بأنواع وماركات الملابس المحلية منها والمستوردة، الأصلية والمقلدة، وحيل الباعة في إقناع الزبون وإيهامه بجودة منتوجاتهم، ولقد انتحلنا ثوب الزبون ونحن ندخل المحل ، ورحنا نتفحص السلع المعروضة، وكنا كلما لمسنا قطعة او اقتربنا منها او حتى نظرنا إليها، سارع الينا البائع وراح يقنعنا بجودتها وبتماشيها مع الموضة وبأنها قطعة أصلية ونادرة، وخاصة بصيف 2011ثم يختم بالقول انه مستعد لتخفيض سعرها إن كنا ننوي شراءها، وكنا نساله عن ثمن هذه القطعة او تلك، فيقلب نظراته في شكلنا وملابسنا رغم انه فعل ذلك أكثر من مرة منذ دخولنا إلى المحل، ثم يجيبنا على سؤالنا بعد تردد، ويبقى ينتظر ردة فعلنا بمكر وخبث كبيرين، اما صديقنا فكان يخبرنا عن حقيقة تلك القطع ومصدرها، ويكشف لنا خبث ذلك البائع وأكاذيبه، فهالنا أن نعلم مثلا ان البائع يزيد في الثمن الملابس أضعافا مضاعفة، حيث يبيع قطعة قدرها مائتي دينار بالفي دينار، واخرى قدرها الف دينار باربع الاف دينار وهكذا، وكان البائع رغم ذلك يقسم باغلظ الايمان انه اشترى سلعته من الدول الاوروبية، وانه الوحيد الذي يبيع مثلها في سوق الملابس، وانه يحظرها من الدول المصنعة لها مباشرة ، ثم يلعن باقي البائعين ويتهمهم بانهم يبيعون قطعا مغشوشة، وهو يفعل مثلهم بل كثر. ولقد كان في المحل زبائن غيرنا، فرحنا نرقب تصرف البائع مع باقي الزبائن، ومنهم شاب في السابعة عشرة من عمره، كان يبحث عن تبان مناسب له، فاقترب منه البائع واقترح عليه تبانا، ثم استعان بأحد الكتب"كاتالوج" والذي يحمل صورا لعارضي الازياء، ومن بين ما كانوا يرتدونه ذلك التبان، او ما يشبهه ، وازداد البائع حماسا حين لاحظ على الشاب تردده وحيرته، وهمس في اذنه بكلمات تكاد تكون غير مسموعة انه سيخصه بثمن خيالي، ولم يعط الشاب موافقته بعد حتى حمل البائع التبان ووضعه في كيس بلاستيكي، وراح ينتظر ان يدفع له ثمنه. كما كانت إلى جانبنا سيدة كانت تتفحص القبعات حتى تشتري واحدة لابنها، وعندما اقترب منها البائع اخبرته بطلبها، فاقترح عليها قبعة وراح يمدحها بعبارات لا بد انه حفظها عن ظهر قلب، ثم قال لها عن القبعة انها حلم كل المراهقين لانها شبيهة بتلك التي يظهر بها مغنو الراب على التلفزيون، واننها مسايرة للموضة الحالية، ففرحت الام المسكينة وراحت تثني على البائع وتدعو له بالخير، ولو علمت حقيقة تلك القبعة وسعرها الأصلي، لما فرحت ولما دعت له.