بقلم: وائل قنديل خرجت للعلاج بجسدي المريض وعدت وأنا أشعر بأنّ كرامتي تُركت هناك على الطريق . يلخّص فلسطيني عائد إلى غزّة مأساة معبر رفح بمنتهى الوضوح والدقة: هذا المعبر المصري الفلسطيني تحوّل بموافقة عربية إسلامية إلى مركز تعذيب إسرائيلي بعد إعادة فتحه المزعومة بشروط وضعها بنيامين نتنياهو. *معبر الجحيم أرقام اليوم الأوّل لفتح المعبر دخولاً وخروجاً! تقول إنّ 12 مريضاً وجريحاً جميعهم من الأطفال والنساء وصلوا إلى قطاع غزّة الليلة قبل الماضية في حين رفض الاحتلال دخول 38 مسافراً آخرين وأعادهم إلى الصالة المصرية في حين قالت وزارة الداخلية في غزّة إنّ ثمانية فلسطينيين من المرضى ومرافقيهم غادروا قطاع غزّة أول أمس الاثنين. يروي العائدون إلى غزّة أهوالاً من الجحيم الذي استقبلتهم به سلطات الاحتلال الصهيوني صاحبة الأمر والنهي والمنع والسماح والمُهيمنة بشكل كامل على كلّ كبيرة وصغيرة في معبر رفح الذي احتلته إسرائيل قبل نحو عشرين شهراً وصار بالفعل معبراً إسرائيلياً تُرتكب فيه فظائع مهينة مثل تلك التي تحدث في المناطق التي يداهمها ويسيطر عليها الاحتلال في قطاع غزّة ومدن الضفة الغربية وعلى الرغم من ذلك يصرّ الوسطاء والضامنون على أنّنا بصدد إنجاز تاريخي لمصلحة الشعب الفلسطيني المحاصر. السيادة على معبر رفح انتقلت عملياً من مصر والحكومة الفلسطينية إلى حكومة نتنياهو ومليشيات العملاء التي تمارس كلّ أشكال الامتهان والتنكيل بحقّ نساء غزة العائدات إلى قطعة غزّة صحبة أطفالهن فيما يتقلّص الدور المصري صاحب السيادة الأصلي إلى تقديم المساعدة الأمنية للجانب الصهيوني من خلال فرز أسماء العائدين ورفعها إلى جهاز الشاباك الإسرائيلي للبتّ في دخول أو رفض دخول من يشاء. *شروط الذل تلك الشروط التي وضعها بنيامين نتنياهو من أجل بدء التشغيل التجريبي للمعبر تمثّل إهانة لكلّ الأطراف وعلى الرغم من ذلك تتفنّن الأوساط السياسية والإعلامية الصهيونية في تصدير صورة زائفة عن أنّ فتح المعبر هو منتهى التنازلات التي تمسّ بالسيادة الإسرائيلية لأنّه لم يتم تدمير المقاومة الفلسطينية بعد. إجمالاً يمكن القول إنّ النافذة الوحيدة التي يطلّ منها فلسطينيو قطاع غزّة إلى الخارج صارت خاضعة للهيمنة الإسرائيلية التي باتت تنظر إلى غزّة باعتبارها منطقة نفوذ للاحتلال بعد سلخها عن الإطار العام للقضية الفلسطينية ويتجسّد ذلك في رفض بنيامين نتنياهو رفع أيّة أعلام أو شعارات تقول إنّ غزة جزء من مشروع الدولة الفلسطينية التي ترفضها إسرائيل حيث شنّ هجوماً على اللجنة الوطنية لإدارة غزّة بسبب قرارها تحديث شعارها ليُطابق شعار السلطة الفلسطينية والتي هي شئت أم أبيت رمز المشروع الوطني الفلسطيني أمام العالم بصرف النظر عن أنّ أداءها السياسي والأمني الذي يجعلها جزءاً من المنظومة الأمنية الإسرائيلية. في هذه الأثناء يواصل الاحتلال تكريس مليشياته العميلة في غزّة بديلاً أمنياً لسلطة محمود عباس ويمنحها أدواراً رئيسة في تصفية المقاومة والتنكيل بالبيئة الشعبية الحاضنة لها وهو ما يعني إجرائياً توسيع وتعزيز السيادة الإسرائيلية على القطاع من معبره إلى عمقه في الوقت الذي لا يملك فيه الوسطاء والضامنون العرب والمسلمون غير مناشدة الرئيس القدوة دونالد ترامب وإدارته الضغط على نتنياهو للتوقّف عن انتهاك ما تمّ الاتفاق عليه على الرغم من أنّهم جميعاً يعلمون أنّ المبدأ الحاكم للاستراتيجية الإسرائيلية هو أنّ الاتفاقات تُبرم لكي تنتهكها إسرائيل. الحاصل فعلياً الآن أنّ ما توصف بالمرحلة الثانية من اتفاق غزّة حصرت المسألة الفلسطينية في جوانب إنسانية تتعلّق بدخول وخروج جرحى العدوان وإدخال المساعدات بعيداً عن أصل الموضوع وجوهر الصراع: إنهاء الاحتلال وليس تلطيف ممارسات الاحتلال في ظلّ صمت عربي مُشين تقطعه تصريحات للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس يبدو فيها عربياً أكثر من الأمين العام للجامعة العربية وإسلامياً أكثر من رئيس منظّمة التعاون الإسلامي فيعلن أنّ الاحتلال يجب أن ينتهي وحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرّف يجب أن تتحقّق وأنّ غزّة جزء من الدولة الفلسطينية ويجب أن تبقى كذلك . قالها غوتيريس حين صمت العرب.