دخلنا بسكرة التي تنعم بهدوئها المعتاد وسط أشجار النخيل الباسقات، ونحن نشاهد في طريقنا البيوت الأثرية التي تتباهى بها المدينة والعدد الكبير لأضرحة الفاتحين المسلمين، وأشهرهم عقبة بن نافع الفهري القريشي، الذي يوجد ضريحه في المسجد الكبير للمدينة، والذي يحمل اسمه. على بعد عشرين كلم من مقر ولاية بسكرة، يتوقف بك الزمن أمام مسجد سيدي عقبة نسبة إلى الفاتح العربي عقبة بن نافع الفهري، والذي يرجع نسب المدينة إليه، إذ تشكلت مدينة سيدي عقبة التي كانت صحراء قاحلة بعد بناء ضريح ومسجد عقبة بن نافع، وتجتمع حوله تجمعات سكنية شكلت مع مرور الزمن المدينة بعد فترة حكم الموحدين وبداية حكم الزيانيين، ومنذ ذلك الوقت دبت الحياة في الأرض وتشكلت بها واحات النخيل رغم ندرة الماء الذي جلبه السكان من وديان الأوراس عن طريق قناة مفتوحة بلغ طولها اثني عشرة كيلومتر. يعد مسجد عقبة بن نافع المتضمن ضريحه تحفة معمارية بطراز الهندسة الإسلامية الرفيعة، يحاكي المساجد التاريخية الشهيرة أو تلك القصور الأندلسية الراقية. وقد شهد عمليات ترميم وتوسعة، تقول الكتب والمراجع أنه في بادئ الأمر كان يتضمن قاعة صلاة صغيرة مكونة من أقواس بنيت بالعرعار وخشب النخيل المدعمة بحجر ومواد محلية كالكلس الجيري والطوب إلى سنة 1800م، حيث رمم المحراب على يد محمد بن عمر التونسي بأمر من احمد بن الحاج محمد بن الحاج التواتي. أما الصومعة وخلفية المسجد فرممتا بعد المحراب. تلا عمليات الترميم تزيين لأجنحة المسجد وزواياه، حيث اصطبغ المحراب والقبو بالأحمر والاخضر، أما المنبر فبابه خشبي منحوت بأشكال هندسية رائعة الإتقان، فيما زين بألوان وأشكال زخرفية فاتنة مجصصة في أسقفه فوانيس عتيقة، وإن اختلفت التزيينات لكنها تحمل كلها بصمة أصيلة. باب المسجد تحفة فنية متقنة التزيين الأرابسكي بأشكال فائقة الجمال، يبلغ عرضه 1.4م وارتفاعه2.7م وسمكه 40 سم، مصنوع من خشب السدر ومرصع بدبابيس برونزية. تقول المراجع إن الباب هدية من المعز بن باديس الصنهجي أميرالقيروان عند بنائه. يتضمن المسجد أيضا نوافذ بكل واجهاته مزينة بأشكال ومنمنمات فاخرة توحي بعظمة الهندسة المعمارية الإسلامية. في المسجد غرف خصصت قديما لإقامة الطلبة الغرباء الوافدين من المناطق المجاورة منها قسنطينة، والأوراس، وحتى تونس لتعلم القرآن وعلوم الشريعة على الطريقة المالكية. في سنة 1913 وسع المسجد وأضيفت له سدة للصلاة خصصت للنساء مايزال موقعها أصليا إلى اليوم، وقد بنيت آنذاك بواسطة جذوع النخل والطوب. وفي الفترة بين 1966 إلى 1972 رمم المسجد من جديد بعد تعرض التربة للانخفاض مع هطول الأمطار الغزيرة على المنطقة، أين دعمت الأعمدة والأقواس الأصلية. مئذنة المسجد من بين أقدم المآذن في شمال إفريقيا، ورغم ذلك حافظت على تماسكها وصلابتها، تقع في الركن الشمالي لبيت الصلاة، وهي تنتمي إلى نمط المآذن الهرمية ذات القاعدة المربعة، ويبلغ ارتفاعها حوالي 16 مترا، ويبلغ طول ضلع القاعدة 5 أمتار ليتراجع إلى 3.50 متر عند القبة. تتكون المئذنة من طابق واحد ارتفاعه 14 مترا، ويتخلله شرفات ويعلوه جوسق أسطواني ارتفاعه متران، يعلوها جمور نحاسي، وجاءت شبيهة بمئذنة جامع قلعة بني حماد التي تتكون هي الأخرى من طابق واحد. تحتوي واجهات المئذنة من بيت الصلاة بواسطة مدخل في الجهة الشرقية وعرضه 0.90 متر، وارتفاعه 1.80 متر . يتضمن المسجد عناصر أثرية تشهد على ضرب تاريخ المسجد في عمق السنوات المنقضية في قاعة المصلى تتواجد حجرة الضريح مغطاة بقبة ترجع إلى القرن التاسع ولوحة الكتابة الكوفية المثبتة بشكل عمودي بجانب مدخل حجرة الضريح، والتي احتوت كتابة يقرأ عليها: "هذا قبر عقبة بن نافع رحمه الله"، بالإضافة إلى جدار القبلة والمحراب والمئذنة. الدخول إلى مسجد عقبة يبعث عن السؤال عن هذا الرجل ومن يكون، عقبة بن نافع الفهري ولد سنة قبل الهجرة وينتسب الى قبيلة فهر القرشية الأصل، وهو صحابي جليل عرف بشهامته وشجاعته وجهاده في سبيل نشر الإسلام وتعميم الدعوة منذ شبابه، حيث شهد فتح مصر في عهد عمر بن الخطاب سنة 22 هجري فتح كل من برقة وفزان وعند تولي معاوية الخلافة قاد جيوشه لفتح السودان ولواتة في 43 ه. تولى عقبة بن نافع ولاية المغرب في عام خمسين للهجرة، فغزا الرومان وطردهم وأسس بذلك مدينة القيروان، وفي ولايته الثانية له زمن اليزيد فتح كل بلاد المغرب العربي تونس والجزائر وطنجة بالمغرب الأقصى في العام 62 ه، إلى أن وصل الى المحيط الأطلسي، حيث أقحم فرسه في مياه البحر وأشار بسيفه مدليا بمقولته الشهيرة "يارب وعزتك وجلالك لولا هذا البحر لمضيت في البلاد، أجاهد في سبيلك حتى لا يُعبد أحد سواك". عند عودة عقبة وجيشه الفاتح نحو القيروان، مر بمنطقة الزاب وفي طريقه بلغه خبر محاولات بربرية وأخرى بزنطية لدخول القيروان، فقام بإرسال معظم جيشه نحوها، وبقيت معه قلة فتح بمعيتهم بسكرة إلى أن وصل الى منطقة تهودة أين حاصرته جيوش بربرية بقيادة كسيلة، وفي هذه المعركة استشهد عقبة وأبو المهاجر دينار و300 من التابعين. ولم يبق من الفاتحين سوى أسيرين لدى كسيلة الذي اتصل به زهير بن قيس لإطلاق سراحهما مقابل فدية فتم ذلك، وبفضلهما تم التعرف على مكان الاستشهاد وتم البحث عن بقايا الجثث الشهداء، وبني بعد ذلك حول قبر عقبة حائط مستدير ليتعرف عليه من يمر بالمكان ووضعت على الضريح قبة بني عليها مسجد لأداء الصلاة. في الوقت الراهن، يمثل ضريح ومسجد عقبة بن نافع قطبا بالغ الأهمية في المدينة بحيث يزوره العديد من أهل بسكرة وحتى المدن المجاورة. ويشهد المقام اكتظاظا بالزوار، خاصة في فصل الخريف بين شهري سبتمبر وأكتوبر وتقام احتفالات بوعدة سيدي عقبة، كما يسميها أهل المنطقة التي تتخللها مدائح دينية وتلاوة للقرآن الكريم وإخراج الصدقات وإطعام المساكين والفقراء في جو تنبعث منه أواصر التضامن وصلة الرحم بين الجميع وسط واحات النخيل السندسية المستقطبة لإعجاب أنظار كل مقيم أو مار بسيدي عقبة المدينة التاريخية الفاتنة. لابد أن يكون مسجد سيدي عقبة أحد أعمدة السياحة في بسكرة لأنه واجهة، كما الواجهات الأخرى التي قد تتطلب أن نعرفها من الداخل بالتنقيب في تاريخها وطريقة الحفاظ عليها.