الجزائر وتشاد تتجهان نحو شراكة استراتيجية لتعزيز التعاون الاقتصادي والاستثمار    تعزيز التعاون الطاقوي بين الجزائر وأمريكا اللاتينية: آفاق جديدة للشراكة جنوب-جنوب    انطلاق الاختبارات التطبيقية لبكالوريا الفنون من الأبيار وسط تنظيم محكم    تعزيز العلاقات الجزائرية-التشادية وبحث القضايا الإقليمية والدولية    اليوم العالمي للإبداع والابتكار: الجزائر تعزز منظومتها لدعم الطلبة والشركات الناشئة    "كوسوب" تؤشر على رفع رأسمال "CRAPC Expertise" لدعم الاستثمار والبحث العلمي    هرمز عاد للعمل لكن الآبار معطلة    نهاية البترودولار    قدّم عرضًا فنيًا لافتًا في نصف نهائي دوري أبطال آسيا للنخبة: رياض محرز.. ساحر يفتح شوارع بطل اليابان    تجديد عقد بيتكوفيتش مع "الخضر" يقترب من الحسم    هجوم هولندي جديد على أنيس حاج موسى    وصول شحنة رابعة من أغنام أضاحي العيد إلى ميناء وهران لتعزيز التموين الوطني    إجراءات لتسهيل عودة المعارضين وإطلاق حوار وطني    ديناميكية جديدة لحوكمة طاقوية حديثة    هذه رزنامة اختبارات "البيام " و"البالك"    4مشاريع لتطوير تقنيات تخزين ومراقبة المنتجات    تحذير من إثارة التوتر في القرن الإفريقي    عناية خاصة يوليها الرئيس تبون لحجاجنا الميامين    تحذيرات من تدهور خطير يهدّد الأمن الغذائي في غزة    مجلس الأمة يستضيف طلبة جامعة سطيف 2    بيب غوارديولا يصر على صفقة إبراهيم مازة    اتحاد الجزائر يقدم درسا ل"الكاف" ويفضح الكولسة الخبيثة    دراجو الجزائر في مهمة التدارك للالتحاق بجدول المتوجين    جسر المعرفة بين الأكاديميّين والطلبة    بلدية أولاد هداج تسابق الزمن لاستكمال المشاريع المبرمجة    اعتماد مخطط سير جديد خلال الأيام القادمة    رهان على المكننة لتطوير الإنتاج الزراعي    ضرورة تحويل المدن التاريخية إلى وجهات سياحية    بيطام يدعو لاستغلال الفضاءات المهجورة    تحويل التراث الثقافي من الحماية إلى التثمين    موعد يتجدد مع عالم الطبيعة    مهرجان عنابة للفيلم المتوسطي : مشاركة 55 فيلما من 20 بلدا متوسطيا في الطبعة السادسة    وزيرة الثقافة والفنون: برنامج 2026-2028 يراهن على تحويل التراث إلى رافد اقتصادي هام    تزامنا وشهر التراث..أبواب مفتوحة على الوكالة الوطنية للقطاعات المحفوظة بقصبة الجزائر    استهداف سفن حربية أمريكية بمسيرات إيرانية..توقف حركة الشحن عبر مضيق هرمز    توقف مؤقت لمحطة تحلية "فوكة 1" بتيبازة لأشغال الصيانة    حصيلة 2025: ضربات قوية للدرك الوطني ضد الجريمة والتهريب    استئناف الحجز الإلكتروني لفنادق مكة لحجاج الجزائر    تحيين المرجع الوطني لاعتماد مؤسسات الصحة    الحماية المدنية تنظم يوماً تكوينياً للتحضير لمرافقة حجاج موسم 2026    تقديم خدمات نوعية ترقى لتطلّعات الحجاج    زروقي يترأس اجتماعاً "حاسماً" مع الشركاء الاجتماعيين    ضبط أزيد من 86 كلغ من الكيف المعالج    03 وفيات و 195 جرحا    نقل التجربة الجزائرية في تسيير مراكز "المقاولاتية" إلى النيجر    الدولة تراجع المنظومة القانونية تلبية لتطلعات المواطنين    أسرى فلسطين بين سيف الإعدام وصمت العالم    الخط المنجمي الشرقي يدخل مرحلة الإنجاز المكثف    الكنيست يمرر قانون إعدام الأسرى..؟!    وزير المجاهدين رفقة الوالي وثلة من المجاهدين يعيدون الأمجاد    زكاة الفطر من الألف إلى الياء..    هكذا نستقيم على الطاعة بعد رمضان..    أول ألقاب آيت نوري مع السيتي    التجربة الإسلامية التاريخية بنيت على المفهوم القرآني للعدل    كم يربح رونالدو من تهنئة العيد؟    هكذا نستقيم على الطاعة بعد رمضان..    هكذا كان صحابة رسول الله يحتفون بليلة العمر    ما شعورك وأنت تودع رمضان الكرم؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



"أطفال الياسمين".. حين كانت بني مزغنة تفوح عطرا
المهنة اختفت نهائيا عن الأنظار
نشر في الفجر يوم 26 - 09 - 2016

اختفت الكثير من مظاهر الحياة الاجتماعية التي طبعت مدينة البهجة، نظرا للتوسع العمراني والتنوع السكاني بها، ليكون مصير باعة الياسمين المتنقلين هو الزوال من شوارعها، بعد أن كانت سلالهم وعقود الياسمين تجوب شوارع المدينة وتنعشها عطرا.
لم يكن من السهل علينا إيجاد شخص يفيدنا عن مهنة بيع الياسمين بالتجول، نظرا لاختفائها نهائيا عن الأنظار، باعتبار أن الذين مارسوا بيع زهر الياسمين امتنعوا عنها اليوم. كما أن تلك المحطة من حياتهم كنت فترة عابرة، مثلها مثل العديد من النشاطات التي طبعت مدينة الجزائر القديمة، لكن زوالها أفقد ”المحروسة” خصوصياتها الاجتماعية والثقافية إلى حد كبير.
ورغم أن مهنة بيع الزهور والورود منتعشة منذ قديم الزمان ولها محلات خاصة، إلا أننا تساءلنا عن سبب غياب ”أطفال الياسمين” الذين زادوا المدينة بهاء بزهور ناعمة بيضاء، تغنى بها الشعراء ولم يبخس حقها الروائيون، فقد كتب واسيني الاعرج رواية ”طوق الياسمين” وكتبت غادة السمان ”رسائل الحنين إلى الياسمين”، حيث أن عادة غرس شجر الياسمين واستغلال زهره بأشكال عديدة يشترك فيها الجزائريون وأهل بلاد الشام.
حدائق الياسمين والورد المسكي.. جنة على ضفاف البحر المتوسط
يتملكنا الشعور بحظ وفير حين نصعد أعالي مدينة الجزائر المحاذية للبحر المتوسط، زمن الذهاب إلى أحد أقربائنا الذين يجاورون ”السيدة الإفريقية”، خاصة حين نجوب حديقة المنزل الفواحة بشجر الياسمين والورد المسكي المعروف باسم ”مسك الليل”، وورود من مختلف الألوان وأشجار فواكه متنوعة، ليكون للقاطنين بتلك الناحية مكسب يُحسدون عليه، فحدائق شجر الياسمين والورد المسكي المطلة على البحر ”جنة” يصعب على زائرها أن يبرح المكان. لتكون ذكرى زيارتنا له هو الزهر المسكي الأبيض ذو الرائحة الزكية، تصاحبه زهرات الياسمين الفواحة التي تذبل بهدوء بعد حضنها في اليد.
بغض النظر عن جعل تربية شجر الياسمين عادة لدى العائلات التي تتوفر على حدائق بمدينة الجزائر والمناطق المجاورة لها، المعروفة باسم ”الفحص”، إلا أن ذلك يفي بأغراض أخرى كذلك، حيث أن عملية تلقيم أو زبر الشجيرات يكون قبل فصل الربيع، وعند بزوغ الزهر المكتمل تعطي منظر جميلا داخل وخارج البيت مع عطرها الفواح الذي يجلب المارة ويستمتعون بقطف بعض منها.. لكن قلب صفحات الزمن يجعلنا نتحدث عن أطفال كانوا يهمون وقتها إلى جمع الزهر بمفردهم ووضعها في سلال، مثلما كان يفعله ”عمي سليمان” الذي كان بائعا للياسمين، ليصف لنا شيئا من حنين يختلج صدره، حيث أن بائعي الياسمين يتبعون بعد قطف الزهر التي يضعونها في سلة من سعف النخيل، تقنيات من أجل صنعها في شكل عقود. كما أنها حرفة تستدعي أن يكون صاحبها مغرم بالأشياء الناعمة وصبورا، لأنه يجب أن يكون محترسا حين حمله الزهور وتركيب كل مجموعة في شكل طوق.
يقول عمي سليمان ”إن الأطفال قديما كانوا يهتمون بتلقن الحرف، إلى جانب التعليم الدراسي، لكن اليوم هناك مفهوم ”عمالة الأطفال” الذي يخرج عن نطاق ما عهدناه في زمننا”، فرغم تخلص الأطفال من عمل مسح الأحذية وبيع الجرائد إلا أن مهنا أخرى علقت بهم رغم قساوتها في الوقت الراهن، في حين أن بائع الياسمين له شيء يميزه، لأن الياسمين كناية عن الرقة واللطف، كما أنه منبع الشعور بالسعادة ”. يضيف عمي سليمان ”حين كنت أبيع عقود الياسمين كانت فئة من الأطفال تبيع أغراضا أخرى، لكن المجتمع كان يرفض ذلك ضمنيا، فكثيرون لا يقبلون التعامل تجاريا مع طفل، لكني رفقة زملائي بائعي الياسمين كنا محبوبين ونبيع كل ما تحمله سلالنا، كما أن البعض كان يتجه إلينا فقط ليشم رائحته الزكية ثم ينصرف تاركا لنا ابتسامة”. كما أن الشيء الذي كان يميزنا أثناء بيعنا هو عدم الحاحنا، لأن الناس في تلك الفترة جعلت الياسمين جزءا من ثقافتها اليومية، وكثير من العائلات تحافظ على شجر الياسمين من أجل زهره الصغير الفواح، فقد كنا نعود إلى البيت والسلة فارغة من كل طوق”.
يقول عمي سليمان ”ذهبت مؤخرا إلى تونس الشقيقة، ولاحظت أن ”أطفال الياسمين” لم ينقرضوا عندهم مثلما هو الأمر عندنا، وأظن أنها المهنة الوحيدة التي يبقى الطفل في تونس يمارسها، لخلو شوارعهم من الأطفال المتسولين وممارسي المهن الشاقة، فالتونسيون يشترون عقود الياسمين إلى اليوم لتعليقها في سياراتهم أو نوافذ منازلهم”. ورغم أنها بائعي الياسمين لا يعرفهم الكثيرون اليوم ولا يسمعون عنهم شيئا، إلا أنهم كانوا في مدينة الجزائر والمناطق المجاورة لها عبقا زكيا، وكنا نشعر بالرقة والقوة في آن واحد.. يقول عمي سليمان.
تظهر مهن وتختفي أخرى حسب الحاجة إليها ووفقا للظروف الاجتماعية، فأزهار الياسمين التي تترامى أطراف أرصفة المنازل التي غرست شجره، كانت مكسب مال في وقت مضى لدى بعض من العائلات، فرغم أن ”أطفال الياسمين” مجرد ذكرى عندنا، إلا أن بلد القيروان يشع بهم على الدوام.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.