تشهد أزقّة المدينة القديمة بعاصمة روسيكادا مع حلول الأيام الأولى من شهر رمضان المعظم، حركة منقطعة النظير يصنعها المتسوّقون من مختلف الأعمار رجالا ونساء يؤمّون أزقّتها، كما هي الحال بحي السويقة العتيق، بحثا عن كل ما يريدونه من أجل تزيين موائد الإفطار الرمضانية، من خضر وفواكه أو حلويات شعبية، أو أسماك أو لحوم بيضاء وحمراء، سواء تلك المعروضة داخل المحلات التجارية أو على طاولات البيع الفوضوية، التي أصبحت في مثل هذه المواسم، تنافس الفضاءات التجارية المنظمة. يزيد الإقبال على هذا الحي أمام تلهّف سكان روسيكادا لاقتناء كل ما يريدونه من مشتريات بحثا عن "بنة رمضان" والأيام الخوالي، وهو ما ساهم في إنعاش البيع الموازي الذي انتشر في مثل هذه المناسبات، سواء على مستوى الأحياء القديمة أو الجديدة منها، حيث تتحول الأرصفة والشوارع إلى أسواق مفتوحة يباع فيها كل شيء، خصوصا الخبز و«الكسرة" و«خبز الدار" المصنوع في البيوت، والحلويات التقليدية من زلابية وقلب اللوز والمعسّل، وبعض العصائر كالشربات وأوراق "البوراك" والتوابل، وحتى الصحون والأكواب والمناشف الورقية وقوالب صناعة الحلويات والمكسّرات واللبن وغيرها. ومن بين أعرق الأحياء العتيقة بعاصمة روسيكادا الذي يبقى المكان المفضل للسكيكديين للتسوق رغم النهضة العمرانية التي شهدتها سكيكدة خلال السنوات الأخيرة، حي السويقة العتيق الذي يحمل لدى عوام الناس، أكثر من رمزية تحمل في طياتها ذكريات تأبى الذاكرة الجماعية لأهل المنطقة، نسيانها رغم أن الحي لم يعد كما كان، خاصة أمام قدم البنايات التي أصبحت هشة، إذ تعود كلها إلى الحقبة الاستعمارية، لكن مع ذلك مايزال الحي يشهد حركة كبيرة خاصة خلال المواسم والأعياد ومنها شهر رمضان، حيث يشهد إنزالا كبيرا من قبل المتسوّقين وسط ديكور تختلط فيه أصوات الباعة الفوضويين بمنبهات السيارات التي تجد صعوبة كبيرة في اجتياز الشارع بسبب الزحمة، من جهة. ومن جهة أخرى، بسبب طاولات الباعة الذين يحتلون أجزاء كبيرة من الشارع. وما زاد الوضع أكثر زحمة لجوء أصحاب المحلات إلى استغلال أجزاء هامة من الأرصفة وسط فوضى عارمة ومنافسة تجارية محتدمة، قد تصل، أحيانا، إلى حدوث مناوشات سواء مع المتسوقين أو بين أصحاب المحلات والباعة الفوضويين. وما وقفت عليه "المساء" على مستوى حي السويقة، أنّه رغم توفره على الفضاءات التجارية المنظمة، إلاّ أن الإقبال يبقى على طاولات البيع الفوضوية في رمضان. وقد أرجع بعض المواطنين سبب إقبالهم على التجار الفوضويين خاصة الذين يبيعون مختلف الخضروات، إلى الأسعار التنافسية المعروضة، والتي تتلاءم، بشكل كبير، مع ميزانياتهم، خصوصا البطاطا، التي لم يتعدّ سعر الكيلو منها 90 د.ج، وكذلك الطماطم، والبصل، والخس، بما فيها الفواكه التي تبقى في حدود المعقول وأفضل بكثير من تلك المعروضة داخل المحلات التجارية. بعض تجار الطاولات الفوضوية وجلّهم من الشباب البطالين خلال حديثنا معهم، أرجعوا سبب ممارستهم هذا النشاط التجاري بدون سجل تجاري، إلى الحاجة، لأنهم لم يجدوا عملا بعد أن سُدّت في أوجههم فرص العمل، على الرغم من أن بعضهم يحوزون على شهادات جامعية، لذا فالنسبة لهم ممارسة التجارة بهذه الطريقة أفضل من أجل الحصول على المال ومساعدة العائلة، والباقي يُستثمر في نفس النشاط حسب المناسبات والمواسم، لأنهم حسب ما صرّح لنا به أحدهم، لا يكتفون بممارسة نوع معيّن من النشاط. أما الطفل (مهدي) الذي لا يتجاوز سنه 14 سنة والذي كان برفقة آخر يعرض على مائدة صغيرة كميات من "البوراك" المصنوع في البيت، فقد أرجع سبب بيعه هذه الأخيرة إلى حاجة العائلة إلى مصروف إضافي، خاصة أن والده متقاعد، ويعيل عددا من الأولاد، بعضهم يقوم ببيع ما تقوم والدته بصناعته في البيت كأوراق البوراك وأيضا الكسرة. وهكذا تستمر الحركة بحي السويقة العتيق على مدار اليوم كله، ليفترق الجميع بمن فيهم التجار، قبيل ساعات الإفطار، تاركين الحي غارقا في الأوساخ، وبقايا الخضروات وغيرها، وسط روائح كريهة يجد عمال البلدية صعوبات جمّة في جمعها، ليقتصر النشاط على المتوافدين على مسجد الفتح الذي كان في العهد الاستدماري معبدا لليهود ليحوَّل إلى مسجد للصلاة، أو الزاوية، والمتواجدين بالسويقة، لأداء صلاة المغرب والإفطار به قبل العودة إلى مساكنهم لإتمام السهرة الرمضانية.