تكشف العادات الرمضانية في بومرداس، عن تمسّك لافت بالتقاليد المتوارَثة. حيث ترفض كثير من ربات البيوت التخلي عن اللمسة اليدوية في تحضير مستلزمات مائدة الإفطار. فمن طحن التوابل وعلى رأسها "رأس الحانوت" وتحضير "الفريك" منزليا لضمان الجودة والصحة، إلى الوفاء للقدر الفخاري وخبز "الكسرة" التقليدي، ترسم شهادات نسوة تحدثن الى "المساء"، صورة حية لنمط استهلاكي، يمزج بين الحنين إلى الماضي وضرورة الحاضر؛ فبنّة رمضان الحقيقية لاتزال تكمن في التفاصيل التقليدية التي تقاوم الاندثار. تؤكد كثير من ربات البيوت أن قيمة التوابل لا تكمن في شرائها جاهزة، بل في تلك اللحظات الجميلة التي يقضينها في تنقيتها وطحنها يدويا، فصوت المهراس النحاسي الذي كان يصدح في البيوت قديما، مايزال يمثل في ذاكرتهن الإعلان الحقيقي عن قدوم الفرحة، وهو ما يفسر تمسّكهن بتحضير "رأس الحانوت" و"الفريك" بلمسة منزلية، تمنح الشوربة نكهة لا تقبل التقليد. هذا ما قالته السيدة رشيدة، حرفية في السلالة التقليدية تحدثت إليها "المساء" بسوق رمضان التضامني بمدينة بومرداس، والتي أكدت أنها مازالت تحافظ على تقليد تحضير التوابل و«لمْعاجن" أي أنواع المعجون تقليديا. وهي العادة التي قالت إنها بقيت محافظة عليها تماما مثل محافظتها على الحرفة اليدوية التقليدية. كما قالت إن طريقتها في استقبال شهر الصيام بقيت نفسها منذ سنوات طويلة، حيث تعمد لشراء التوابل في شكلها الطبيعي، ثم تقوم بغسلها، وتجفيفيها، وطحنها في آلة رحي خاصة. وتفعل ذلك - كما صرحت لسببين اثنين؛ أحدهما اجتماعي، والآخر صحي؛ إذ إن ذلك تقليد أسري، دأبت عليه كل سنة بحلول رمضان، ولتستبعد شراء توابل مجهولة المصدر؛ خوفا من أمراض المعدة والقولون. كما إن العادة تقتضي، حسبها، كذلك، تحضير بعض أنواع المربى، وذلك يتغير حسب الفصول. وبما أن رمضان هذه السنة حل في موسم الحمضيات، فإن عملية تحضير "لمْعاجن" ، مثل ما أطلقت عليها، كانت "معجون التشينة" أي مربى البرتقال بتحضير كمية معقولة، تكفي كامل الشهر. من جهتها، قالت خالتي عائشة وهي عميدة حرفيات السلالة التقليدية إن عادات الشهر الفضيل لا تندثر حتى وإن بدا للكثيرين عكس ذلك. ما تغير، حسبها، هي الطريقة فقط. ففي الماضي كان رمضان يبدأ بتبييض الجدران بالجير، وشراء التوابل والفريك، وغسله، وتجفيفه. واليوم بقيت تلك العادات تحافظ على بعض بريقها، فقط أُدخلت عليها بعض الحداثة؛ فالسوق، اليوم، توفر كل المنتجات، وبأسعار معقولة؛ فالاختلاف في الكمية. وأكدت محدثة "المساء" أنها أضحت اليوم تشتري كمية قليلة مقارنة بالماضي. كما ترى أن القدر المصنوع من الفخار يبقى مكمن بنّة شربة فريك، التي لا يمكن تعويضها بأي قدر عصري. كذلك يبقى الخبز التقليدي أو الكسرة بمثابة البطل الذي لا يُقهر. فبالرغم من التنوع الكبير في الخبز الذي تتسابق المخابز في عرضه على الصائمين طيلة رمضان بشكل مغر جدا، إلا أن الاعتزاز يتركز في تحضير الكسرة أو "المطلوع" تقليديا؛ سواء في أفران الغاز، أو الفرن التقليدي، أو "الكوشة" ، الذي يعكس رائحة الذكريات البعيدة، تقول، من جهتها، السيدة فضيلة. أما عن الأطباق الرمضانية، فالمؤكد أن الشوربة لا تغيب عن مائدة الإفطار في بومرداس، سواء بالفريك أو "الفرميسال" على سبيل التنويع، يرافقها "البوراك" المقرمش، و"الطاجين الحلو"، الذي يحضَّر، خصيصا، على مائدة رمضان منذ يومه الأول؛ تيمنا بالأيام الحلوة خلال الشهر الفضيل. كما تُعد المائدة البومرداسية بمثابة مختبر للذوق، فالقاعدة السائدة التي تتداولها النساء، تقتضي كسر حدة "الشوربة الحمراء" بمرق أبيض، وهو ما يفسر الحضور الطاغي لأطباق الكباب، والمثوم، والدولمة بأنواعها، وطاجين الزيتون خلال أيام الإفطار الأولى. لكن "الكوزينة" اليوم لم تعد تكتفي بالموروث التقليدي فحسب، إذ تشير كثير من ربات البيوت إلى أن المائدة أصبحت تتسع لأطباق "بريستيج" ، تجمع بين الأصالة والابتكار؛ فقد تحولت الأطباق التقليدية إلى نماذج للتقديم العصري بإدخال كثير من التعديلات على سبيل إضافة الأجبان. تقول السيدة آمال التي تلقت مؤخرا تربصا في الطبخ العصري والتقليدي، إن ذلك أصبح حتمية لإرضاء جميع الأذواق، دون أن تغفل الإشارة إلى الحضور المؤكد للبطاطا المقلية، وحتى بعض أنواع الساندويتشات؛ مثل الطاكوس، والبيتزا؛ إرضاء للأطفال، موضحة أن منصات التواصل الاجتماعي أضحت فضاء لعرض عدد لا يمكن حصره من الوصفات الجديدة، التي يمكن تجربتها من باب التنويع.. وبمجرد انقضاء صلاة التراويح تنتقل الحيوية من المطابخ إلى قاعات الجلوس، التي تزدان بجلسات القعدة التقليدية، حيث تجتمع العائلات حول صينية "الشاي المنعنع" ، والقهوة المرفقة بمختلف أنواع " لمْعاجن" والحلويات المعسّلة المحضّرة بعناية، والتي تتنوع ما بين "السيجار" و«لقيمات القاضي"، و«الكنافة" ، وهي حلويات فرضتها العصرنة، ومواقع التواصل. غير أن قلب اللوز والزلابية يبقيان يتصدران السهرات الرمضانية بلا منازع..