نظم المتحف العمومي الوطني للفنون والتقاليد الشعبية، بالتنسيق مع المتحف العمومي الوطني للزخرفة والمنمنمات وفن الخط، أول أمس، بقصر "مصطفى باشا" بالقصبة، محاضرتين، تناولتا الحياة الاجتماعية والثقافية في الأهقار، وكذا التراث الأثري والجذب السياحي بتمنراست، اكتشف من خلالهما الجمهور، الكنوز الثقافية والأثرية الثمينة، التي ينجذب لها السياح الزائرون من كل صوب وحدب. ألقى المحاضرة الأولى، الدكتور كرزيكة علي، أستاذ التعليم العالي بجامعة تامنغست (تخصص آثار)، بعنوان "الحياة الاجتماعية والثقافية عند توارق أهقار - تراث بين الثابت والمتغير"، تطرق فيها لتراث وتاريخ منطقة الأهقار، واستهلها بالتعريف بهذه المنطقة، مركزا على التوارق، أو كما يعرفون بالرجال الزرق، بسبب لون الملابس التقليدية الزرقاء، يعيشون في منطقة الصحراء الكبرى. يشتهر التوارق بتاريخهم العريق وحياتهم البدوية، وبعاداتهم الاجتماعية التي استمرت عبر الزمن منذ آلاف السنين، وكان للطوارق دور كبير في التجارة الصحراوية القديمة، واعتبروا وسطاء بين دول شمال إفريقيا ومنطقة الساحل. هم معروفون أيضا بنظامهم الاجتماعي الفريد، الذي يعتمد على العائلات الممتدة، مع احترام كبير للتقاليد القبلية، وللغتهم تماشق، تكتب بخط التيفناغ. توقف المحاضر عند أسباب استقرار التوارق في هذه المنطقة، أي بالأهقار، منها وفرة المياه والأرض الصالحة للزراعة وتوفر أماكن للاحتطاب، ناهيك عن أن المنطقة تعتبر ملتقى للقوافل التجارية، كما قال الدكتور كرزيكة، إن إثنيات اجتماعية أخرى دخلت الأهقار وأقصى الجنوب بشكل عام، قادمة من المناطق الحدودية، منها مالي والنيجر. استعرض المتحدث بعضا من الحياة الاجتماعية في هذه المنطقة، منها مثلا، طقوس الزواج وكذا مكانة المرأة في المجتمع الترقي، حيث سرد جوانب من هذه العادات منها الخطبة والزواج، وكذا المهر الذي كان يقدر بالماشية، ويقام العرس في خيمة كبيرة ويعقد القران عند أهل الزوجة، وغالبا ما يكون صيفا لوفرة المحاصيل، مع ذكر بعض التفاصيل الأخرى، منها الحناء وجلسات الشاي وكذا جهاز العروس (اغرق)، وتدوم الأعراس أسبوعا كاملا، وتكاد الزغاريد لا تتوقف، كما يقرأ القرآن والأدعية وكذا قصيدة البردة يوم الزفاف، أي قدوم العروس، وتقرأ لها آليون، وهي أشعار عبارة عن وصايا لها. من جهة أخرى، يتميز هذا المجتمع بسلطة زعماء القبائل (الأماكال)، كذلك الدور البارز للمرأة حاضنة الذاكرة والتقاليد، كما لها مكانتها في اتخاذ القرارات، وفي التدبير المنزلي. وأكد المتحدث، وهو يستعرض دور المرأة الترقية، خاصة في الحياة الثقافية، أن المجتمع الترقي يحرص على تعليمها، بالتالي فهي من حافظت على خط التيفناغ، كذلك حرصها على حفظ الطبوع الموسيقية والصناعات التقليدية واللباس وغيرها. ألقى المحاضرة الثانية الدكتور محمد ساقني وهو أستاذ محاضر بجامعة تامنغست بعنوان "التراث الأثري والجذب السياحي بمناطق أهقار"، علما أنه استعان من خلال شاشة العرض بالكثير من الصور والخرائط، معرفا في البداية بالحظيرة الثقافية للأهقار التي تفوق مساحتها 366 ألف كيلومتر مربع بها مختلف المكونات الطبيعية، والنباتية والحيوانية النادرة وكذلك مختلف المواقع الأثرية الشاهدة على ما خلفه الإنسان من أثار تعكس مختلف الحقب التاريخية لمنطقة الأهقار، والتي تدخل ضمن العوامل الأساسية لتنمية السياحة الثقافية. استعرض المحاضر المسالك السياحية بالمنطقة، منها مسار تمنغست- اسكرام، ويعتبر من أهم المسالك السياحية النشطة، يمر على مناطق عديدة ومواقع للتراث الأثري، وذكر مسار تيديكلت، وهو مسار للتعرف على القصور والفقارات بهذه الناحية، وكذا مسار تاسيلي أهقار، ويعد من أشهر المسارات السياحية والأكثر طلبا لدى السياح الأجانب والجزائريين، يكتشف السائح من خلاله مواقع طبيعية رائعة ومواقع أثرية متميزة، مثل موقع تاقريرة والغسور ويوف أهاكيت. هناك أيضا مسار تفدست اميدير، الذي يأخذ السائح لاكتشاف الفن الصخري ومواقعه المختلفة، وأيضا مسار أهنت، الذي يعد من المسارات المدهشة، حيث ينتقل السائح إلى ضفة ثانية من هذا المتحف المفتوح، ليتعرف على ثقافة البدو الرحل، وكذلك المواقع الأثرية كموقع تمسكيس وانزيزة، زيادة على مسار باتجاه ضريح تنهنان. أما مسار تيمساوو انغشلان، فهو من المسارات السياحية المهمة، يضمن الوقوف على الفن الصخري والمناظر الطبيعية، يربط هذا المسار بين موقعين شهيرين، وهما موقع تيميساوو وموقع إن غشلان بالناحية الجنوبية الغربية لتامنغست. وأشار المتحدث، إلى أن أغلب المسارات بها خدمات سياحية، زيادة على الفنادق الجميلة بتامنغست، منها تلك الراقية، ناهيك عن المراقد ووكالات السياحة . من جهة أخرى، اعتبر المتحدث أن التراث غير المادي بالأهقار وجانت ومختلف المناطق، يجذب السياح، من ذلك مواسم السبيبة المصنفة عالميا، وفيه تكون الوجهة للفنادق وبحجز مسبق، كذلك مناسبات أخرى فنية موسيقية يحضر فيها الأمزاد والتندي. صرح الدكتور علي كرزيكة، على هامش الفعالية ل«المساء"، أنه يزور العاصمة قادما مع أربعة من طلبة الماستر، تخصص آثار، بجامعة تمنغست، قاموا بزيارات مؤطرة إلى مواقع بالقصبة ولمتحف الباردو ولقسم المخطوطات بالمكتبة الوطنية. بن شيكو يستضيف اتيان دينيه بباريس نزيل بوسعادة وموثق المجتمع الجزائري الأصيل يحتضن مركز الفن المعاصر بباريس، مساء اليوم، محاضرة يلقيها الأستاذ قويدر بن شيكو، حول حياة وأعمال الرسام والكاتب ايتيان ديني (1861- 1929)، مع عرض لصور فوتوغرافية تجسد لوحات هذا الفنان العالمي. يشارك في اللقاء أيضا، الأستاذ بركحوم فرحاتي، المؤرخ وعالم الأنثروبولوجيا، والمدير السابق لمتحف إتيان دينيه ببوسعادة، كما تشهد المحاضرة عرضا لصور فوتوغرافية، تجسد أعمال إتيان دينيه، تأخذ الحضور في رحلة من الأغواط إلى بسكرة، مرورا بمدينة السعادة، بوسعادة. يقف المحاضر عند رحلة عفوية، قادت إتيان دينيه إلى جنوبالجزائر في ربيع عام 1884، وبالضبط إلى منطقة بوسعادة، حيث انبهر الفنان الشاب بالأنوار، وجمال الطبيعة المحيطة، والنقاء وبالتقاليد المحلية الراقية، فاكتشف في مناطق الهضاب العليا والجنوب بساطة وكدح السكان المستقرين وشبه الرحل، الأمر الذي أسره، لدرجة أنه أصبح منهم ومن مجتمعهم، وهو ما يعتبر انعكاسا لقناعاته وتصوره الفلسفي، الذي يؤكد فيه أن الحداثة سيكون مآلها المحو والاندثار. قرر الفنان بعدها، حسب ما أشار إليه المحاضر في نص كتبه، مرفوقا بالدعوة لهذه المحاضرة - أن يجسد هذه الطبيعة وهذا المجتمع الجميل في أعماله، كي تبقى حية شاهدة على هذا التراث، وبالتالي كرس حياته لها. للإشارة، المحاضر بن شيكو درس طب الأسنان، وكان حينها يحضر دروسا في مدرسة اللوفر، وبصفته جامعا شغوفا للتحف، كان يقضي عطلات نهاية الأسبوع والإجازات في البحث عن الأعمال الفنية، وخاصة أعمال دينيه، التي أصبحت شغفه مدى الحياة، فراح يروج لها ويعرضها، ويسرد حياة دينيه الرسام والإنسان.