تُعدّ الدورة الخامسة عشرة من المهرجان الثقافي الوطني لأغنية الشعبي، المرتقب أن تجري أطوارها من 9 إلى 12 مارس الجاري، فرصة هامة للاحتفاء بعراقة الأغنية الشعبية الجزائرية، وفي هذا السياق، سيشهد المهرجان هذا العام تكريم اثنين من أبرز روّاد هذا الفن، وهما الشيخ الحاج امحمد بورحلة والشيخ خليفة بلقاسم، تقديرًا لإسهاماتهما الكبيرة في إثراء وتطوير الأغنية الشعبية الجزائرية. كُشف عن البرنامج الفني والثقافي للدورة الخامسة عشرة، مؤخرا، حيث يجمع بين السهرات الفنية والمسابقة الرسمية المخصّصة للأصوات الشابة، إضافة إلى عروض وثائقية وأنشطة فنية وثقافية تسلّط الضوء على مسارات أعلام هذا الفن وإسهاماتهم في ترسيخ مكانة الأغنية الشعبية في المشهد الثقافي الوطني. كما تم الإعلان عن قائمة المشاركين المتأهلين إلى المسابقة النهائية، القادمين من مختلف ولايات الوطن، في خطوة تعكس حرص إدارة المهرجان على اكتشاف المواهب الصاعدة ومرافقتها في مسارها الفني، وعددهم 16 مشاركا، من الجنسين. عن التكريمين المنتظرين، فيخصّان الشيخ الحاج امحمد بورحلة والشيخ خليفة بلقاسم، اللذان يعتبران من رموز الأغنية الشعبية الجزائرية، وقد ترك كلّ منهما بصمة فنية واضحة على هذا اللون الموسيقي. فعلى مدار عقود، أسهما في الحفاظ على التراث الشعبي الجزائري ونقلوا قصائده إلى أجيال جديدة، وتكريمهما في الدورة الخامسة عشرة من المهرجان الثقافي الوطني لأغنية الشعبي يعدّ خطوة هامة للحفاظ على هذا التراث الفني، ويعكس التقدير الكبير الذي يحظى به هؤلاء الفنانون الذين شكّلوا جزءًا من الهوية الثقافية الجزائرية. والشيخ الحاج امحمد بورحلة، الذي وُلد في 8 فيفري 1918 بمدينة القليعة، يعتبر واحدًا من كبار أعمدة الأغنية الشعبية الجزائرية. نشأ في بيئة شعبية محافظة، حيث تأثّر بوالده العيد أحمد بورحلة، الذي كان معروفًا في المنطقة كعازف إيقاع ضمن فرقة الزرنة التي كانت تُحيي الأعراس والمناسبات العائلية. الشيخ بورحلة بدأ مسيرته الفنية في سن مبكرة، حيث تعلّم أصول الغناء والعزف على يد الشيخ علي بيرون الذي قدّم له العديد من القصائد وأساليب الأداء التي مهّدت الطريق لتطوير أسلوبه الفني الفريد، الذي عُرف ب "النوع الخلوي"، وهو أسلوب يقوم على النظرة الشخصية والتعبير الفردي في العزف والإيقاع والغناء. في عام 1946، بدأ الشيخ بورحلة مسيرته الاحترافية مع آلة المندول، وحقّق شهرة كبيرة بفضل صوته العذب وأدائه المميّز. وقد قدّم مجموعة من القصائد التي لازالت تُسمع حتى اليوم، مثل "سال عودي عائشة" و"يا سيدي موسى". كما أبدع في تقديم قصائد لشعراء كبار مثل سيدي لخضر بن خلوف وامحمد بن سليمان. كان الشيخ الحاج امحمد بورحلة يُعرف بتواضعه الشديد وحبّه العميق لفن الشعبي، وترك إرثًا فنيًا وإنسانيًا لا يُنسى. وعُرف عنه أيضًا دوره النضالي خلال ثورة التحرير، حيث توقّف عن الغناء والتحق بالثوّار، ما أدى إلى سجنه وتعرّضه للتعذيب. بعد الاستقلال، استعاد نشاطه الفني وكان له حضور قويّ في إحياء الأعراس والمناسبات. رحل الشيخ بورحلة في 2 سبتمبر 1984 أثناء أدائه فريضة الحج، حيث دفن في البقاع المقدسة، تاركًا وراءه تاريخًا حافلًا بالعطاء الفني. أما الشيخ خليفة بلقاسم، الذي وُلد في 1907 بمدينة القليعة، فهو من الشخصيات التي تمثّل صلب الأغنية الشعبية الجزائرية التقليدية. بدأ رحلته الفنية في سن مبكرة، حيث كان يحاكي الأوتار ويستمع لأشهر الشيوخ في الجزائر، إلاّ أنّ نقطة التحوّل في مسيرته كانت في القصبة بالعاصمة الجزائرية في 1934، حيث احتكّ بكبار فناني ذلك العصر وتعلّم منهم أصول الفن الشعبي بأدقّ تفاصيله. خلال سنواته في القصبة، التحق الشيخ خليفة بلقاسم بالعمل في ميناء الجزائر كعون مراقبة، حيث عرف بين أصدقائه وزملائه بالاستقامة وحسن الخلق، ما أكسبه احترامًا واسعًا في الوسطين الفني والاجتماعي. ورغم انشغاله بالعمل، إلاّ أنّه استمر في تطوير مهاراته الفنية، ليصبح واحدًا من أبرز المغنيين في الساحة الشعبية. تميز الشيخ خليفة بلقاسم بأسلوبه الخاص في الغناء، الذي امتاز بالصدق والبساطة، ما جعل له قاعدة جماهيرية واسعة. وتجلّت براعته في العديد من القصائد التي قدّمها، حيث جمع بين التقاليد القديمة والابتكار، ليحافظ على أصالة الأغنية الشعبية الجزائرية.