فقدت الزلابية الكثير من قيمتها بعدما أصبحت تُحضَّر بالشوكولاتة وحلوى الترك وغيرهما من المكسرات. ولم تعد تشدّ إليها الصائمين، الذين كانوا يربطون بين شهر رمضان وحلاوة الزلابية التقليدية. وأمام هذا التغيّر فضّل الكثيرون البحث عن حلويات أخرى لتزيين المائدة الرمضانية.. بهذه العبارات اختار صانع الحلويات التقليدية الأصيلة، عمي عبد القادر بودواني، أن يروي ل«المساء" قصته مع صناعة الزلابية التي امتدت لأكثر من 35 سنة بمدينة العفرون. يجلس عمي عبد القادر في دكانه الصغير الذي يقع في الطريق المؤدي الى السوق الشعبي، والذي يبدو من قِدمه أنه شاهد على سنوات طويلة من العمل في تحضير الزلابية. فرن الزيت يبدو قديماً بفعل سنوات الاستخدام، بينما وُضع عجين الزلابية جانباً في انتظار تجهيز دفعة جديدة عندما تنفد الكمية. وكانت واجهة المحل مزيَّنة ببعض الأنواع الأخرى من الحلويات المعسلة التي يبرع في صناعتها؛ نزولاً عند رغبة الزبائن، منها حلوى الموز المعسلة، وأصابع زينب، ولقمة القاضي، والخشخاش والمقيرط. وبفرحة كبيرة عبّر عن سعادته بحصوله على فرصة للحديث عما يختلج في صدره بشأن ما آلت إليه حال الزلابية، والتغيّرات التي عصفت بها وأبعدتها عن طابعها التقليدي، فضلاً عن نفور بعض الصائمين منها بعد انتشار الوعي الصحي بارتفاع نسبة السكر فيها، وما قد تسببه من أمراض. وفي بداية حديثه قال بأن قصته مع صناعة الحلويات التقليدية، وخاصة الزلابية، تعود إلى مطلع سنوات التسعينيات، حين كان في العشرينيات من عمره. فقد تعلمها على يد صانع حلويات من بلدية موزاية. وكان آنذاك يجمع بين الدراسة في الطور الثانوي سنة 1989 وتعلم الصنعة. وسرعان ما أحبها بعدما تحكم في أسرارها. وبحكم أنه لم يوفق كثيراً في تعليمه اختار مواصلة تعلمها، والتعمق فيها، خاصة أنها كانت من الحلويات المحبوبة وسط العائلات. وكان صنّاعها قلة في المدينة، ومن هنا كانت الانطلاقة. محل صغير.. وذكريات كبيرة لعل أهم ما يميز محل عمي عبد القادر، أنه لا يشبه صناع الزلابية الموسميين الذين ينشطون في شهر رمضان فقط، بل يصنع الزلابية على مدار السنة؛ نزولاً عند رغبة عشاقها. وعلى الرغم من أن العائد منها قليل، إلا أنه يرفض التخلي عنها؛ يقول: "التجارة فيها دائما البركة ". ولعل أكثر ما يجعله يتمسك بها عبارات تنقلها إليه بعض الزبونات الكبيرات في السن، اللواتي يقفن أمام المحل، ويطلبن الزلابية بتأثر، مؤكدات أنهن يتذكرن طفولتهن عندما كان آباؤهن يأتون بهن إلى المحل في طريق المدرسة أو السوق، ليشتروا لهن الزلابية التي كانت تصنع فرحتهن. هذا الحنين إلى ذكريات الماضي يجعلهن يعدن لشرائها، ويؤكدن أن مذاقها لم يتغير رغم مرور السنوات. وهذا الشعور، فقط، يقول عمي عبد القادر،"يكفي لأواصل العمل". ويشحنه بالطاقة؛ لأن زلابيته سبب في إحياء ذكريات الماضي. صناعة تُتعب الجسد وتحتاج صبراً ورغم تقدم عمي عبد القادر في العمر إلا أنه يرفض ترك هذه الصنعة، مؤكداً أنها من المهن التي لم يعد الكثيرون يرغبون في تعلمها. الصناع الحقيقيون الذين يعرفون أسرارها وطريقة تحضيرها التقليدية، رحل معظمهم. وفي مدينة العفرون أصبح عددهم يُعدّ على الأصابع. ويشير عمي عبد القادر إلى أن أكثر ما يتعبه اليوم بعد أكثر من 35 سنة من العمل، هو تحضير العجين، وقلي الزلابية، وتعسيلها. وهي مراحل تحتاج إلى جهد وصبر بدأ يتناقص مع التقدم في السن. ويضيف أن سر الزلابية يكمن في ضبط مقادير العجين، والتخمير الجيد، وتحضير العسل بالمقادير الدقيقة؛ لأن أي خلل في العجين أو العسل يظهر مباشرة في شكلها، ومذاقها. زلابية اليوم... بين الابتكار والتشويه وردّا على سؤال "المساء" حول التعديلات التي مست زلابية بوفاريك، والتي اكتسبت شهرة واسعة تجاوزت حدود الوطن، أعرب عمي عبد القادر عن أسفه لما آلت إليه بعدما أصبحت تُغمس في الشوكولاتة، أو تُرش بحلوى الترك، أو تُزيَّن بالمكسرات، وهو ما أفقدها عراقتها ونكهتها الأصلية. وأوضح أنه حاول في وقت سابق، إدخال بعض التغيير من خلال إضافة مكسرات، مثل الكاوكاو، إلى العجين، ما أعطاها مذاقاً مختلفاً، لكنه سرعان ما تراجع عن الفكرة بعدما لاحظ أنها لم تعد تشبه الزلابية التقليدية رغم طعمها المميز. وأكد أن التعديلات التي مست الزلابية شوّهتها، وأبعدتها عن صفتها التقليدية التي عرفها بها الناس. وأضاف: "رغم معرفة الجميع أنها حلوى غنية بالسكر، إلا أن الإضافات الجديدة دفعت بعض الأطباء إلى التحذير منها أكثر؛ ما أفقدها جزءاً من شعبيتها، وجعل بعض العائلات تتجنبها؛ خوفاً من تأثيرها على الصحة ». الحفاظ على الوصفة الأصلية يرى صانع الحلويات التقليدية أن التعديل الوحيد المقبول هو إضافة بعض النكهات إلى العسل، مثل نكهة العسل الحر أو الفانيلا. أما غير ذلك من الإضافات فليس سوى تشويه لحلوى تقليدية أبهجت أطفال زمان، وكانت توصف بريحة شهر رمضان. ويختم عمي عبد القادر حديثه مؤكداً حرصه على مواصلة صناعة الزلابية بالطريقة التقليدية القديمة، والحفاظ على نكهتها الأصيلة؛ حتى تبقى حاضرة على موائد العائلات خلال شهر رمضان.