"حياتي انتهت... أنا أعيش فقط من أجل أبنائي".. "حياتي أصبحت خلف ظهري".. عبارة ترددها كثير من النساء، دون أن يدركن حجم ما تحمله من إلغاء للذات، وتنازل عن الحق في العيش المتوازن. ففي الوقت الذي تُقدَّس تضحيات الأم، تتحول لدى البعض إلى مسار صامت، لفقدان الاهتمام بالنفس، وهو ما يدق ناقوس الخطر لدى مختصين في علم النفس، محذرين من تداعيات هذا السلوك على التوازن النفسي للمرأة وجودة حياتها. ويشددون على أهمية تحلي النساء بالوعي النفسي الذي يمكنهن من تحقيق نوع من الاستقرار والاتزان، بما يساعدهن على عيش حياة تستحقها المرأة في مختلف مراحلها. هي مجموعة من العبارات التي نسمعها على ألسنة بعض النساء، تعكس حالة من الإهمال للذات، وكأن حياتهن لم تعد لها قيمة، وأنهن موجودات فقط لخدمة الآخرين. ومن بين هذه العبارات، حسب ما رصدته "المساء": "حياتي انتهت وأنا أعيش فقط من أجل أولادي"، أو "تركت حياتي خلف ظهري وأبحث فقط عن إسعاد أبنائي"، أو عبارة "عندما أقوم بواجباتي كلها أشعر بالسعادة". وكأن المرأة، بمجرد إنجابها للأطفال، تتوقف حياتها، لتبدأ مرحلة توجيه كل اهتمامها نحوهم فقط، وكيف تحميهم وتساعدهم على النجاح. ولا يقتصر الأمر على هذا الجانب فحسب، بل يتعداه إلى الجوانب الغذائية والمظهر الخارجي، حيث يصبح اهتمام بعض النساء بأنفسهن ضعيفًا جدًا، فتلبس ما لا يناسبها، وفي أحيان، تجلس في أماكن لا تناسبها بصورة عشوائية، بسبب التعب أو الشعور بالإرهاق، وتأكل ما يتبقى في المنزل، بعد أفراد العائلة أو أصغر حصة، دون اهتمام بنوعية غذائها. فالأهم بالنسبة لها، أن يحظى الأبناء والزوج بالرعاية الكاملة. وقد أكدت بعض النساء أنهن يعتقدن بأن حياتهن تنتهي بمجرد وجود الأطفال، لأن المسؤوليات تزيد والاهتمامات تتغير، مما يؤدي إلى تراجع تقديرهن لذواتهن لصالح الآخرين. والغريب أنهن يعتبرن ذلك أمرًا عاديًا، بل واجبًا تقوم به كل النساء. فما رأي المختصين؟ وهل يُعد ضعف تقدير المرأة لذاتها، حالة مرضية تستوجب العلاج، أم أنه سلوك عادي؟ اختارت المختصة في علم النفس العيادي، البروفيسور آمال بن عبد الرحمان، الإجابة عن هذا التساؤل، من خلال الاستشهاد بحالة امرأة تعرفها، شاركت في دورة تكوينية، رغم أن عمرها يفوق 64 سنة، وهي طبيبة مختصة في جراحة الأسنان. اختارت في هذا السن، أن تطور معارفها من خلال التكوين في علم النفس. وأكثر ما لفت انتباه المختصة، اهتمامها الكبير بنفسها، سواء من حيث مظهرها أو نظامها الغذائي، وهو ما يعكس تقديرًا عاليًا لذاتها، رغم أنها متزوجة ولديها أبناء. تؤكد المختصة، أن هذا النموذج من أبرز الأمثلة الناجحة التي أحسنت تقدير ذاتها، وكسرت الصورة النمطية التي تربط نهاية حياة المرأة بإنجاب الأبناء، حيث يصبح اهتمامها منصبًا فقط على إسعادهم وتلبية احتياجاتهم. وتوضح المختصة النفسية، أن النساء اللواتي يفقدن اهتمامهن بأنفسهن في مرحلة معينة من العمر، قد يكون ذلك بعد الولادة أو نتيجة التعرض لصدمة نفسية أو خيانة، مرجعه إهمال الجانب النفسي. فتجد المرأة لا تهتم بمظهرها، ولا تلتزم بتناول أدويتها في مواعيدها، وتأكل دون اهتمام، على اعتبار أن ذلك غير مهم. وهذا مؤشر واضح على تراجع تقدير الذات، مما يؤثر بشكل مباشر على الثقة بالنفس. ومن أبرز النتائج السلبية لهذا الوضع، أن تصبح المرأة حساسة بشكل مفرط، حيث قد تؤثر فيها أبسط الكلمات، ما يفتح الباب أمام اضطرابات نفسية مختلفة، خاصة في غياب المرافقة النفسية. أما عن العلاج، فتؤكد المختصة، أن التعامل مع هذه الحالات، حتى وإن تفاقمت، يبقى ممكنًا وبسيطًا، ويكمن أساسًا في تغيير بعض القناعات الخاطئة، مثل فكرة أن "الحياة انتهت". وتطرح في هذا السياق، سؤالًا جوهريًا: لماذا انتهت؟ وتشدد على أن حياة المرأة لا تنتهي بزيادة المسؤوليات أو بوجود الأبناء، بل عليها أن تتعلم كيف تعطي وتأخذ، وأن تمنح لنفسها الحق في عيش كل مراحل حياتها وتحقيق أهدافها. وتقترح أن تتبنى المرأة شعار: "أنا أولًا... ثم الآخرون" لرفع مؤشر تقدير الذات لديها. كما تؤكد على ضرورة إعطاء أهمية كبيرة للصحة النفسية، وهي مسؤولية تقع أيضًا على عاتق المختصين في علم النفس، الذين يُطالبون اليوم، بتعزيز الوعي النفسي لدى النساء، حتى يعتنين بأنفسهن ويرفعن من تقديرهم لذواتهن، بما يمكنهن من عيش حياة متوازنة صحيًا ونفسيًا واجتماعيًا وروحيًا.