تنظم فرقة مشروع البحث" بناء الدولة الوطنية في مذكرات وشهادات الفاعلين في حرب التحرير وبعدها"، بجامعة سيدي بلعباس، برئاسة وإدارة البروفيسور لعرج جبران، في 15 أفريل الجاري، يوما دراسيا بعنوان "رجل الظلّ في معركة النفط: أنريكو ماتي ومساهمته في تقويض الهيمنة الاستعمارية بالجزائر"، وسيتم عرض تفاصيل من حياة ونضال هذا الرجل الرمز، للتعاون والصداقة بين الجزائروإيطاليا. يتناول هذا اليوم الدراسي، حياة هذا المناضل الذي خدم الثورة واحتك بقادتها، فلقد لعب دورا بارزا في مساندة الثورة الجزائرية، وكان يشغل وقتها، منصب مدير عام لأكبر شركة للمحروقات في أوروبا آنذاك. كان أنريكو ماتيي من المقاومين ضدّ النازية، وكان معارضا بشدّة للتوجّه الاقتصادي الجديد للدول الغربية، وخاصة هيمنة وسيطرة الشركات الكبرى، بما فيها الشركات البترولية والشركات متعدّدة الجنسيات التي تتحكّم في الاقتصاد العالمي، وكان مدركا لخطر الاستعمار الاقتصادي الجديد، الذي حاولت أن تفرضه الولاياتالمتحدةالأمريكية ومن سار في فلكها، خاصة بعد الإعلان عن مشروع مارشال الشهير، ولهذا اتّخذ منذ البداية موقفا، وكان من المدافعين على حقوق الشعوب في استغلال خيراتها والانتفاع بها. التقت أفكار أنريكو ماتيي مع أفكار الثورة الجزائرية، قبل أن يلتقى مع زعمائها، أما اللقاء الحقيقي، فكان عن طريق الصدفة أثناء رحلة كان فيها الراحل يوسف بن خدة مع سعد دحلب، عائدين من رحلة استوقفتهما خلالها عاصفة ثلجية في إحدى مطارات سيبيريا، وكان من بين المسافرين أيضا في تلك الرحلة، أنريكو ماتيي الذي تعرف عليهما، وعرف أنّهما مناضلان وقياديان في الحكومة الجزائرية المؤقتة، فنشأت علاقة قوية بين الرجلين، لتتوسّع فيما بعد إلى باقي قيادات الحكومة المؤقّتة. احتكاك أنريكو بقيادات الثورة الجزائرية وحكومتها المؤقتة، جعله يقتنع بعدالة القضية الجزائرية، وأصبح من المدافعين الأقوياء عنها داخل إيطاليا وخارجها، وأصبح يشرف على تنظيم تجمعات لصالح الثورة الجزائرية، وعلى تمويل صحف خاصة، كانت تكتب افتتاحيات عن الثورة الجزائرية، ثم تكفّل في أكثر من مرة بمصاريف تنقّل وإقامة الوفد الجزائري في روما وبعض العواصم الأوروبية. وتحوّل الرجل بذلك، إلى أكبر شخصية داعمة للثورة الجزائرية، وترك بصمة واضحة في هذا الإطار، بحكم وزنه كمدير عام للشركة، وبحكم علاقاته مع الأحزاب السياسية الإيطالية، ومع الصحافة ورجال المال، ولكثرة تنقلاته. ساعد الراحل في مفاوضات إيفيان، من خلال تقديم خبرته في مجال المحروقات للوفد الجزائري، مساهما في تعزيز موقفهم بشأن استغلال الثروات البترولية والمنجمية في الصحراء، خاصة عندما رفضت فرنسا النقاش في هذا الملف. وناهض ماتي احتكار شركات النفط الكبرى (الأخوات السبع) التي كانت تسيطر على 80 بالمائة من النفط العالمي، متبنيا سياسة تعاون متكافئ بين الشمال والجنوب، بدلا من الهيمنة الاستعمارية. ناهزت مساهمة مجمع "ايني" في تكوين الإطارات الجزائرية في مجالات الصناعة البترولية، وهو ما ساعد على بناء الدولة الوطنية الجزائرية بعد الاستقلال. توفي ماتي في حادث طائرة غامض عام 1962، والذي اتّضح لاحقا وجود متفجرات فيه، ما عزّز الاعتقاد بأنه تم استهدافه، بسبب مواقفه المناهضة للاستعمار ودعمه المباشر للثورة الجزائرية.