أكدت البروفسور بن سعيدة مسعودة، رئيسة جمعية طب الصحة العقلية، ورئيسة مصلحة الكبار بالمؤسسة الاستشفائية الجامعية "أبو بكر الرازي" بعنابة، على الأهمية القصوى للتكفل المبكر بالمريض النفسي، لضمان علاج فوري وفعال. أوضحت المختصة، خلال افتتاح المؤتمر الخامس للصحة العقلية، الذي احتضنه فندق "سيبوس الدولي" على مدار يومين في عنابة، أن التدخل السريع يساهم بشكل مباشر في تقليص مدة العلاج، ومنع تدهور الحالة الصحية للمريض، مشيرة إلى أن إهمال المرض في بداياته، يجعله يزداد خطورة وتعقيدا مع مرور الوقت، ويصعب من مهام الأطباء لاحقا. جاء هذا المؤتمر العلمي الهام، بمناسبة إحياء اليوم العالمي للصحة، تحت شعار "الإيحاءات الأولى للأمراض العقلية"، حيث تم تسجيل حضور مميز لخبراء ومختصين دوليين، من تونس وفرنسا، بالإضافة إلى أطباء ومختصين نفسيين من عدة ولايات جزائرية، وحضور مدراء المؤسسات الاستشفائية والطواقم الطبية بالولاية. ركز المشاركون على مدار يومين من النقاشات العلمية، على ضرورة الانتباه للعلامات البسيطة التي تسبق ظهور الاضطرابات العقلية الكبرى، معتبرين أن الوعي بهذه الإشارات، هو "طوق النجاة" الحقيقي للمرضى ولعائلاتهم. وفي السياق ذاته، عزز الخبير الفرنسي المشارك في المؤتمر، هذه الرؤية، بمداخلة علمية مهمة، حيث أكد أن الطب الحديث في أوروبا، بات يركز بشكل كلي على "الوقاية الاستباقية" في الصحة العقلية. أشار الخبير الفرنسي، إلى أن الدراسات المقارنة، أثبتت أن اكتشاف الاضطراب في مرحلة "الإيحاءات الأولى" يرفع نسبة الشفاء والاندماج الاجتماعي إلى مستويات قياسية. وأوضح أن العالم اليوم، يتجه نحو تحطيم "التابوهات" المحيطة بالمرض النفسي، داعيا إلى ضرورة تغيير نظرة المجتمع للمريض، لأن الدعم الاجتماعي والبيئة المحيطة يمثلان نصف العلاج، مشيدا بمستوى النقاش العلمي في عنابة، الذي يواكب آخر التطورات العالمية في هذا التخصص الدقيق. وشرحت البروفسور بن سعيدة، أن منهجية العمل الطبي تعتمد بشكل أساسي على "المقابلة الطبية" المعمقة، حيث يقوم الطبيب بالبحث في تاريخ المريض منذ لحظة ولادته، مرورا بمرحلة المدرسة، وصولا إلى سن المراهقة. هذا البحث، على حد مداخلتها، ليس مجرد أسئلة عابرة، بل هو تحليل معمق للتراكمات النفسية والتعقيدات، التي قد تكون السبب الخفي وراء المعاناة الحالية. وأكدت ذات المتحدثة، أن هدف الأطباء هو إيجاد الحلول قبل أن "يستعصي الأمر"، لأن العلاج في البداية، يكون أسهل بكثير وأقل تكلفة من الناحية الإنسانية والطبية والاجتماعية. من جانبها، قدمت المختصة النفسانية مغزلي نعيمة، برتبة رئيس مصلحة طب الأطفال والمراهقين بمستشفى "أبو بكر الرازي"، تفاصيل موسعة، حول دور المصحة التي تستقبل الأطفال من سن 18 شهرا حتى 17 سنة.أوضحت مغزلي، أن الكثير من العائلات تغفل عن أعراض جوهرية، مثل مشاكل التواصل اللفظي، أو ضعف التركيز البصري، أو التأخر في النمو الحسي والحركي. وشددت على أن المصلحة تعمل وفق استراتيجية علمية، تهدف إلى احتواء المراهقين الذين يعانون من اضطرابات سلوكية ناتجة عن القلق الحاد، والتي قد تؤدي بهم إلى الانحراف أو تعاطي السموم، مؤكدة أن "التكفل النفسي" هو جسر العبور بالأطفال والمراهقين إلى بر الأمان، بعيدا عن شبح الفصام والهلوسة العقلية.