تستقبل العائلات العنابية فصل الربيع، مع أولى نسمات الاعتدال الجوي، بصناعة حلوى "البراج" أو "المبرجة"، معلنة بذلك انطلاق موسم الحفلات التقليدية، والنشاطات الميدانية التي تميز ولاية عنابة عن غيرها. هذا الطقس السنوي، ليس مجرد احتفال عابر، بل تقليد اجتماعي توارثته الأجيال في "بونة"، حيث يتحول خروج العائلات للحقول والمروج الخضراء، إلى تظاهرات شعبية عفوية، تحتفي بالأرض والارتباط بالجذور، بعيدا عن صخب المدينة وحركية الشارع. تبدأ التحضيرات داخل البيوت العنابية بحركية غير عادية، حيث تتصدر مادة "السميد" و"الغرس" المشهد. تُعد حلوى "البراج" الرمز الأول لهذا الفصل، وهي ليست مجرد تحلية، بل وجبة طاقوية متكاملة، صنعتها الجدات لتناسب خصوصية كل منطقة قروية بعنابة، إذ تُصنع من دقيق القمح الصافي أو السميد المشتق من القمح وزبدة الأبقار الطبيعية، وتُحشى بتمر الغرس الذي ينقى ويعجن جيدا. "البراج".. رمزية الأرض وحكاية الجدات لعل سر حضور حلوى "البراج"، ارتباطها بالعمل؛ فقديما كان الفلاحون يحتاجونها لمصدر طاقة كبير، وبدء موسم زرع الطماطم الصناعية والخضروات الموسمية، التي تشتهر بها منطقة عنابة. واليوم، حافظت المرأة العنابية على هذا الموروث، حيث يُطهى البراج على "طاجين الطين" أو الحديد، ليعطي نكهة تقليدية لا تقاوم، ثم يُوزع على الفقراء والمساكين كصدقة جارية وفأل خير، ليكون الموسم الزراعي وفيرا. اللمة العائلية تصنع الفرجة بمجرد أن تعلن الأرصاد الجوية عن استقرار حالة الطقس، تعرف مداخل مدينة عنابة ومخارجها، حركية كبيرة للسيارات المتوجهة نحو المرتفعات والمنتجعات السياحية المطلة على البحر. لا تكتفي العائلات بأخذ الحلويات فقط، بل تنقل مطابخها إلى الهواء الطلق. هناك، وسط المساحات الخضراء في "سرايدي" أو "شطايبي"، تُنصب الموائد الجماعية. يعتبر طبق "الثريدة" العنابية والكسكسي و"المقطفة"، من الأطباق الأساسية في هذه النزهات. تُحضر هذه الأطباق بكميات كبيرة، لتكفي العائلات الكبيرة والجيران، حيث يساهم الجميع في إعداد المائدة. هذا الاختلاط الاجتماعي يعزز من روابط الجيرة والقرابة، ويجعل من الربيع فرصة للم الشمل، كما يجد الأطفال الصغار ضالتهم في اللعب والركض في المساحات الزراعية. السياحة الروحية وعادات "عام الخير" من المميزات الفريدة لاحتفالية الربيع في عنابة؛ ما يُعرف ب"السياحة الروحية". تتوجه العائلات إلى مقامات وأضرحة، لها رمزية تاريخية ودينية في المنطقة، مثل مقام "رأس الحمراء" وضريح "سيدي عمار بوسنة". تُقام في هذه الأماكن "وعدات"، تُنحر فيها الأضاحي وتُوزع اللحوم على المحتاجين. وتؤكد الشهادات الحية لكبار السن في المدينة، مثل "السيدة الضاوية"، أن للربيع طقوسا تفاؤلية خاصة؛ فمن العادات قطف عشبة "البرواق" والزهور البرية كالأقحوان، ورميها فوق أسطح المنازل. هذه الحركة الرمزية تعبر عن أمنيات سكان المنزل بأن يكون عامهم أخضر ومليئا بالرزق. كما يسود اعتقاد شعبي، بأن هذا الفصل هو "فأل خير" للفتيات العازبات، حيث تكثر فيه الخطوبات والأفراح، تيمنا بتفتح الطبيعة وتجدد الحياة. عالم الطفولة.. كسر الرتابة تحت الشمس يمثل الخروج إلى الحقول، المتنفس الوحيد للأطفال، بعيداً عن جدران المدارس والبيوت الضيقة. تصنع الأمهات للأطفال "قرصات" من الكسرة، يخرجون بها إلى المروج الخضراء للعب. هذا الاتصال المباشر مع الطبيعة، يساعد الأطفال على كسر الرتابة السنوية، وتفريغ طاقاتهم في بيئة صحية. كما يتعلم الصغار، من خلال هذه النزهات، قيمة الأرض وأهمية الحفاظ على البيئة، حيث يشاهدون بأعينهم، جمال غابات الزيتون وحقول القمح التي تحيط بالقرى المجاورة. عنابة.. قطب سياحي ربيعي بامتياز تتحول ولاية عنابة، خلال شهري مارس وأفريل، إلى قبلة للزوار من الولايات المجاورة. فالتضاريس الفريدة التي تجمع بين الجبال الغابية والشواطئ الذهبية والسهول الخصبة، تجعل من الاحتفال بالربيع تجربة متكاملة. يفضل الكثيرون التوجه إلى "سرايدي"، حيث يمتزج هواء الجبال برائحة البحر، وهناك من يختار منطقة شطايبي التي تعتبر جنة فوق الأرض، نظرا لتزاوج البحر مع الطبيعة. إن الاحتفال بالربيع في عنابة، هو التأكيد على أن الهوية العنابية لا تزال حية وقوية. فرغم الحداثة وانتشار الوجبات السريعة، لا يزال "البراج" و"الثريدة" سيدي الموقف، ولا تزال العائلات تفضل البساط الأخضر الطبيعي على أفخم القاعات المغلقة. ويبقى الربيع في عنابة، موسما للبركة والجمال. هو الفصل الذي ينزل فيه الهدوء على الصغير والكبير، ليرسموا معا أجمل الصور الاجتماعية، بعيدا عن ضجيج المدينة وزحمة السيارات. إنها دعوة سنوية للعودة إلى البساطة، وتذوق طعم الحياة في لقمة "براج"، أو جلسة عائلية تحت سماء بونة الصافية، لتظل هذه التقاليد الحصن الذي يحمي ذاكرة المدينة من النسيان.