حين نرجع إلى المعنى اللغوي للتربية نجد أن من معانيها النمو والزيادة، ومنه أيضاً التدرج، فالتربية هي في حقيقتها جهود تراكمية، يرفد بعضها بعضاً، والزمن واضح في قولهم: تربى، وتنشأ، وتثقف؛ فالتنشئة والتغذية والتثقيف لا تكون أبداً طفرة ومرة واحدة، وإنما تتم على مراحل متتالية..؛ وذلك لأن الجوانب التي تتطلب التربية والإصلاح في النفس البشرية مع اتساعها وتعددها وتنوعها يجعلها عسيرة ومتعذرة أن تُقوم في وقتٍ واحد وجهدٍ واحد. ثم إن المتربين والمتعلمين ليسوا على درجة واحدة من الفهم والإدراك، ولا على درجة واحدة في الحرص والرغبة.وقد كان التشريع الذي نزل من عند الحكيم الخبير يرعى هذا الجانب في الإنسان، لذلك كان التدرج وتمرين الناس على قبول الشرائع وترويضهم عليها؛ فقد خوطب الناس ابتداءً بالأهم فالأهم، فكان التأكيد أولاً على تحقيق التوحيد، حتى إذا استقرت نفوسهم أمروا بالفرائض ثم سائر الشرائع والأحكام. تقول عائشة رضي الله عنها: إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصَّل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر؛ لقالوا: لا ندع الخمر أبداً، ولو نزل: لا تزنوا؛ لقالوا: لا ندع الزنا أبداً...وكذلك كان المنهج النبوي في التربية والتعليم يقوم، فقد كان منهج النبي يقوم على التدرج ومراعاة الحال. روى ابن ماجه عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن، فازددنا به إيماناً. ونحن؛ كم نستعجل أحياناً في تعليم القرآن وتحفيظه للأبناء والتلاميذ قبل تثبيت الإيمان في نفوسهم؟ ولذلك فقد رأينا فتيانا وطلابا كثيرين ممن قاربوا إتمام القرآن حفظاً لكن انقطع بهم الطريق وتغير سلوكهم؛ لأن بناء الإيمان لم يتزامن مع الحفظ.وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما في بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن يتبين كيف كان النبي يوصي بهذا المنهج التربوي، التدرج وعدم إلقاء التكاليف جملة فيرفضها المكلف، قال النبي لمعاذ: (إنك ستأتي قوماً من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؛ فإن هم أطاعوا ذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات...).وإن من التدرج ومراعاة الحال في التربية والتعليم عدم تقديم ما حقه التأخير، وأن يُخَصَّ بالعلم أناسٌ دون غيرهم مراعاةً للفهوم وتقديراً للمصالح. روى البخاري في صحيحه قال: باب من خص بالعلم قوماً دون قوم كراهية أن لا يفهموا. وذكر تحته حديث أنس رضي الله عنه قال: ذُكِر لي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ: (من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة) قال: ألا أبشر الناس؟ قال: (لا؛ إني أخاف أن يتكلوا). قال العلامة العيني رحمه الله: وفي الحديث بيان وجوب أن يُخَصَّ بالعلم الدقيق قومٌ فيهم الضبط وصحة الفهم، وأن لا يُبذل لمن لا يستأهله من الطلبة ومن يخاف عليه الترخص والاتكال لتقصير فهمه. وروى البخاري في صحيحه عن علي بن أبي طالب معلقاً قال: حدِّثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. وروى مسلم، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ما أنت محدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة.إن عملية التعليم والتربية ليست عملية استعراض يستعرض فيها المربي أو المعلم أو الأب أو الإمام والخطيب معلوماته، إنما هي صياغة متكاملة تحتاج في أولها إلى الأسس والمبادئ التي تصح بها النهايات وتكتمل، وكما قال شيخ الإسلام: صحة البدايات تمام النهايات. وهكذا كانت طريقة الربانيين الذين امتدحهم الله فقال: (وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ) [آل عمران: 79]. قال البخاري: قال ابن عباس رضي الله عنه: الرباني هو الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره. ومما يدخل في مراعاة حال المتعلم أو المتربي إعطاء كل مرحلة ما يناسبها من العلم والتربية، لأن لكل مرحلة عمرية درجة من النضج، يصعب تجاوزها، كما أن لها مشكلات لا يمكن حلها إلا على نحو جزئي، ولذا فإن العجلة هي العدو الأول للتربية.. وهناك جوانب عديدة في شخصياتنا، لا ينضجها إلا الزمن.. وكان ابن سيرين يقول:إنك إن كلفتني ما لم أطق * * ساءك ما سرك مني من خلقإن بعض المربين قد يعمد في بعض المراحل العمرية إلى زيادة الجرعة وهذا أحياناً قد يحدث شيئاً من التشوه التربوي (قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) [الطلاق: 3]. فلابد من التدرج ومراعاة كل حال من أحوال المتربين والمتلقين والطلبة بما يناسبها.