في مدينة الأبيض سيدي الشيخ فرنسا وأول تجربة تنصيرية في التاريخ -الجزء السادس بعد المائة- بقلم الطيب بن ابراهيم *ماسينيون والاختيار ما بين تامنراست والقاهرة إذا كان لويس ماسينيون أحد أعلام الإستشراق الفرنسي والعالمي الذي ترك بصماته الثقافية والفكرية على الساحة الإستشراقية والشرقية معا نراه كذلك لم يغب على ساحة المعركة السياسية والعسكرية إذا دعت الحاجة أو احتاجه وطنه كخبير عالمي في عالم الإسلاميات فرأيه لا يستغنى عنه في الحرب والسلم ففي الحرب شارك في حملة الدردنيل أثناء الحرب العالمية الأولى سنة 1916م وكان ضابطا بفرقة المشاة في جيش المشرق ثم ضُم لفرقة الاستعلامات وكان في الصفوف الخلفية مع القيادة التي تخطط وتدير المعارك كما أخبر هو بذلك في رسالة له أرسلها لشيخه دي فوكو التي كانت آخر رسالة بينهما. ولا ننس له بهذه المناسبة الدور الذي قام به كخبير مساعد لمندوب وزير خارجية بلاده في اتفاقية سايكس بيكو سنة 1916م التي قسّمت المشرق العربي الشام والعراق تقسيما استعماريا بين فرنساوبريطانيا إذ يعترف ماسينيون قائلا : ولقد اتخذني جورج بيكو مساعدا له بوصفي خبيرا في الشؤون العربية والإسلامية . وهو الذي اتخذته وزارة الخارجية الفرنسية مستشارا لها في شؤون المستعمرات بصفة رسمية منذ 27 مارس سنة 1919م. *اختيار ماسينيون لتوطيد علاقة فرنسا مع الطوارق حسب ادوارد سعيد فسلاح ماسينيون الذي يجيده ويدعو لاستعماله في مواجهة الثقافة الشرقية هو الثقافة نفسها التي يؤكد على أهمية دورها وأولويتها في الصراع وكان ماسينيون يؤمن بوضوح بأن عالم الإسلام يمكن اختراقه لا عن طريق البحث حصريا بل عن طريق تكريس النفس لجميع أوجه نشاطه بكفاءة ورزانة ولم يبلغ أي مستشرق مستوى ما بلغه ماسينيون في هذا المجال إذ حتى كبير مستشرقي بريطانيا المعاصر له جيب هاملتون 1895-1971م كان يتراجع أمامه دائما حسب ادوارد سعيد. وانطلاقا من هذه المكانة العلمية العالمية التي كان يتميز بها ماسينيون كان محل صراع وتجاذب بين عدة جهات كلها تريد توظيفه حسب مصالحها وحسب اولوية الاستراتيجيات وعندما بعث الجنرال لابرين Laperrine المقيم بأقصى الصحراء رسالة إلى رئيس كلية الآداب بالجزائر الحديثة العهد المستشرق روني باسي René Basset 1855- 1924م يطلب منه حاجة منطقة تامنراست لشخصية فرنسية علمية (مستشرق) كفأة وقادرة على إقامة علاقة تعارف لغوي وتاريخي واجتماعي وديني مع بلدان وشعوب الطوارق لصالح فرنسا وعليه البحث عن أفضل شخصية مناسبة للقيام بهذه المهمة. عندما علم القس شارل دي فوكو بالأمر وبحكم معرفته بالطوارق المقيم بينهم منذ سنوات ومعرفته لصديقه في الجندية الجنرال لابرين تدخل لدى رئيس كلية الآداب المستشرق روني باسيه René Basset المكلف بالبحث عن الشخص المناسب واقترح عليه اسم ماسينيون فهو الأكفأ وهو محل ثقة وإجماع الجميع وفي نفس الوقت أرسل الأب شارل دي فوكو رسالة لصديقه لويس ماسينيون بتاريخ 8 سبتمبر سنة 1909م يخبره فيها بما طلبه الجنرال لابرين من رئيس كلية الآداب المستشرق روني باسيه واخبره بأنه تدخل واقترح عليه اسم ماسينيون وفي نفس الرسالة أخبر دي فوكو صديقه ماسينيون أن مقر صومعته أو إقامته يقع على مقربة مسافة كيلومترات من مقر إقامة الملك لامينوكال بالهقار فالمكان مختار لإقامة العلاقات مع السكان والملك وكذلك المكان مساعد على الاتصال وذلك لتشجيعه إن اختار المهمة!!. وهنا نلاحظ التنسيق والتعاون الذي كان قائما بين الجنرال لابرين والمنصر شارل دي فوكو والمستشرق روني باسي مدير كلية الآداب تعاون المؤسسات الثلاث العسكرية والكنسية والثقافية من أجل مصالح فرنسا الاستراتيجية. كان شارل دي فوكو وهو أدرى بماسينيون يرى فيه أنه الشخص القادر على التأثير على الطوارق وتحريضهم ضد الإسلام والعرب واستمالتهم لصالح فرنسا والطوارق في نظر دي فوكو يحملون إسلاما سطحيا وهم وثنيون كفار وبرابرة وعلى من يتعامل معهم أن يعيدهم إلى ماضيهم وتاريخهم الوثني الذي لازالت صوره ورسومه محفورة ومنقوشة على أرضهم وصخور جبالهم قبل سيطرة العرب عليهم حسب دي فوكو دائما ويبين لهم حقيقة فرنسا التي تريد مساعدتهم وإقامة علاقة صداقة معهم لتطويرهم وتحريرهم وتقدمهم. *جولد زيهر وسنوك يتدخلان لتوظيف ماسينيون في القاهرة وليس بتامنراست المستشرق الكبير لويس ماسينيون عملة نادرة وشخصية علمية عالمية في عالم الإسلاميات يجب أن تستغل وان توظف لصالح مصالح فرنسا والغرب توظيفا استراتيجيا في العالم الإسلامي وليس توظيفا إداريا والجميع يريد الاستفادة من خدماته فالجنرال لابرين يريده لتوطيد علاقات سياسية مع الطوارق !! ودي فوكو يريده قسا منصرا متنكرا ولكن ظهر هناك لاعبان آخران من الوزن الثقيل من صانعي الصراع الفكري في البلاد المستعمرة حسب تعبير مالك بن نبي يريدان له مكان آخر أهم من المكان المقترح بصحراء الجزائر يتمثل هذا الطرف في المستشرقين العالميين جولد زيهر Goldziher المجري وكريستيان سنوك Snouck Hurgronje الهولندي. عندما علم بالأمر شيخا الاستشراق في عصرهما المستشرق المجري جولدزيهر 1850 - 1921 والمستشرق الهولندي كريستيان سنوك 1857 - 1936 وهما أغزر علما آنذاك من الشاب ماسينيون وأوسع فكرا من شيخه شارل دي فوكو عارضا بقوة فكرة إرسال ماسينيون للهغار للإقامة مع الطوارق في أقصى الصحراء. كان رأيهما مع الرأي القائل: إن نداء الرب الذي ينتظر ماسينيون ليس في الهغار وإنما هناك في القاهرة حاضرة الثقافة العربية والإسلامية ومدينة الأزهر ومحور الحضارة الإسلامية وشخصية محورية عالمية كماسينيون لا يليق به إلا جامعة القاهرة وليس تامنراست. إن ما كان يرمي إليه المستشرقان من وراء اختيار ماسينيون للتدريس في الجامعة هو نفس الموضوع الذي كان يتناوله المفكر الجزائري مالك بن نبي عندما يتطرق للحديث عن لويس ماسينيون ودوره في موضوع الصراع الفكري في البلاد المستعمرة إنها مهمة قيادة النخبة وهو التأثير الفكري على الطبقة المثقفة. كان المستشرقان يريدان له خدمة مصالح دولته فرنسا ومصالح غربه كله يريدان له دورا رياديا عالميا ولا يريدان له دورا أقل من ذلك قطريا أو إقليميا إنها مهمة قيادة النخبة وأن دوره هناك في القاهرة حيث الجامعة الإسلامية الجديدة التي فتحت أبوابها للطلبة مع بداية سنة 1909م والتي يؤمها الطلبة من كافة أنحاء العالم الإسلامي لذا تدخل المستشرقان الكبيران المجري جولدزيهر والهولندي كريستيان سنوك لدى الملك فؤاد الأول ( 1868 - 1936) ملك مصر وطلبا منه الاستعانة بماسينيون ليدرس في جامعته الجديدة فسمع الملك فؤاد للنصيحة وكان للمستشرقين الكبيرين ما أرادا وقدم الشاب العالم أربعين(40) محاضرة باللغة العربية بالجامعة الجديدة بالقاهرة سنتي 1912 - 1913 حول التكوين التاريخي للاصطلاحات الفلسفية وكان من بين طلبته العالم محمد رشيد رضا والأديب طه حسين والمفكر علي عبد الرازق. يتبع...