بوسليماني: مخططات عدائية سيبرانية تستهدف وحدة الجزائر وسيادتها    الرئيس السنغالي يثني على التزام الجزائر بتحقيق مصالح القارة الافريقية    بلمهدي: الانتهاء من كل مشاريع القوانين المنظمة لتسيير جامع الجزائر    بلمهدي: العمل متواصل لتنفيذ الإستراتيجية الوطنية في مجال الأنشطة الدينية    سكيكدة: 8جرحى في انفجار مصفاة بشركة صوميك    مدير مؤسسةالانتاج البرامجي المشترك: نعمل لتقديم برامج مستنيرة تواكب العصر وتستند إلى القيم التراثية والاسلامية    صندوق البحر الأحمر سيموّل 3 أفلام جزائرية    فيلمان جزائريان في مسابقة بانوراما الفيلم القصير الدولي بتونس    عرقاب: عرض مشروع قانون المناجم الجديد للنقاش خلال الأسابيع القادمة    بلمهدي: الجزائر مستعدة لاتخاذ كل الاجراءات الخاصة بتنظيم شعيرتي العمرة والحج    كرة القدم/ كأس العرب فيفا-2021: "مباراة الجزائر ستكون قوية وتحديا لنا"    ضرورة إعداد استراتيجية إعلامية عصرية لمواجهة الحرب الإعلامية    القارئة الجزائرية صونيا بلعاطل ستحظى بالتكريم الذي يليق بها    حركة حماس الفلسطينية: رياح التطبيع ستنكسر على صخرة الموقف الجزائري الأصيل    كاراتي/بطولة افريقيا: الجزائر تطمح لتحقيق مشاركة إيجابية في موعد القاهرة    إحداث القطيعة مع الممارسات البالية من فساد وبيروقراطية لن تكون كافية دون إعلام "موضوعي وقوي"    تكتل الجزائريين المقيمين في فرنسا يدعو الأمم المتحدة إلى التحرك من أجل وضع حد للجرائم الصهيونية    مدير باستور: سجلنا حالات لمتحور "دلتا" في المدارس    16 منتخبا على خط الانطلاق من أجل التتويج بالكأس العربية    الوزير الأول: إحداث القطيعة مع الممارسات البالية من فساد وبيروقراطية لن تكون كافية دون إعلام "موضوعي وقوي"    سيدا : 70 بالمائة من المصابين تم التكفل بهم بمنازلهم خلال جائحة كورونا    سلطة ضبط البريد تتحصل على شهادة واب تراست    هذه قيمة الصادرات خارج المحروقات خلال الأشهر الأولى من 2021    فيما سُجلت حالتا وفاة بسطيف والبليدة: الغاز يُبيد عائلة من 5 أفراد بخنشلة    وزارة السياحة: خريطة طريق لتجسيد المشاريع وبلوغ 3 ملايين سائح في 2024    برنامج عدل بقسنطينة: أزيد من 300 مكتتب ينتظرون تسليم السكنات بموقع الموزينة    تدخل مصالح الحماية المدنية والأشغال العمومية: الثلوج تقطع طرقات بالشرق    حي بوذراع صالح: توقيف 5 متهمين في شجار جماعي    فيما صنعت قائمة "تكتل أحرار الجزائر" المفاجأة: الأحزاب التقليدية تحافظ على غلّتها بالطارف    فيما تم التأكيد بأن الجزائر على استعداد لمواجهة تفشي المتحوّر '' أوميكرون'': إطلاق الحملة الوطنية للتلقيح ضد الأنفلونزا الموسمية    للمرة الأولى في 3 أشهر.. أسعار الذهب الأسود تهبط إلى أدنى مستوى    هناك قلعة صامدة هي الجزائر تدعم الشعبين الصحراوي و الفلسطيني    بطل الأوراس ومهندس المعارك الأولى للثورة المظفرة بخنشلة    سقوط 500 شهيد في معركة «المقارين»    نحو فتح تحقيق في الحصيلة المالية للموسم الماضي    ذكريات وشهادات في «التجربة المريرة لطفل من جريفيل»    أول عرض أزياء للأطفال بوهران قريبا    «لازمو» تسقط في فخ التعادل وبوعزة يغادر العارضة الفنية    توقيف شخصين وأمر بالقبض على ثالثهما الفار من السيارة    تلاميذ متوسطة عبد الرحمن بزاز بتيارت يغادرون المقاعد    8 تحديات جوهرية لجعل الجزائر قطبا إقليميا    أحزاب عربية تحذر من تداعيات التطبيع العسكري    الاختراق الصهيوني لن يثني الفلسطينيين عن مواصلة النضال    التماس تشديد العقوبات على المتهمين الرئيسيين    خمسيني يسوق أحشاء دجاج فاسدة    محرز يتفوق على بن رحمة    الدمية العملاقة "لجنان"... فن من فنون الرسكلة    اعمر الزاهي... عاش بسيطا زاهدا ومات عزيزا مكرما    المقاولاتية سبيل الطالب لولوج عالم الاقتصاد والمال    سيدات "الخضر" يمطرن شباك تونس برباعية    بن ناصر أساسي وميلان يتجرع ثاني هزيمة    أبواب مفتوحة للتحسيس بداء السكري في قسنطينة    استعدادات مكثفة في البويرة لمواجهة "كوفيد 19"    قيلوا فإن الشياطين لا تقيل .. والعلم الحديث يثبت    غثاء السيل.. معجزة نبوية    تحية لابن باديس    محبوبي مازال نتمناه    نص بيعة الأمير عبد القادر في 27 نوفمبر 1832    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



من عُمان إلى موريتانيا وعاء حضاري.. وليس حوضا عرقيا

بقلم الدكتور عثمان سعدي: رئيس الجمعية الجزائرية للدفاع عن اللغة العربية (القدس العربي 19/8/2009 )
كتب الأستاذ سليم مطر بالقدس العربي عدد 30 /7/2009 دراسة قيمة طويلة عنوانها "الساميون والعرب، أصلهم من العراق والشام أم من الجزيرة العربية" ، طرح فيها قضايا لا تسلم وإنما تناقش، وأنا أناقشها معتمدا لا على جزيريين حتى لا تدور حولهم شكوك بالتعصب القطري، وإنما على آراء مؤرخين كبار عالميين، وعلى دراسة تحليلية للمسألة اللغوية.
في المصطلح السامي: هو مصطلح أسطوري يقول العالم العراقي أحمد سوسة: "إن تسمية سامية أطلقت على شعوب تزعم أنها انحدرت من صلب سام بن نوح، وكان أول من أطلقها بهذا المعنى العالم النمساوي سلوتزر عام 1781 للميلاد، فشاعت منذ ذلك الحين وأصبحت عند علماء الغرب علَما لهذه المجموعة من الشعوب، وسرت إلى المؤرخين العرب وباحثيهم بطريق الاقتباس والتقليد، على الرغم من أن هذه التسمية لا تستند إلى واقع تاريخي، أو إلى أسس علمية عنصرية صحيحة أو وجهة نظر لغوية. لذلك يرى بعض الاختصاصيين وجوب تسمية هذه الأقوام بالأقوام العربية لتشمل كل من سكن الجزيرة العربية وهاجر منها لأن العرب والساميين شيء واحد" [1 ]
ويتفق مع أحمد سوسة العالم الفرنسي بيير روسيه Pierre Rossi في كتابه (وطن إيزيس تاريخ العرب الصحيح) فيقول : "إن التسمية السامية خالية من كل معنى، لدرجة أن (الموسوعة الإسلامية) نفسها التي نسبت العرب للساميين لم تفرد لكلمة سامية مادة في فهرس موادها.. إن كلمة سامية لا أثر لها في المعجم اليوناني ولا في المعجم اللاتيني.. ولو ان اليونان لم يتكون في الثقافة العربية لما ظهر البتة أرسطو إلى الوجود، إن اليونان لم يكن سوى شرفة أو ملحق للبناء العربي بالشرق..إن روما أسست في بوتقة الثقافة العربية.. لا بد أن نحدد العروبة كثقافة وحيدة للشرق" [2 ] .
مصدر الحضارة الجزيرة العربية:
الاحتمال الأرجح هو أن مصدر الهجرات بالبحر المتوسط وأوروبا متأت من الجزيرة العربية يقول العالم العراقي أحمد سوسة: "إن حضارة العرب القديمة مرت بثلاث مراحل في خلال تطورها عبر التاريخ: المرحلة الأولى أقدمها تبدأ في حوالي 40000 أربعين ألف سنة قبل الميلاد، وتنتهي في حوالي 18000 سنة قبل الميلاد، وقد عاشت هذه الحضارة ضمن حدود جزيرة العرب، ففي هذه الفترة التي دامت حوالي عشرين ألف سنة (الدورة الجليدية الرابعة) كانت أوروبا مغطاة بالثلوج، في حين كانت الجزيرة العربية تتمتع بجو معتدل رطب تكثر فيه الأمطار في كل المواسم شتاء وصيفا، مما ساعد على نمو الغابات الكثيفة في المنطقة تحولت فيما بعد عصر الجفاف نتيجة للضغط إلى طبقات نفطية، كما ساعدت هذه الظروف الملائمة إلى تكوين حضارة نهرية لا تقل شأنا عن حضارة وادي النيل وحضارة وادي الرافدين، وكان هناك نهران كبيران يخترقان جزيرة العرب من أقصاها إلى أقصاها، تقوم عليهما الزراعة التي تعتمد على الري الدائم، لذلك فلا سامية ولا جاهلية ولكن هناك عروبة وحضارة عاشتا في جزيرة العرب منذ أن عرف الإنسان القومية والتمدن قبل عشرين ألف سنة" [3 ] . والذي يؤكد كلام أحمد سوسة اكتشاف نهر جوفي على عمق أكثر من ألف متر يمر قرب الرياض ويمتد مئات الكيلوميترات وقد حفرت به آبار أورتوزية.
ويستمر أحمد سوسة فيقول: "وهناك دلائل تشير إلى أن الماشية بما فيها الجاموس والماعز والضأن، دجنت واستعملت اقتصاديا في اليمن وبلاد العرب القديمة قبل أن تدجن في مصر والعراق، كما أن القمح والشعير كان ينبت فيها بشكل طبيعي دون أن يزرع. لذلك فقد أجمع العلماء على أن شبه الجزيرة العربية هي مهد الحضارة العربية. لأن قرائن عديدة دينية ولغوية وتاريخية وجغرافية تشير بوضوح إلى أن جزيرة العرب هي مهد الحضارات السامية وطن الساميين الأوائل. فالأكايون والأشوريون والعموريون والأدوميون والنبطيون والصابئة والأحباش والعرب [والبربر طبعا] يعدون من الأقوام السامية التي تشترك في أسرة اللهجات السامية. وقد اعتبر البعض المصريين من الأقوام السامية في الأصل وأن وطنهم الأصلي هو جزيرة العرب، هاجروا منها واختلطوا هناك بزنوج وادي النيل، فنتج منهم ومن السكان الأصليين المصريين كما نعرفهم في التاريخ" [4 ]
وقبل عشرين الف سنة دخلت الكرة الأرضية المرحلة الدافئة الثالثة، فراح الجليد يذوب بأوروبا وشمالي إفريقيا، ويزحف الجفاف على الجزيرة العربية فهاجر الإنسان منها إلى بلاد الرافدين فالنيل فشمالي إفريقيا بل وإلى أوروبا. يقول أحمد سوسة: "إنه عندما دخلت الكرة ألأرضية المرحلة الدافئة الثالثة wurm3 في 18000 سنة قبل الميلاد ، زحف الجفاف على الجزيرة العربية، وذاب الجليد في أوروبا راح الإنسان يهاجر وينتشر عبر الرافدين والهلال الخصيب ومصر وشمالي إفريقيا". [4 ]
ويؤكد كلام سوسة العالم الأمريكي ول ديورانت Well Diorant في كتابة (قصة الحضارة) فيقول: "إن الحضارة وهي هنا زراعة الحبوب واستخدام الحيوانات المستأنسة قد ظهرت في العهود القديمة غير المدونة في بلاد العرب، ثم انتشرت منها في صورة (مثلث ثقافي) إلى ما بين النهرين (سومر وبابل وأشور) وإلى مصر" [5 ]
ويذهب بعض المؤرخين بعيدا فيرون أن الأنسان المهاجر من الجزيرة العربية عمر جنوب أوروبا أيضا ، يقول المؤرخ الأمريكي ويليام لانغر William Langer في كتابه [موسوعة تاريخ العالم]: "وانتشر فرع من عناصر البحر المتوسط والصحراء، الطويلة الرؤوس وأقاربهم من العرب والبربر وغيرهم في جنوب أوروبا وشمالي إفريقيا والشرق الأدنى.. لقد كان الاتجاه العام للحركة الحضارية من الجنوب إلى الشمال، ومن الشرق إلى الغرب، ولهذا كانت المناطق الجنوبية والشرقية في أي وقت مضى تتمتع بحضارات أكثر رقيا من حضارات المناطق الهامشية في الشمال الغربي" [6 ]
ويرى عالم اللغات السامية أوليئاري بأن انتشار اللغات السامية مع الهجرات، قد نجم عنه نشأة لهجات متعددة وفقا للأقاليم، يقول: "ويدلنا التاريخ على أن انتشار اللغات السامية مرتبط بهجرات الساميين المتتابعة من جزيرة العرب إلى بلاد ما بين النهرين، وأرض كنعان، وسورية، والحبشة، وشمال إفريقيا. أما تكوين اللغات واللهجات المختلفة فيرجع العامل المهم فيه إلى أن اللغات السامية خارج الجزيرة العربية، كانت تحت تأثير التداول بين خليط من السكان غير الساميين، مما أدى إلى حدوث تغييرات لفظية وتعديلات لغوية، فضلا عن إهمال القواعد النحوية، كل ذلك أدخل عدة إضافات على مفردات اللغة" [7 ]
علاقة اللغات العروبية بالعربية الأم:
تأكد من الدراسات اللغوية أن أم اللغات العربية ظهرت في الجزيرة العربية قبل آلاف السنين، ثم تفرعت إلى عدة لهجات، آخرها اللهجة العدنانية التي نزل بها القرآن الكريم لغة كاملة، والتي تجمع فيها كل الخصائص الموجودة في هذه اللهجات. بل إن أوروبا قبل انتشار القبائل الهندو أوروبية بها كانت تسود فيها اللغات العروبية, فالعالم اللغوي الجزائري الدكتور عبد الرحمن بن عطية، الذي يكتب بالفرنسية، أصدر مؤخرا كتابا عنوانه (العرب والهندو أوروبيون: هل تكلم الهندو أوروبيون العربية في الأصل)، والصادر في الجزائر سنة 2008 ، يثبت فيه من خلال المؤرخين الأوروبيين والنقوش المكتشفة بأوروبا ، بأن أوروبا قبل غزو القبائل الهندو أوروبية في نهاية الألف الثانية قبل الميلاد، كانت تتكلم اللغات العروبية، [أي السامية وفقا للمصطلح الغير العلمي]، فقد انتشرت بها اللهجات العروبية، ابتداء من الأكادية فالبابلية فالكنعانية وغيرها. ويذكر أن لاروس الكبير الموسوعي، يضع النقوش الفينيقية ابتداء من الألف الثالثة قبل الميلاد، ويحدد أن النقوش الشبه الهيروغليفية تحمل توارخ 2100 و 1600 ق. م. المحفوظة على حجارة أو برونز توحي بالهيروغليفية المصرية وأخرى بالهجائية الفينيقية. ويذكر بن عطية أن وادي الهندوس يضم شعوبا تحمل اسم (عربيتا)، كما تحمل شعوب بالبنجاب بباكستان اسم (عربي) مثلما أورد المؤرخ L.De la Vallée-Poussin دو لا فالي بوسان الذي يؤكد أن هذه الشعوب ليست هندو أوروبية وأن تسميتها قديمة تعود إلى ما قبل الأسلام.
ويقول بن عطية بأن اللغة البربرية الأمازيغية كانت منتشرة بالقوقاز وإيبيريا هاجرت لها من الجنوب، ويسميها البربرية الإيبيرية. [8 ] . ومن الغريب أنه عندما كنت طالبا بجامعة القاهرة سمعت أرمنية تقول لرفيقتها: (أوڤور) فسألتها ما معناها؟ فقالت تعالي، ونفس الكلمة بنفس النطق تعني بالبربرية : إذهب. اسكندر المقدوني الذي استمد عقيدة التوحيد من واحة سيوة البربرية الأمازيغية، الحروف الأولى باسمه (إسْكْ) تعني بالبربرية الأمازيغية: القرن، وقد لقب بذي القرنين.
اللغة الكنعانية الفينيقية أدت قبل الإسلام بالمغرب العربي دور اللغة الفصحى، محاطة باللهجات الأمازيغية البربرية القحطانية الشفوية ولمدة سبعة عشر قرنا قبل الإسلام، تقول الموسوعة الفرنسية يونيفرساليس: "صارت اللغة البونيقية الكنعانية الفينيقية اللغة المشتركة لا يتحدث بها القرطاجيون فحسب، لكن يتكلم بها سائر سكان المدن، بل كانت لغة الملوك الأفارقة أنفسهم" [9 ]
وخير من لخص فضل الكنعانيين الفينيقيين العروبيين على البشرية مؤرخ الحضارات الكبير ويل ديورانت عندما قال: "أقاموا لهم حاميات في نقط منيعة على ساحل البحر المتوسط، أقاموها في قادز، وقرطاجنة، ومرسيليا، ومالطة، وصقلية، وسردانيا، وقورسقة، بل وفي إنجلترا البعيدة. واحتلوا قبرص، وميلوس، ورودس، ونقلوا الفنون والعلوم، من مصر، وكريت، والشرق الأدنى، ونشروها في اليونان، وفي وإفريقيا، وإيطاليا، وإسبانيا؛ وربطوا الشرق بالغرب بشبكة من الروابط التجارية والثقافية، وشرعوا ينتشلون أوروبا من براثن الهمجية". [10 ]
لم يبق بين أيدينا الآن قائما وواضحا إلا اللغات العروبية [أي السامية] فمنها نعرف جذورنا كعرب وعددها كبير وهي في أربع مجموعات: المجموعة الشرقية ومنها الأكدية والبابلية والأشورية؛ والمجموعة الشمالية ومنها العمورية والأرامية؛ والمجموعة الجنوبية ومنها المعينية والحميرية والسبئية والأثيوبية والعربية والأمهرية؛ والمجموعة الغربية ومنها الكنعانية والموابية والعبرانية والبربرية.
وأود أن أوضح بأن الوطن العربي من عمان إلى موريتانيا عبارة عن حوض حضاري وليس حوضا عرقيا، وفق ما عبر عنه سيد المرسلي: "ليست العربية فيكم بأب ولا بأم وإنما هي في اللسان فمن تكلم العربية فهو عربي". وأن الهجرات تمت من الشرق إلى الغرب بصورة رئيسية، وأحيانا من الغرب إلى الشرق، كهجرة الشواش الأمازيغية البربرية من جريد البلاد التونسية الذين هاجروا نتيجة لزحف الجفاف إلى مصر واستقروا حول بحيرة قارون، وبعد أجيال تمكن أحد أبنائهم وهو ششنق الأول من حكم مصر الفرعونية سنة 950 ق. م. فأسس الأسرة الثانية والعشرين والثالثة والعشرين.
وفي القرن العاشر الميلاد انتقل مائتا ألف شاب من قبيلة كتامة البربرية من البلاد الحالية الجزائرية ضمن الجيش الفاطمي، واستقروا بالفسطاط، وتزوجوا بصبيات مصريات وساهموا في تأسيس مجتمع القاهرة الذي بنى الأزهر الشريف. فهذا الحوض سكنه عنصر بشري واحد.
أجمع العلماء أن المصرية القديمة لغة عروبية، فعالم المصريات الألماني هينريش بروجش أورد في مقدمة كتابه (المعجم الهيروغليفي الديموطي) الصادر بالألمانية في سبعة مجلدات في القرن التاسع عشر ما يلي: "أتنبأ مقدما أن الدهشة ستعم ذات يوم مجال البحث اللغوي لدى تبين مدى عمق الوشائج العائلية الوثيقة التي تربط اللغة المصرية بأخواتها الساميات". وقد حقق ذلك تلميذه المصري العالم أحمد باشا كمال الذي يكتب فيقول: "إن المصريين القدماء أرادوا تخليد ذكرى أصلهم فأثبتوه بالحفر على آثارهم المنقوشة على جدران معبد الدير البحري في طيبة الغربية بمدينة الأقصر قائلين أن أجدادهم يدعون الإعناء (جمع عنو)، أي أنهم أقوام من قبائل شتى اجتمعوا في وادي النيل، وأسسوا فيه مدنا كثيرة منها مدينة عين شمس.. إن اللغة المصرية أي لغة قبائل الإعناء التي سكنت مصر وما جاورها من الأقاليم هي أصل اللغة العربية بلا مراء بنص النقوش المذكورة.. إعلموا أن كثرة مطالعاتي في اللغة المصرية القديمة منذ كنت في الثامنة عشرة من عمري، إلى ان بلغت الستين مهدت لي سبيل الوصول إلى اكتشاف غريب ألا وهو أن اللغة العربية واللغة المصرية القديمة من أصل واحد وهي لغة الإعناء" ، وألف أحمد باشا كمال قاموسا يثبت عروبة اللغة المصرية القديمة ألفه في عشرين سنة.
أعددت معجما عن اللغة البربرية في سنوات من البحث صدر سنة 2007 عنوانه (معجم الجذور العربية للكلمات الأمازيغية البربرية) أثبت فيه عروبة البربرية، وأنا أمازغي بربري أنتمي إلى أكبر قبيلة بربرية أمازغية وهي قبيلة النمامشة.
وحتى السومرية التي يزعم المستشرقون أنها جاءت من أوروبا فقد حدد هويتها العالم العراقي أحمد سوسة وعلاقتها بالعروبية فقال: "وقد اعتاد الباحثون وأكثرهم من الأجانب مثل برستد وغيره أن يعتبروا الحضارة السومرية التي نشأت في جنوبي العراق أقدم حضارة وجدت في العراق.. والحقيقة أن الحضارة السومرية الرئيسة ظهرت متأخرة، ولم تزدهر وتبلغ اوج تقدمها إلا بعد أن اتصل السومريون سكان الأهوار بالساميين سكان الريف، وأخذوا يمارسون مع الساميين الزراعة التي تعتمد على مشاريع الري، فاقتبسوا منهم الخبرة الفنية، وانتقلوا من الزراعة البطائحية المقتصرة على تجفيف الأهوار " [ 11 ].
ويقول أحمد سوسة:"ومن المتفق عليه أن الكنعانيين الذين هاجروا من جزيرة العرب واستقروا في فلسطين، كانوا أول من استعمل الحروف الأبجدية في الكتابة، وهي الحروف التي اكتشفت في شبه جزيرة سيناء، ويعود تاريخها، إلى سنة 1850 قبل الميلاد، ومن الكنعانيين انتقلت إلى الفينيقيين الذين نقلوها بدورهم فيما بين سنة 850 و 750 قبل الميلاد إلى الإغريقية واللاتينية، وصارت تعرف في اليونانية باسمها العربي [الألف باء]" [12 ]
سأحاول أن أورد مقتطفات من كتاب بيير روسيه، من الترجمة العربية الجيدة التي تمت وطبعت بالجزائر سنة 2006 والتي قام بها الأستاذ مولود طياب [13] . لأن روسيه ينصف التاريخ العربي أفضل من المؤرخين العرب أنفسهم، ويعتبر أن أصل الثقافة البشرية عربي، وأن جذر اللغات بالدنيا هي اللغة العربية، وإلى القراء خلاصة ما قال:
* جذر الحضارات: يقول: روسيه: "ومع هذا فإن تاريخ الشرق وتاريخ الغرب بأجمعه، إنما تم وجرى تحت سيل نور آسيا أم الشعوب وتحت سماء النيل وفي رحابه، وأن مصر وبابل قد جمعتا الإيحاءات الجبارة التي تولدت عنها الحضارة العربية الكبرى التي أذاعت، منذ فجر العصور، معارفها وأسلوبها في الحياة، في جميع الأقطار الواقعة بين الهندوس والتاج والنيل الأزرق والبلطيق، ولم تكن أثينا وروما إلا صدى وانعكاسا لهذه الحضارة...إن أوروبا ليست هي مركز العالم، ولا هي مرآة الخير الأسمى، إنها بصفتها بنتا للشرق الإفريقي الآسيوي لا تمثل في هذا المحيط من الفضاء والزمان إلا منطقة تعمل فيها طاقات ذات جذب نحو الشرق المذكور" (صفحة 9 و 10 من المقدمة).
لقد نشأت حضارتنا يعني حضارة أوروبا خلال العصور في مثلث محصور بين البسفور والنيل وسوز عاصمة العيلاميين، وقد أنجبتها شعوب مصر وكنعان والأناضول والأشوري البابلي التي تنتمي إلى أسرة واحدة هي الأسرة العربية...(صفحة 38 ) . ولنتأمل خريطة تمثل بلاد المشرق: حضارات كبرى تظهر وتختفي وفقا للمأساة التي ترجع إلى الألف الخامسة قبل الميلاد، إذ لا يسمح لنا جهلنا بالرجوع إلى أبعد من ذلك، هذه الحواضر التي سطعت أسماؤها أربع: ممفيس، وصور، وبابل، وسوز، وقد خلفتها ست حواضر أخرى هي: الإسكندرية، وقرطاج، وروما، وأنطاكيا، وبيزنطا، وسلوقية، وأخيرا يسطع وحده هو نور بغداد الحاضرة التي تعتبر خاتمة لانفجار ثقافة جذبت وراءها من قبل أثينا وقرطاج، وساركوز، وكوم Cumes ولكن مراكزها الكبرى بقيت في مصر وبلاد الرافدين. وباستثناء هذه المدن المشهورة فإن باقي خريطة المشرق يسود فيها الظلام، فلا نتبين فيها لا تيماء في شمال الحجاز، ولا مأرب في اليمن اللتين تشهدان مع ذلك على أنه كانت توجد في تلك العصور البعيدة وحدة ثقافية تضم سكان الصحراء العربية والممالك النهرية الغنية، أعني بين الساميين الجنوبيين والساميين الشماليين، كما يمكن أن يقول علماؤنا علماء أوروبا الذين يتخوفون من النطق بكلمة العرب... (صفحة 39 ) .
ثم يتطرق للأديان الوثنية بالعالم فيعتبرها مستمدة من الأديان العروبية
وكرد على كمال صليبة الذي ينفي وجود العراق ويعتبره جزءا من إيران وهو يشير إلى غزو دارا لبابل، مع العلم أن الغازي يفرض لغته على المغزو ، لكن حدث العكس فقد اخذ دارا الغازي لغة المغزو التي هي الآرامية ورسّمها في المنطقة الواسعة التي سيطرعليها. يقول روسيه: "ألم يحرر دارا في الخمسمائة سنة قبل الميلاد القانون المصري بالآرامية ويطبقه في سائر بلاد الأمبراطورية؟ الآرامية حظيت باستعمال واسع فصارت ابتداء من القرن السابع ق. م. لغة الحديث المشتركةKoine في سائر البلاد الآسيوبة من حدود النيل إلى الهندوس في الفضاء العربي بالتحديد.." (صفحة 43 ).
وليعلم كمال صليبة أن الفارسية لغة عروبية سامية في العمق وليست هندو أوروبية فتأثير هذه الأخيرة بها سطحي. تسعون في المائة من كلماتها عربية أرامية قبل الإسلام وعدنانية بعد ألإسلام. قبل الفتح الإسلامي لم توجد قصيدة واحدة قيلت بالفارسية، الشعر الفارسي في القرون الأربعة الأولى الهجرية كان ينظم بالعربية، وبعد القرن الرابع صار الشعر بفارس يسمى الشعر القمري فصدر البيت بالعربية وعجزه بالفارسية، ثم صار يكتب الشعر الفارسي بالفارسية التي يعتبر عمودها الفقري عربي وبالبحور العربية، وهذا رد على كمال صليبة.. إن روسيه يفرد في كتابه فصلا عنوانه (الأمبراطور الآرامي) ويقصد دارا فلم يقل عنه الأمبراطور الفارسي. وأنصح الأستاذ كمال صليبة بأن يقرا كتاب المستشرق الإنجليزي الكبير إدوارد جرانڤيل براون E.G.Brown (تاريخ أدب فارس) وهو يتكون من أربعة مجلدات كبرى تجاوزت صفحاتها الألفين.
والذي نقل قسما هاما منه للعربية الدكتور إبراهيم أمين الشواربي سنة 1954، ، وأنا على يقين لو قرأ كمال صليبة هذا الكتاب لغير رأيه وصار يؤمن بأن فارس تتبع العراق في العمق أي في الثقافة، لأن الجغرافيا سطح وليست عمقا...
* ويتكلم روسيه عن الإسكندر المقدوني، فيقول: "عمل الإسكندرالمقدوني على ولنفكر في ذلك جيدا ضم اليونان إلى العالم الآرامي، بعد أن كانت لا تنتمي إليه إلا ثقافيا. كان الإسكندر على هذا مرتبطا مع أغلب المسؤوليين المدنيين والعسكريين في الأمبراطورية البابلية.. كان من حرصه أن زار سائر الولايات المتحدة الآرامية. كان ينوى أن بتقدم بزيارته إلى ليبيا وقرطاج وإيبيريا لكن الوفاة فاجأته، كانت اللغة الارامية لغة الإدارة إما بالكتابة المسمارية أو بالحروف الهجائية الفينيقية أو المصرية.. إن الإسكندر بصفته ملكا آراميا ينتمي إلى التقاليد التاريخية العربية، لكن أغلب المعلقين يتجاهلون ذلك. يرتكب تلامذتنا نفس الخطأ، فالإسكندرية تسمية آرامية قديمة اكتسبها اليونان وحولوها إلى ألِسْكندْروس Alexandros ، فإذا كان العرب يسمون الإسكندر فليس ذلك تقليدا لابن فيليب المقدوني، بل إنه هو المدين لهم.. وتُرى النهضة العصرية القائمة اليوم باسم العروبة أو الأمة العربية في هذه الوحدة هدفها الأسمى ، فالمفكرون المدافعون عن العروبة أليسوا منفذين لوصايا دارا والإسكندر؟ .. (من صفحة 176 حتى 187 ).
بعض المؤرخين يذكرون أنه قد قرر الاستقرار نهائيا في الجزيرة العربية، لكن الموت فاجأه.
* يقول روسيه: "إن اليونانية كانت لغة ناقلة، فالمدد الثقافي والعلمي والديني الكبير إنما جاء من العرب، فلا يجوز على هذا أن نقلب الأدوار، وأن نجعل من اليونان الذين كانوا ورثة فقط، آباء لأسلافهم الروحيين.. إن اليونان كانوا يسمون نجوم الدب الأصغر مجموعة فونيكة لأنها هي التي كان يسترشد بها بحارة صيدا وصور.." (صفحة 62 63 ). ثم يقول: "إن الفلسفة اليونانية انطلقت من المشرق وآلت إلى المشرق.. إن كل ما هو أساسي في ثقافتنا إنما نشأ في البلاد اليونانية الآرامية لا في غيرها من البلاد، وإنّ غرْبنا أي أوروبا هو المستهلك الناقل لهذه الثقافة ولم يكن هو المبدع لها.. (صفحة 140 141 ).
* ثم يعيد في كتابه الفلك ، والعمارة، والمسرح، إلى جذورها العربية. يقول عن المسرح: "المسرح اليوناني كان في بدايته، وعلى صورته التي بقي عليها، رغم التغييرات الخارجية، أعني نشيدا دينيا، ومأساة موسيقية دينية، أي صلوات الديونيسوس، وكلٌّ يعرف أن كلمة مأساة (تراجيدي) التي يسمى بها هذا المسرح تتألف من تراغوس Tragos أي الجدي، وأود أي النشيد، ويمكن أن تترجم إلى [نشيد الجدي] أو نشيد للجدي. وهي إشارة إلى الإله الذي عاش مستخفيا في البلاد العربية السعيدة اليمن في صورة جدي.." (صفحة 93 ) .
* وعن المنظور التوراتي في التاريخ يقول روسيه: "إننا لم نكتشف إلى اليوم أي عبارة أو أية إشارة تسمح لنا بالكلام عن وجود عاصمة عبرانية أو ملوك عبرانيين... إن تفسيرنا لأشياء المشرق سيتحرر من سلطان الأحكام الشائعة عندما نعدل عن استمداد علم التاريخ من التوراة" (صفحة 48 49 ). ومن الغريب أن دراسة الأستاذ سليم مطر سيطر عليها المنظور التوراتي. وأن مصطلح السامية والساميين يخدم الصهيونية ولا يخدم العلم لا التاريخ ولا اللغة.
* ويختم بيير روسيه كتابه الرائع بفصل عن الإسلام عنوانه (سلام الإسلام. يقول روسيه: "نجاح محمد [ص] معناه أنه كان منتظرا، وقد تظافرت إلى تلقائية ما تزل عليه من الوحي ما كان يترجاه الشعب الآرامي، فانتصار الإسلام هو مع هذا تجاوب محتوم مع دعوة ورجاء... المهزوم في معركة القادسية هي أسرة ألساسانيين، أما الشعب الفارسي فقد استقبل العرب بالأفراح، فانتصر التضامن الآرامي على العدو البيزنطي... وابتعث محمد [ص] والخلفاء من جهة أخرى اللغة الآرامية، إذ أن القرآن ارتقى بلغة الشعب النيلي البابلي القديم إلى أسمى كمال في مبانيها ومعانيها وقواعدها. وبالفعل إن اللغة العربية هي أول لغة منظمة من لغات بشرية البحر المتوسط قبل لغة هومير وهي التي منحت لها قوانينها.
ذلك أنه منذ دعوة الرسول [ص] الذي ابتعثها لحياة عصرية، انتهضت من القديمة ونقلت أصداءها العجيبة، ففرضت نفسها على ملايين البشر. وباللغة العربية يمكن لنا نحن الآروبيين، أن نعيد قراءة كتبنا الدينية وتاريخنا، وسنرى الأشياء على أوضح ما يمكن.
إن معرفة اللغة العربية سيعيننا، لا على تجاوز أفق أثينا وروما الضيق فقط، لكن على المساهمة الواسعة في مستقبل المجتمع الجديد، الذي يخلص من ظروفنا الغامضة. إن الغاية الحقيقية من الحملة الصهيونية بالمشرق مفهومة بكل يسر، فما هي إلا حرب صليبية جديدة، تستجيب لأهداف استراتيجية واستلائية هيمنية..[ليعلم القارئ أن روسيه كتب هذا قبل عدوان بوش الصغيربثلاثة عقود].. لكن كان يهب باستمرار من المشرق تيار منعش يبعث الحياة في الفنون المختلفة والتأملات الفكرية بأرض الغرب، لقد بقينا عربا بإيماننا، كما بقينا عربا بشكوكنا، ففي الأورفيو Orfeo [أوبرا] لمنتفردي الإيطالي التي تسبح فيها ألوهية الشمس، وفي الغابة الجهنمية التي يجوس فيها فهد دانتي، كما أن في العلم المعاصر الذي تسود فيه الذرة، يصعد في خفوت وباستمرار همس منابعنا المشرقية، ويكفي أن نعير الأذن لنعي ذلك.. وبالفعل ومن الصحيح أن المشرق يقترح على ذكائنا الواهي، وعلى النظرات الميكانيكية التي نتقمصها، وعلى صوابنا المحتضر، يقترح علينا الانبعاث وصعوده العسير ، نعم إن الحياة تنتظرنا في بابلون.." ( من صفحة 259 إلى صفحة 271 ).
تمنيت لو اكتسبت كل أسرة عربية كتابي بيير روسيه الفرنسي وأحمد سوسة العراقي، فقد قابلت أحمد سوسة عندما كنت سفيرا بالعراق وسوريا ونقلت له كتاب روسيه، فوجدت أنه لم يسمع عنه مع أن كتابه وكتاب روسيه توصلا إلى نفس النتائج، سوسة سلك طريق الآثار والريّ ، وروسيه سلك طريق اللاهوت ، وتوصلا لنتيجة واحدة.
الخلاصة: أرجو أن يكون قول هذا المؤرخ الفرنسي الذي يسرد مصر وبابل وكنعان لكن يعيدها إلى مهدها في الجزيرة العربية، قد أقنع الأستاذ سليم مطر وأخرجه من تعصبه لقطريته الشامية...
رئيس الجمعية الجزائرية للدفاع عن الغة العربية


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.