رئيس الجمهورية يستقبل مستشار ترامب    هذه مقترحات الشباب الديمقراطي والمواطنة حزب حول مشروع قانون الأحزاب    انجاز تاريخي يطرق أبواب الجزائر    السيد عرقاب يستقبل بنيامي من طرف رئيس جمهورية النيجر    جمال سجاتي يواصل التألق    لا دراسة في هذه الولايات    المغرب: شلل تام في العديد من القطاعات وإضرابات مرتقبة بداية من اليوم    سوريا : روسيا تسحب قوات ومعدات من مطار القامشلي    اصدار للصكوك السيادية:اكتتاب 296.6 مليار دينار لتمويل مشاريع عمومية كبرى    مواد مدرسية تدخل غزة لأول مرة منذ عامين ..3 شهداء وجرحى في قصف مدفعي وجوي شرقي غزة    قسنطينة.. فتح 6 أسواق جوارية خلال رمضان    معسكر..الشهيد شريط علي شريف رمز التضحية    الجزائر تحدد شروط استفادة موظفي التربية الوطنية من التقاعد المبكر    لتعزيز حضور اللّغة العربيّة في الفضاء الإعلاميّ الوطنيّ والدّوليّ..تنصيب لجنة مشروع المعجم الشّامل لمصطلحات الإعلام والاتّصال ثلاثيّ اللّغات    للروائي رفيق موهوب..رواية "اللوكو" في أمسية أدبية بقصر رياس البحر    الجزائر العاصمة : تسليم جوائز أفضل خمس حاضنات أعمال وطنية وإطلاق شبكة الحاضنات الجامعية    البويرة: شباب الولاية يناقشون مشاركتهم السياسية ودورهم في التنمية المحلية    الدين والحياة الطيبة    صيام الأيام البيض وفضل العمل الصالح فيها    عمرو بن العاص.. داهية العرب وسفير النبي وقائد الفتوحات    الديوان الوطني للحج والعمرة يعلن انطلاق دفع تكلفة موسم الحج 1447-2026    رئيس الجمهورية التونسية يستقبل وزير الدولة أحمد عطاف    حماية كاملة للمرأة والفتاة في الجزائر المنتصرة    الجزائر تدرك أهمية الاستثمار في المورد البشري    التطبيع خطر على الشعب المغربي    هكذا تستعد إيران للحرب مع أمريكا    وكالة كناص ميلة تباشر حملة إعلامية وتحسيسية    وفاة 3 أشخاص وإصابة 125 آخرين    حج2026 : دعوة الحجاج لإنشاء حساباتهم    نشيد عاليا"بحفاوة الاستقبال وكرم الضيافة التي حظينا بهما في قطر"    يمتن الشراكة القائمة بين المؤسسات الجامعية ومحيطها الاقتصادي    صدور مرسوم رئاسي بإنشاء المركز الوطني للتوحد    غويري بين الكبار    سيفي غريّب يترأس اجتماعاً    الشباب في الصدارة    إشادة واسعة بقرار الرئيس    اجتماع لتقييم تموين السوق بالأدوية    سوق تضامني جديد بعلي منجلي    الخارجية تدعو المعنيين للتقرب من الممثليات الدبلوماسية    نجم الريال السابق فان دير فارت يدافع على حاج موسى    "الخضر" سيقيمون في مدينة كنساس سيتي    صدمة جديدة لبن ناصر ترهن مشاركته المونديالية    الاحتلال المغربي يتراجع تحت الضغط الحقوقي الدولي    فتوح يطالب بالضغط على الكيان الصهيوني للانسحاب من غزّة    آلاف المتظاهرين في شوارع باريس للمطالبة بتطبيق العدالة    تنصيب عبد الغني آيت سعيد رئيسا مديرا عاما جديدا    مشروع جديد لتعديل القانون الأساسي لمستخدمي التربية    1950 مسكن عمومي إيجاري قيد الإنجاز بوهران    مواصلة توزيع المساعدات على المتضررين من الفيضانات    الإشعاع الثقافي يطلق مختبر "الفيلم القصير جدا"    وقفة عرفان لمن ساهم في حماية الذاكرة السينمائية الوطنية    تثمين الإرث الحضاري لمولود قاسم نايت بلقاسم    الرالي السياحي الوطني للموتوكروس والطيران الشراعي يعزز إشعاع المنيعة كوجهة للسياحة الصحراوية    حين تصبح الصورة ذاكرةً لا يطالها النسيان    أهمية المقاربة الجزائرية في مكافحة الإرهاب و الغلو والتطرف    شهر شعبان.. نفحات إيمانية    تحضيرًا لكأس العالم 2026..وديتان ل"الخضر" أمام الأوروغواي وإيران    الزاوية القاسمية ببلدية الهامل تحيي ليلة الإسراء والمعراج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



نظام المخزن يشحن الشارع المغربي ضد الجزائر
''صوت الأحرار'' تزور القنصلية الجزائرية بالدار البيضاء وترصد تفاصيل وتداعيات الاعتداء

الراية الوطنية رفعت فوق القنصلية بعد ساعة من إنزالها-
-محمد السادس يبحث عن مليون توقيع ضد الجزائر
وقفت للحظة قصيرة مشدودا بكل جوارحي، معتصما في مكاني، عندما اعترضت بصري الراية الوطنية مرفرفة فوق قنصليتنا بالدار البيضاء، ولم أتمكن من إبعاد نظري عنها وكأني أراها للمرة الأولى واكتشف ألوانها الزاهية التاريخية، فانتابني شعور غريب دعاني لئلا أحزن، فبعد كل ما حدث بهذا المكان في الذكرى ال59 لاندلاع الثورة المجيدة يوم الفاتح نوفمبر الماضي، فأنا الآن في بلد شقيق تربطه بالشعب المغربي أواصر الأخوة والتاريخ واللغة والدين، وها هي الراية ترفرف من جديد فوق قنصليتنا وقد بلغني أنها أعيدت إلى مكانها بعد أقل من ساعة يوم تم إنزالها ومحاولة تدنيسها، فلكل جزائري غيور على وطنه، ولكل من ينبض قلبه لألوان علمه، بدأت جولتي إلى المغرب لأيام معدودات، وبدأتها من قنصليتنا بالدار البيضاء.
استطاع نظام المخزن المغربي وبامتياز أن يشن حملته المسعورة عبر الشوارع والمدن وفي كل مكان بالمغرب في عملية تجنيد واسعة للمواطنين المغربيين، ليشعل نار الكراهية بين شعوب المنطقة الواحدة، حملة المليون توقيع ضد الجزائر التي كانت مسبوقة بالاعتداء على الراية الوطنية، مقالات صحفية، خطابات سياسية، الحديث عن الجزائر وثرواتها وعن بوتفليقة والجنرالات لا يكاد ينقطع، في كل مكان الجزائر هي الشغل الشاغل لكل المغربيين، تعابير تعكس الكراهية ضد النظام الجزائري، والتي هي نتيجة لسياسة نظام المخزن الذي لا يفوت فرصة إلا وشحن فيها الشارع المغربي ضد الجزائر والجزائريين، »صوت الأحرار«، زارت القنصلية الجزائرية بالدار البيضاء وعادت إلى مسرح الجريمة التي استهدفت رمزا من رموز السيادة الوطنية.
بداية الرحلة إلى العاصمة الاقتصادية للمغرب، مدينة الدار البيضاء التي كانت مسرحا لجريمة الاعتداء على الراية الوطنية بالقنصلية الجزائرية يوم الفاتح من شهر نوفمبر الجاري، كانت من مطار هواري بومدين وإن كانت هذه الرحلة كمهمة إعلامية مسبوقة بتردد كبير بسبب غياب التأطير والتغطية التي تضمن أداء المهمة على أكمل وجه...لكنها مهنة المتاعب التي تفرض في نهاية المطاف على صاحبها المغامرة وتحمل هامش الخطر مهما كانت الظروف.
بمجرد النزول بمطار محمد الخامس بالدار البيضاء كان لا بد من اختيار وسيلة النقل لزيارة القنصلية الجزائرية التي تبعد عن هذا الأخير بحوالي 27 كيلومتر، القطار متوفر ولكن سيارة الأجرة كانت أفضل لكسب مزيد من الوقت لا سيما وأن الساعة كانت تشير إلى الثالثة بعد الظهر وكان لا بد من الوصول إلى القنصلية كمعلم أساسي لبداية المهمة. وبعد مرور قرابة ثلاثين دقيقة، كنا أمام مبنى القنصلية في حديث مع سائق السيارة، ذاك المغربي الذي لم يتوقف عن توجيه الانتقادات للنظام الجزائري والمسؤولين الجزائريين والحديث عن غلق الحدود وثروات الجزائر التي يفترض أن تجعل من هذا البلد جنة فوق الأرض.
عند باب القنصلية كان هناك تواجد كبير لأفراد الشرطة المغربية على غير العادة التي تعرف تواجد شرطي واحد، وبمجرد أن تعرف الشرطي على هوية الصحفي الجزائري راح يجري الاتصالات من هنا وهناك، في حالة من الإنذار والذعر وكأن الصاعقة حلت بالمغرب، لكن الرد كان بسيطا، أنا صحفي جزائري وجئت إلى المغرب في إطار السياحة وكل ما نرجوه هو توجيه التحية لعمالنا بالقنصلية الجزائرية بمناسبة عيد رأس العام الهجري، أول محرم، حينها زال اللبس، أما المشكل الأساسي فهو أن السلطات المغربية كانت على دراية بهذه الزيارة.
بعد هذه الفوضى التي عمت مدخل القنصلية، تم استقبالنا بحفاوة من طرف القنصل العام للجزائر بالدار البيضاء ومساعده، إضافة إلى مجموعة من الطاقم الدبلوماسي الجزائري الذين رحبوا بنا، حديثنا كان يدور حول الأوضاع في الجزائر على العموم دون الخوض في الرسميات بحكم حق التحفظ وهو أمر طبيعي خاصة في السلك الدبلوماسي. ومن ثم كان علينا لزاما اختيار فندق للإقامة بمدينة الدار البيضاء ومواصلة الرحلة كسياح جزائريين، يكتفي من خلاها الصحفي بالملاحظة والحديث مع الناس وفقط لأن أي تحرك رسمي كان سيكلف الصحفي التوقيف من طرف السلطات الأمنية التي كانت تترصد تحركات الإعلاميين طوال فترة الإقامة.
هكذا أنزلت الراية الوطنية من فوق القنصلية الجزائرية
استنادا لما صرح به شهود عيان، فإن جريمة الاعتداء التي قام بها أولئك الشباب لم تكن أبداء بريئة أو تلقائية، حيث أنها كانت مسبوقة بحضور للصحافة التي صورت كل محطات هذه الجريمة لتنقلها إلى الرأي العام المغربي والجزائري على حد سواء في رسالة من نظام حاول منها تصوير ذاك المساس بالسيادة الوطنية للجزائر. ومن العبث أن يبرر هذا النظام الذليل ما حدث بكونه عملا معزولا.
الساعة كانت تشير إلى التاسعة صباحا عندما بدأ عدد من المحتجين أو المخربين يتجمعون أمام القنصلية الجزائرية، ليتسور أحدهم جدار القنصلية التي أرادها أصحابها أن تكون في شكلها الحضاري والمعماري قمة في الجمال وتعكس روح الجزائر بأزيائها وتصاميمها، حيث أنها لا تحتوي لا على حواجز ولا على متاريس على غرار ما نراه في القنصليات والسفارات الأخرى عبر العالم، مخافة أي اعتداءات بالنسبة للجزائريين فإن المغاربة لن يتجرؤوا من باب الأخوة والعلاقات التي تربط بين الشعبين على مثل هذه الفعلة الدنيئة وبالتالي، فإن الجدار الذي لا تجاوز طوله مترين كان في متناول هذا الشاب الذي تدعي السلطات المغربية أنه مغترب مغربي، في حين يعلم فيه الجميع أنه ينتمي إلى حركة الشبيبة الملكية الموالية للبلاط الملكي والتي تعمل على تنفيذ مخططات هذا الأخير.
وفي اعتقاد الكثيرين من الجزائريين أن الاعتداء كان سيكون أكثر خطورة لو بقيت القنصلية الجزائرية في مقرها القديم الذي شغلته منذ سنة 1963 إلى غاية سنة 2010 بحي مولاي ادريس بقلب مدينة الدار البيضاء وهو حي نوعا ما شعبي، حيث كانت الوفود ستتهاطل على القنصلية من كل حدب وصوب، ولكن تواجد القنصلية في مكان راقي وهو شارع »مودي بوبكيطة« الذي يحمل اسم أول رئيس لدولة مالي المستقلة، لم يكن ليحول دون وقوع هذه الجريمة التي يفسرها الكثيرون بأنها منظمة ولا يمكن في حال من الأحوال أن تكون معزولة مثل ما يدعيه ويحاول أن يروج له النظام المغربي. في حدود الساعة التاسعة بدأ المحتجون يتوافدون بطريقة نظامية ومؤطرة من طرف ضباط في زي مدني، حيث بلغ عددهم قرابة 100 شخص، ومن ثم بدأت هتافات مناهضة للنظام الجزائري، تحمل عبارات السب والشتم لكل الرموز الوطنية الجزائرية وللمسؤولين الجزائريين وعلى رأسهم رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة، السلطات المغربية لم تتدخل لمنع هذه التظاهرات ولم توقف أي شخص، ليتسلق بعدها الشاب المغربي، حميد النعناع، البالغ من العمر 35 سنة، الجدار ويصعد عبر سلالم حلزونية أوصلته إلى سطح البناية، أين اقتلع العلم الوطني ونزل يجري وهو يحمله بين يديه ليتوجه مرة أخرى إلى خارج القنصلية، حينها تجمع المحتجون وهم يستعدون لإحراق الراية الجزائرية، وفي هذا الوقت بالذات ووسط تلك الفوضى تقدم أحد المغاربة مجهول الهوية، ويفترض أنه من أعوان الأمن أو الاستخبارات ليوقف العملية، وطلب منهم أن لا يحرقوا العلم وان يرموا بها فوق سطح الجدار المطل على الطريق، أي واجهة القنصلية وبالفعل هذا ما تم.
المحتجون استغلوا يوم الفاتح من نوفمبر وتعمدوا ذلك، هذا الاعتداء غير الحضاري الذي أقدم عليه الشاب المغربي، والذي لم يتردّد في إنزال العلم الجزائري، يعكس بوادر المخطط العدائي الذي رسمه المخزن، والذي يبدو أنه هذه المرة يعول على تهييج الشارع واستغلاله لاستفزاز الجزائر، خاصة وأن ملك المغرب لم يكفه استدعاء سفيره في ذكرى ثورة نوفمبر، بل امتنع حتى عن توجيه رسالة تهنئة للرئيس بوتفليقة بمناسبة عيد الثورة. عملية إنزال العلم الجزائري، أدت إلى اعتقال الشاب من طرف ضباط للشرطة القضائية الذين كانوا حاضرين لمراقبة التحرك الاحتجاجي المزعوم، حيث تمت متابعته قضائيا بعد شكوى سفير الجزائر المعتمد بالمغرب، لكن الشاب المغربي وفي تصريحاته لوسائل الإعلام قال إنه لم يكن نادما على ما فعله، ليتم بعدها إطلاق سراحه وكأن شيئا لم يكن.
وفي وسط هذا العجاج، فإن الجميل في كل ما حدث، هو أن الراية الوطنية وبفضل رجال مخلصين يحبون الوطن رفعت بعد ساعة من هذه الواقعة، حيث أن الموظفين بالقنصلية الذين لم يكونوا متواجدين هناك باعتبار أنه يوم عيد وطني بالجزائر، بمجرد سماعهم بالخبر سارعوا إلى مقر القنصلية ورفعوا العلم الوطني معززا مكرما. هذه الشهادات تعززها تصريحات المسؤولين في الجزائر، حيث كان وزير الشؤون الخارجية رمطان لعمامرة قد أكد أن الجزائر طلبت رسميا إشراكها في التحقيق الجاري حول الواقعة من منطلق أنها ترفض الحديث عن فرضية الفعل المعزول باعتبار أن الأدلة موجودة.
شارع مشحون ضد الجزائريين والحديث عن إنزال الراية لا يكاد ينقطع
حالة غليان كبيرة تعرفها الشوارع المغربية لا سيما في مدينة الدار البيضاء، هذه المدينة السياحية بعمرانها الأوربي والتي تستقطب جنسيات مختلفة من كل أنحاء العالم، وبالرغم من نظافة الواجهة، إلا أن مظاهر البؤس مرسومة على جبين المغربي البسيط الذي سعى البلاط الملكي ليجنده بأي ثمن في حملة شرسة ضد الجزائر، يحدث هذا في الوقت الذي تبنت فيه الجزائر خطاب التهدئة وعبرت على لسان مسؤوليها عن أسفها لاعتبار شخص مثل حميد النعناع، بطلا، بل بالعكس فقد أهان هذا الشخص شعوب المغربي برمتها.
إن مظاهر البؤس في نظام المخزن الذي يريد تصدير مشاكله الداخلية والفقر المنتشر عبر الشوارع والمدن إلى الجزائر، تظهر في صورة ماسح الأحذية الذي لا يزال يحمل حقيبته ويتسول بها في كل مكان، ظاهرة »الخماسة« ، تغزو كل المهن لتهين الشعب المغربي،
والأكثر من كل ذلك السعي لتجنيده في قضية خاسرة، عدوهم فيها النظام والشعب الجزائريين.
خلال الحديث مع أي مغربي، بمجرد أن يتعرف على اللهجة الجزائرية، يسأل، أنت جزائري، فإذا الرد بنعم، يسترسل الرجل في الحديث عن العلاقات الثنائية بين البلدين وفيما حدث جراء الاعتداء على الراية الوطنية وكأنه محلل سياسي، تراها في البائع والسائق وغيرهما ممن وقعوا في فخ هذا النظام الأعمى، في البداية يقول إننا شعب واحد، وسرعان ما يسترسل في سب وشتم النظام الجزائري وكل الرموز الوطنية بحجة أن الجزائر بلد غني وتم سرقته ونهب ثرواته من طرف المسؤولين والجنرالات، ناهيك عن الحديث عن أحقية امتداد المغرب إلى تلمسان وغيرها من الولايات الجزائرية التي يفترض في مخيلتهم أنها تابعة للمغرب. وبالنسبة لكل هؤلاء فإن أفضل حاكم في العالم هو محمد السادس، فحتى الإمام والخطيب يوم الجمعة ومن كل منابر المساجد وبالأخص مسجد حسان الثاني لا يفوت الفرصة للدعاء إلى محمد السادس ووالده وأبنائه، فهل من الطبيعي أن يحتفظ هذا الشعب بكل هذا الولاء لمن يهينه؟ هي حقيقة فرضها سياسة المخزن التي نجح من خلالها أمراء البلاط من تجنيد الشهب واهلائه بالجزائر التي جعلوا منها قضية بالنسبة لهم.
أكاذيب وادعاءات على الطريقة الملكية
لم يكتف الملك محمد السادس وبمناسبة عيد المسيرة الخضراء بتوجيه خطاب معادي للجزائر، ذكر من خلاله تيندوف وربطها بحقوق الإنسان التي لم يتوقف المغرب عن انتهاكها يوما، فراح يجند حركات المجتمع المدني المغربي ضد الجزائر، زيادة على حملة الكراهية ضد الجزائريين والسعي لزرع الفتنة والشقاق بين الإخوة الأشقاء من خلال ما حدث من اعتداء على القنصلية ومقاطعة مسؤولين مغاربة ساميين لحفلة العيد الجزائري المخلد لانطلاق أول رصاصة، أول نوفمبر، فإن الحركات الجمعوية وعبر ساحات الدار البيضاء وبالتحديد ساحة مراكش المعروفة بساحة الأمم المتحدة، نصبت مكاتب مرفوقة بأناشيد وطنية وحماسية لجمع مليون توقيع ضد الجزائر والتنديد بمسؤوليها وحكامها. الجالسون على هذا المكتب كانوا يقومون بالمستحيل لجلب أنظار المغاربة وتحريضهم على التوقيع.
حملة التنديد بالجزائر لم تقف عند هذا الحد وفقط، فزيادة على خطاب محمد السادس الذي ألقاه، فإن كل الجرائد التي كانت تباع عبر الأكشاك وفي الطرق، تحمل عناوين بالبند العريض للتحريض على الجزائر، أعداء الملك وغيرها من العناوين التي يصورون فيها المسؤولين الجزائريين سواء كانوا في الحكومة أو ينتمون إلى الطبقة السياسية كوحوش تتهدد البلاط الملكي... أكاذيب وادعاءات في الصفحات الأولى تفيد بأن الجزائريين أحرقوا الراية المغربية بالجزائر، في الوقت الذي قدم فيه الجزائريون وعبر مختلف ولايات الوطن مثالا حضاريا عندما ذهبوا إلى القنصلية المغربية في غرب البلاد وتجمعوا بطريقة سلمية وحاولوا التحدث عن قيم السلام والأخوة التي تربط بين الشعبين الشقيقين، كلها دعوات للتهدئة بعيدا عن كل أساليب وأنواع العنف والتطرف التي يمارسها نظام المخزن ويحاول من خلالها الزج بالشعب المغربي فيها.
حملة محمد السادس ضد الجزائر باتت تجري مجرى الدم من العروق في المغربيين، الجميع يتحدث عن الجزائر، هذا العدو الذي كان بالأمس أخا شقيقا، تحامل غير مسبوق، يؤكد مرارا وتكرارا عمق الأزمات التي يعاني منها نظام المخزن والتي يسعى إلى تصديرها، البحر من أمامكم والعدو من ورائكم، المحيط الأطلسي من هنا والجزائر في نظرهم وراء ظهورهم، مع العلم أن الشارع الجزائري لا يحمل أي كراهية للمغربيين، بالعكس ففي الوقت الذي يتحدث فيه مسؤولون كبار عن وجود مضايقات للجالية الجزائرية بالمغرب لا سيما بعد الأحداث الأخيرة ، فإن المغربيين يحظون بكل الرعاية والاهتمام في الجزائر ولا يكاد يخلو حي من عائلة مغربية تعيش بكرامة ولا يعترض سبيلها أحد.
خلال زيارة المجاملة التي قمنا بها إلى جريدة الحركة بالعاصمة المغربية، الرباط، كان الاستقبال بكل حفاوة وكرم، وبالرغم من أنه دام دقائق معدودة، إلا أن الحديث لم يخل عن العلاقات الثنائية بين الجزائر والمغرب وظروف إنزال العلم الوطني، رئيس التحرير بدوره عبر عن أسفه لما حدث، لكن يبقى أن الشغل الشاغل هو الجزائري ومن ثم سارعت الصحفية ككل الصحفيين بطبيعة الحال لاستجوابي حول رأيي فيما يتعلق بالتطورات الأخيرة التي عرفتها العلاقات بين البلدين. الزملاء الصحفيون المغاربة كانوا في المستوى والتزموا في حديثهم الحياد قدر المستطاع... زيارتي إلى الرباط كانت فرصة لزيارة سفارة الجزائر هناك التي تقع بحي حسّان، إحدى الأحياء الراقية بالرباط، هذه المدينة التي تحتفظ بطابعها الأوربي الجميل ونظافتها، سفارتنا تبعد بحوالي 200 متر عن السفارة الأمريكية.
مظاهر رفاه مزيفة وشواهد على نظام مفلس
إن مظاهر الرفاه التي تعرفها الدار البيضاء والرباط عاصمة المغرب وغيرها من الولايات لا يمكنها أن تزيل قمع النظام المغربي للحريات والحقوق، لأن هذه المظاهر هي في نهاية المطاف واجهة ليس أكثر وأي واجهة، تلك الواجهة المصدرة إلى الخارج أو تلك البنايات والملاهي الليلية التي عادة ما تكون قبلة للأجانب للعبث وتكريس السياحة الجنسية عبر شواطئ المحيط الأطلسي..بهذا تميز نظام المخزن وتفوق ليمحق كرامة المغربي ويضع نصب عينيه قضية واحدة، الجزائر دولة وشعبا، في محاولة لتمويه شعب بأكمله وإبعاده عن قضاياه الجوهرية...الرفاه الذي يباهي به البلاط الملكي ما كان ليمحو مدنا قصديرية منتشرة قرب الدار البيضاء والعاصمة الرباط وغيرها من المدن، انتشار الأوساخ وغيرها من مظاهر البؤس التي تعكس حياة الفرد المغربي وتعفن النظام المغربي الذي لم يجد غير الجزائر ليرمي عليها أوزاره ويبرر بها فشله الذريع على جميع الأصعدة.
الرحلة لم تكن سياحية كما اضطررت أن أصرح به عبر شرطة الحدود في كل مرة، كانت رحلة من أجل الجزائر، المهمة كانت شبيهة بالمستحيلة ولكن المغامرة تمت، وسأبقى أذكر دائما وأبدا تلك الشرطية التي وضعت الختم على جواز سفري حينما وطأت قدماي مجددا أرض المليون ونصف مليون شهيد، عندما سألتني الشرطية من باب الفضول عن سبب زيارتي للمغرب في هذه الأجواء المشحونة، فقلت لها بهدف السياحة لكنها لم تصدقني وتبسمت، حينها قلت لها إن الأمر واضح فردت قائلة، قصدك الراية الوطنية، قلت لها نعم، فما كان منها إلا أن قدمت لي التحية العسكرية قائلة مرحبا بك في بلدك.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.