مسيرة سلمية لطلبة الجامعات في يوم الطالب تدعيما للحراك    الأمن يسخر أزيد من 62 ألف شرطي    والي بشار يشرف على توزيع 12 عقد امتياز    على الشباب الاستعداد لحمل المشعل وتسيير مؤسسات الدولة    تفجير يستهدف حافلة سياحية قرب الأهرامات في مصر    قوى الحرية والتّغيير تتمسّك برئاسة مدنية وتمثيل محدود للعسكر    اجتماع وزاري مشترك تحضيرا للدخول المدرسي والجامعي والتكوين المهني    كافل اليتيم تجمع الأيتام والمحسنين    ترحيل عائلتين منكوبتين جراء إنهيار مساكنها بسيدي بلعباس    ندوات تاريخية وتدشين مرافق رياضية وعمومية    توقيف ثلاثة تجار مخدرات وضبط 16 قنطارا من الكيف    فيغولي مطلوب في إشبيلية وفولفسبورج الألماني    أسعار النفط استقرت بفضل "أوبك"    حجز 10 آلاف طن من الواردات بالحدود خلال 3 أشهر    يوم الطالب: رئيس الدولة يثني على الدور الريادي للطلبة و نضجهم خلال المسيرات السلمية    توقيف شخصين يحترفان تزوير وصفات طبية    الهلال الأحمر الجزائري يدعو لإعداد بطاقية وطنية    فايد صالح في زيارة للناحية العسكرية الرابعة    دعوة إلى الاقتداء بالتربية الروحية للصحابة    خبر سحب وثائق سفر لمسؤولي بنوك غير صحيح    وزير الصحة يشارك في أشغال الدورة ال 72 للجمعية العالمية للصحة بسويسرا    هذه شروط الاستفادة من القرض المصغر    ما الترتيب الأمثل لوجبة إفطار رمضان؟    بن ناصر يتألق و إمبولي ينعش آماله في البقاء برباعية على تورينو    الأفافاس يدعو لعقد ندوة وطنية للتشاور والحوار    كومباني يغادر مانشيستر سيتي..ويعود إلى أندرلخت    السعودية تقرر عقد قمتين خليجية وعربية في مكة    ماندي اساسي ويقود ريال بيتيس للفوز على ريال مدريد في “سانتياجو برنابيو”    لاعبو اتحاد بلعباس يشنون إضرابا    1500 دينار لكيس 25 كلغ: زيادات غير قانونية في أسعار السميد المدعم    بالصور.. مصر تكشف عن تميمة كان 2019    دعوة غير مسبوقة من نائب جمهوري لعزل ترامب    الشعب الجزائري الأكثر نفوذا في إفريقيا    موقع قاديوفالا معلم تاريخي عريق    حنانيك يا رمضان    أدعية رمضانية مختارة    أول متحف بالمدينة المنورة يجسد السيرة النبوية    بسبب ارتفاع الرطوبة و التقلبات المناخية في الطارف    رحابي يدعو قيادة الجيش الى فتح مشاورات مع الطبقة السياسية    بطولة إفريقيا للملاكمة: المنتخب الوطني يتوج باللقب الإفريقي    تخص المتابعين بالجريمة الجمركية.. نحو إنشاء لجان مصالحة على مستوى الجمارك    ضبط أكثر من 16 قنطار من الكيف المعالج بعين الصفراء ولاية المنيعة    بالفيديو.. “سامسونغ” تصلح هاتفها القابل للطي وتطرحه قريبا بالأسواق    ورشات الترميم تؤجل الصلاة فيها مرة أخرى    خليفاتي يترشح لرئاسة الأفسيو ويصرح:” سأغير منتدى رؤساء المؤسسات جذريا وأُرسم قطيعته مع السياسة”    وزير الخارجية الفلسطيني : "صفقة القرن" الأمريكية بمثابة تكريس للمأساة الفلسطينية    نقابة الصيادلة تطالب المحكمة العليا بانصاف الصيدلانية في ميلة    مجلس علمي لشبه الطبيين في بارني!    تهدف لاكتشاف المواهب مستقبلاً    حول اتفاق الخروج من الاتحاد الأوروبي    قريباً‮ ‬بمعسكر‮ ‬    تعيين أربعة إطارات    عمار تو‮ ‬يؤكد بعد استدعائه للتحقيق‮:‬    بن مهدي‮ ‬ينهي‮ ‬مهام مونية سليم    استشراف لمستقبل رهيب بعد نضوب البترول    تكريم الزاهي في السهرة الأولى    هديُه صلى الله عليه وسلم في رمضان    أرنب ثمنه أكثر من 90 مليون دولار    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الكنيسة الكاثوليكيّة تُقرّ بالتعدّيات الجنسيّة لرجالها على قُصّر
نشر في صوت الأحرار يوم 22 - 03 - 2010

سيبقى تاريخ 20 مارس 2010 تاريخا متميّزا في حياة الكنيسة الكاثوليكيّة. إذ على إثر تراكم الحقائق المنشورة عمّا كان يجري داخل معابد الكنيسة الكاثوليكيّة ولمدّة سنوات من "عمليّات" الإعتداء على شرف القصّر والشبان من طرف قساوستها، أصدر البابا جَوَابا سيبقى وثيقة فريدة من نوعها، اعتذر فيه لضحايا تلك الأعمال: "لقد عانيتم كثيرا، وأنا آسف حقّا". وهكذا أصيب أتباع الكنيسة الكاثوليكيّة بصدمة عنيفة، كما وجد رجالها أنفسهم أمام الإهانة للإقرار بأفعالهم المشينة، في الوقت الذي تصارع فيه ضدّ انجراف تأثيرها الروحيّ وتخوض معركة شرسة ضدّ علمنة أوروبا.
قدّم بنديكتوس السادس عشر اعتذارا مفصّلا وعلنيّا، الأوّل من نوعه من طرف الفاتيكان، لضحايا التحرّشات والتعدّيات الجنسيّة على الأطفال من قبل قساوسة أو رجال دين كاثوليك في إيرلندا.
وأقرّ بحدوث: "خيانة للثّقة وانتهاك للكرامة"، كما اعترف بأنّ زعماء الكنيسة الإيرلنديّة ارتكبوا أخطاء فادحة بتجاهلهم التحقيق حول اتهامات بوقوع اعتداءات داخل أبنية الكنائس والأديرة والمدارس اليسوعيّة.
وقال البابا أنّ الكهنة ورجال الدّين المتّهمين بالإعتداءات على الأطفال: "يجب أن يُحاكموا" على ما ارتكبوه من جرائم: "أمام محاكم يتمّ تشكيلها بصورة موائمة". ووعد بالقيام بتحقيقات في الأبرشيات الإيرلنديّة.
ولقد جاءت رسالة البابا بعد أن تكرّرت مثل تلك الفضائح الجنسيّة وعمّت العديد من الدّول في أوروبا والغربيّة والولايات المتّحدة وكندا وأستراليا وأمريكا اللاتينيّة.
وكانت الكنيسة الكاثوليكيّة الإيرلنديّة قد اعترفت، مع صدور تقريرين حول تلك الفضائح الجنسية، أنّها تستّرت على تعدّيات جنسيّة قام بها قساوسة ضدّ أطفال لعقود.
وهي الحقيقة التي كان كشفها تقرير أوّل أكمله رايان في ماي الماضي يضم حوصلة عمل دام تسع سنوات في 2600 صفحة، كشف فيها ما يجري في غياهب مئات الكنائس والمعابد الكاثوليكيّة ومدارسها من تحرّش وتعدّ جنسي على الأطفال.
أبرشية وتلاه في نوفمبر الماضي تقرير مورفي الذي انتقد فيه بشدّة أبرشية دبلن الكاثوليكيّة لإخفاقها في التّعامل السليم مع قساوسة تمّ اتهامهم باغتصاب أطفال الكنيسة. كما أدان تقليدها الراسخ في الكتمان والتغطية والإخفاء والذي مارسه قادة تلك الكنيسة لحماية مؤسّستهم.
واتّهم التقرير الكنيسة الإيرلنديّة بتجاهل مصلحة الأطفال المعهودة إليها رعايتهم والذين ذهبوا ضحيّة تلك التعدّيات البالغة 2000 حالة، وبالعمل على إبقاء القضيّة بعيدة عن أعين الشرطة. وذلك ما دفع الفاتكان إلى توجيه إدانة قويّة لتلك السلوكات، حيث صرّح البابا أنّه "منزعج ومحبط" ممّا ورد في التقرير، وأنّه يقاسم الشعب الإيرلندي: "عضبه وغيظه وإحساسه بالخيانة والعار".
واعتذر الكاردينال سين براداي كاردينال الكنيسة الإرلنديّة الأسبوع الماضي عن سكوته حول التعدّيات التي كان على علم بها ونقلها لمرؤوسيه، ولكنّه قصّر بعدم تبليغ الشرطة عنها، والمتعلّقة بتصرّفات الأب براندن سميث التي وصلت إلى 74 حالة اعتداء جنسيّ.
وخلال الأسبوع الماضي أعلنت الكنائس في كلّ من ألمانيا وسويسرا وهولندا وإيطاليا وأستراليا القيام بتحقيقات مستفيضة حول عشرات الشكاوي المتعلّقة بالتعدّيات الجنسيّة المحتمل أن تكون الكنيسة الكاثوليكيّة مسرحا لها.
وليس من المستبعد أن تكون الحصيلة مرتفعة كما هو حال تحقيق الكنيسة الكاثوليكيّة الأمركيّة الذي كشف سنة 1994 عن وجود أدلّة إثبات تتعلّق ب 7000 ألف حالة اعتداء جنسيّ.
وقد اتّهمت صحف ألمانيّة البابا بتورّطه في حماية متّهم بالتحرّش الجنسي سنة 1980 عندما كان اسقفا ميونيخ. وكان يوزتف راتسنجر، أسقف أبرشيّة ميونيخ ما بين 1977 و 1982، الذي تقلّد فيما بعد إسم بنديكتوس السادس عشر واعتلى منصب بابا الفاتكان، قد وافق على انتساب كاهن لأبرشيتة، متّهم بالإعتداء الجنسيّ على أطفال، وخضع فيها للعلاج. ولكنّ ذلك الكاهن تمادى في انتهاكاته لحرمة الأطفال، وتمّ الحكم عليه بالسّجن 18 شهرا مع وقف التّنفيذ سنة 1986 إثر إدانته بالتحرّش الجنسيّ.
وقد استغلّ الكثيرون ذلك الحدث لربطه بشخص البابا نفسه. وصرّح متحدّث باسم الفاتيكان بأنّ جهودا عدوانيّة تسعى لتوريط البابا في القضيّة، ولكنّ مصيرها سيكون الفشل المؤكّد.
وكان مؤلّف موسيقي شهير قد كشف أخيرا أنّه تعرّض للإعتداء الجنسيّ مع عدد كبير من رفاقه في منتصف الستّينات بالمعهد الياسوعي في برلين.
كما اعترف أسقف ساليزبرغ بالنّمسا أنّ حالات التحرّش والتعدّي الجنسي ليست منعدمة في بلده. وقد كشف أحد الضحايا أنّه: "تعرّض للإعتداء لستّ سنوات من قبل اثنين من رجال الدّين." أمّا الكنيسة الكاثولكيّة الإنجليزيّة، التي لم يظهر بعد أيّ تورّط لأعضائها في مثل تلك التجاوزات، فقد عبّرت عن فخرها بتجربتها ولكنّها التزمت هي الأخرى بالتحقيق في جميع حالات الإعتداء بسرعة وبالتعاون الكامل مع كلّ السّلطات المعنيّة.
في هذه الإجواء جاءت رسالة البابا كمبادرة أولى من طرفه لوضح حدّا لمبدإ السريّة التي درجت الكنيسة الكاثوليكيّة على اتباعه بخصوص التحرّش والإعتداء الجنسيّ على القصّر داخل أسوار الكنائس والأديرة.
وكان البابا قد أدان ما اعتبره: "جرائم فضيعة وخطايا شنيعة" منذ أن بدأت تتفشّى أخبارها في الولايات المتّحدة. إلا أنّه في البداية، عندما فاحت رائحة تلك الفضائح في الولايات المتّحدة وكندا وأسترالياوإيرلندا، أنكرت الكنيسة تلك الحقائق قائلة أنّها حالات منعزلة ومحدودة.
كما تحجّج الناكرون بكون تلك الظاهرة مقتصرة على الدول الأنغلو- سكسونيّة فحسب. ولكنّ تتابع انكشاف الحقائق عمّا يجرى في المكسيك والبرازيل و في عديد الدّول الأوروبيّة قد أزاح تلك المبرّرات الواهية.
ويذكر ماركو بوليتي، الخبير في شؤون الفاتيكان، أنّ الكنيسة الكاثوليكيّة قد شهدت: "خلال السنوات ال 15 الماضية نوعا من الثّورة العارمة داخلها."
وأوضح أنّه: " طوال عقود أخفت الكنيسة الأمر بهدف الدّفاع عن مكانة المؤسّسة. أمّا اليوم، فالبابا هو الذي يشجّع بنفسه على فضح تلك الممارسات".
ولاحظ ساندرو مايستر من صحيفة ليسبريسّو الإيطاليّة: "أنّ تطوّرا نوعيّا قد حدث على مستوى الزعامة الكاثوليكيّة التي أيقنت أنّه لم يعد في إمكانها التزام الصّمت والإكتفاء بمجرّد نقل قسّ من أبرشيّة لأخرى، مع استمرار خطر عودته لارتكابه جرائم جديدة."
ويرى المحللون أنّ الكنيسة وجدت نفسها مضطرّة لسلوك هذا المسلك بسب ما أصبحت تمثّله قضيّة التعدّيات الجنسيّة من خطر مدمّر على سمعتها.
وللمسألة تكلفتها المالية الضخمة أيضا. فقد وجدت الكنيسة الكاثوليكيّة الأمريكيّة نفسها حتى سنة 2008 مجبرة على دفع تعويضات بلغت 436 مليون دولار. وقد تمّ حتّى الآن تعويض 15 ألف ضحيّة.
كما دفعت ثمنا باهضا من سمعتها وريادتها الرّوحيّة سواء في بوستن أو دالاس. ومن شأن هذه الفضائح أن تهدّد تجنيد أساقفة متطوّعين وتقلّل من المساهمة الشعبيّة في تمويل أنشطة الكنيسة، وهما خاصيّتان أسايتان في بنية الكنيسة الهيكليّة.
وفور نشر رسالة البابا تبيّن أنّها لا تشفي بما فيه الكفاية غليل الجمعيات المدافعة عن ضحايا التحرّش والإغتصاب الجنسيّ التي قام بها رجال دين تابعين للكنيسة الكاثوليكيّة. وفعلا، فإنّ تلك الجمعيات بادرت بانتقاد رسالة الإعتذار تلك.
وقال مايف لويس رئيس جمعيّة: "واحد من كلّ أربعة" أنّ الضحايا كانوا يتوقّعون من البابا أن يقّر أيضا بأنّ الكنيسة قد بخست حقّهم حينما حاولوا الكشف عن معاناتهم المتمخّضة عن الإعتداءات التي كانوا عرضة لها.
وتأسّف مايف لويس لكون أنّ رّسالة البابا لم توضّح ما إذا ستتبنّى الكنيسة سياسة جديدة في شأن هذه الممارسات. أمّا جون كيلي، وهو رئيس جمعيّة أخرى للدّفاع عن الضحايا وكان واحدا من الضحايا، فقد سجّل أنّ الرسالة أهملت الإجابة عن جملة من الأسئلة، مثل: هل سيقوم المتورّطون في هذه الإعتداءات، وكذا المتستّرون عليها، بتقديم أنفسهم للّشرطة للتّحقيق معهم والخضوع لالتزاماتهم القانونيّة.
وانتقد الكثيرون عدم إقرار البابا بمسؤوليّة الفاتيكان عن هذه الإنتهاكات.
أمّا بوليتي فيطالب بضرورة فتح تحقيق داخل جميع الأبرشيات لتقصّي احتمال وجود متّهمين محتملين لم يتمّ الإستماع إليهم، وذلك من أجل تأكيد مصداقيّة الوثيقة الجديدة.
كما أصيب الكثيرون من المتتبّعين والمعنيين بخيبة أمل لتوقّعهم أن يبادر البابا بإقالة رئيس الكنيسة الكاثوليكيّة في إيرلندا.
ومن بين انتقادات مايف لويس لتلك الرّسالة هو عدم تطرّق البابا لما يعتبره جوهر الفضيحة الجنسيّة التي عرفتها الكنيسة الكاثولكيّة والمتمثّل في: "وجود حماية ممنهجة على أعلى المستويات للمتورّطين في هذه الإعتداءات، ممّا أدّى لتعريض مزيد من الأطفال لنفس المصير."
وكان البابا يوحنّا بولس الثاني قد أصدر مرسوما سنة 2001 حول ما أسماه: "الجرائم الفضيعة" انطلاقا من ورقة أعدّتها لجنة عقيدة الإيمان، المكلّفة بمراقبة عقائد الفاتيكان، والتي كانت وقتها تحت رئاسة البابا الحالي. وقد أمر المرسوم الأساقفة بتبليغ حالات الإستغلال الجنسيّ إلى الفاتيكان كما منع المتورّطين من أيّ اتصال بالشّبان. ولكنّه أصرّ على أن تجري التحقيقات تحت السريّة المطلقة.
ودافعت مصالح الفاتكان على أنّ إبقائها على سريّة التقارير كان الهدف منه هو: "حماية السمعة الجيّدة لجميع الأطراف المعنيّة، وأوّلهم الضحايا أنفسهم، ثمّ الكهنة المتّهمين والذين من حقّهم أن يستفيدوا من مبدإ البراءة حتّى تثبت الإدانة."
ولكنّ الصحفيّة جوان هاري من الأنديباندنت تتساءل عمّا إذا كان في إمكان رئيس التحريرفيها أن يتستّر على متّهم بالإغتصاب يعمل بالجريدة مثلما يحقّ لرجال الكنيسة الكاثوليكيّة؟ وهل في استطاعة الجريدة أن تنقل المتّهم للعمل بفرع آخر من فروعها؟ وتجيب الصحفي: بالطبع ليس في إمكان أحد أن يفعل ذلك إلا إذا كان رجل دين.
وفي نظر أندرو براون، يعود التستّر لظاهرة الألفة والتضامن المؤسّساتي الذي يتشكّل بين أعضاء الجماعات التي تعيش في محيط من الترابط الإنساني الضيّق مثلما قد يسري بين أعضاء فرق الجنود وغيرهم من المجموعات الصغيرة.
وجاء في جريدة التلغراف، الواقفة في صفّ البابا، على لسان الصحفي دامين تومسن، باعتباره كاثوليكيّا كما يعتزّ أن يصف نفسه، أنّه شديد الغضب على ثقافة التكتّم حول اغتصاب الأطفال السائدة لدى الأساقفة الذين يفضّلون أن يتعرّض هؤلاء الأبرياء للإعتداء من أجل المحافظة على: "سمعة الكنيسة."
ويسند رأيه بما قاله أيضا المطران شارل شابوت الذي أدان: "المبالغة في السريّة" التي مكّنت المؤسّسة من تنقّل المغتصبين بين الأبرشيات كالبيادق.
ويوجّه الصحفي خطابه لغير الكاثوليكيين ليعترف بأنّ كثيرا من الأساقفة الكاثوليك قد خدعوا أسرهم وأساقفتهم الصالحين بالتستّر عن المغتصبين. ولكنّه ينتقد العلمانيين الذين يستغلون مآسي الناس لتهميش الكاثوليكيّة وتشويه سمعة البابا.
وتنتقد جريدة التلغراف دور الإعلام لما تعتبره تلطيخا لسمعة الكنيسة الكاثوليكيّة التي بلغت أدنى درجة لها على الإطلاق خلال الأسبوع المنصرم. وتستدلّ بذلك على ما جاء في عدد أول أمس من النسخة الأسبوعيّة لذو التايمز حيث ورد في أحد عناوينها: "البابا يَعلم أنّ القسّيس يغتصب الأطفال، ولكنّة يُبقيه في منصبه الوزاريّ." ويرى داميان تومسن من التلغراف أنّ مبالغات الصحف البريطانيّة تعود أولا لكون أنّ البابا هو الزعيم الرّوحي لقرابة مليار كاثوليكيّ، وإلى انشغال الرأي العام بزيارة البابا المقرّرة في سبتمبر المقبل لكلّ من بريطانيا واسكوتلندا، حيث: "سيقوم بتقديم توجيهات في أهمّ القضايا الأخلاقيّة الرّاهنة". أيّ أنّ همّ تلك الصحف، كما يرى داميام، هو التشكيك في أهليّة البابا للقيام بذلك التوجيه.
ويلتقي هنا مع رأي المعلّق الكاثوليكيّ فيليب لاولر الذي يرى أنّ عنوان تلك الجريدة: "مضلّل للغاية وغير مسؤول البتّة".
ونذكر هنا أنّ أكثر من 28 ألف مواطن قد وجّهوا عريضة احتجاج يطالبون فيها بعدم تكفّل الدولة بمصاريف زيارة البابا.
وفي مقال نشره الثلاثاء الماضي كاردينال الكنيسة الكاثوليكيّة في فيينا صرّح بأنّ العزوبة بين رجال الكنيسة قد تكون سببا في التعدّيات الجنسيّة بين جدران مؤسّستها.
ويرى أندرو براون المختص في دراسة الأديان عبر موقع: "التعليق الحرّ في المعتقدات" التابع للغارديان، أنّ للعزوبيّة دور فيما يجري داخل جدران الكنائس والأديرة والمدارس الكاثوليكيّة. غير أنّه ينتقد الفكرة التي يراها تبسيطيّة والتي تذهب إلى أنّ حياة العزوبة تفرض إحباطا جنسيا ينتهي بذلك السلوك الممجوج. وحجّته في ذلك أنّ الأرقام المتوفّرة عن الإغتصاب الجنسي للذكور من الأطفال الواقع في إيرلندا سنة 2002، تقول أنّ حصّة رجال الدين هي 5.8 في المئة فقط. أمّا البنات المغتصبات من طرف رجال الدين فكنّ 1.4 في المئة. ويستنتج من ذلك أنّ أغلبيّة عمليّات الإغتصاب ليست مرتبطة بالعزوبة، وليست منحصرة داخل الكنائس.
وحسب دراسة الباحث الأمريكي جون جاي، فإنّ عمليّات الإغتصاب للإطفال الذكور داخل الكنائس والأديرة سببها الخلوة الطويلة المتاحة بالأطفال الموجودين مع رجال الدين. وفي رأيه أنّ هذا المحيط الحميميّ هو الذي يخلق التستّر على هذه الممارسات. وفي هذا الإطار، يورد أرقاما للباحث ريشارد شيب الذي يرى أنّ 50 في المئة من القساوسة في البلدان الغربيّة لديهم فيما بينهم علاقات جنسيّة بالتراضي، ويقول أنّها أقلّ من تلك النسبة المحتملة في البلدان السائرة في طريق النموّ.
وكشفت مصادر الفاتيكان أنّ مصالحه تلقّت من مسؤولين في المؤسّسة منذ 2001 حوالي 3000 تقرير يتّهمون فيها كهنة بالإعتداء على قُصّر خلال السنوات الخمس السابقة.
كما كشف أيضا أنّ 60 في المئة من بين تلك الحالات تمّت بين أشخاص من نفس الجنس في حين بلغت الحالات الواقعة بين الجنسين 30 في المئة، أمّا النسبة الباقية، أي 10 في المئة من الحالات، فقد جرت مع الأطفال قبل سنّ البلوغ. ومن منطلق يساريّ، يرى ميشال وايت بجريدة الغارديان، أنّ المؤسسّة الدينيّة، على خلاف قادة المؤسّسات العلمانيّة، تتميّز بكونها سرعان ما تنجو بجلدها من الهزّات التي تصيبها، مهما كانت درجة قوّتها.
وهذا ما يعني أنّ الكنيسة ستسترجع أنفاسها قريبا، على خلاف مؤسّسات مثل البرلمان والنوّاب الذين تلطّخت سمعتهم جرّاء العلاوات غير المستحقّة. والسبب أنّ هذه الأخيرة تخضع للعزل والمحاسبة بالتصويت، على خلاف المؤسّسة الدينيّة، ورجالها، المتحرّرة من كلّ محاسبة أو مراقبة.
تماما، كما أنّ نفس تصرّفات التحرّش والإعتداء الجنسيّ التي قد تعرفها الأسرة أو المدرسة هي أكثر عرضة للعقاب ممّا قد يحدث داخل الكنيسة، إضافة إلى أنّ قرارات تعديل الأوضاع فيها أسرع وأكثر مرونة.
ولهذا، كما يقول هنري ماكدونالد، مراسل الغرديان في إيرلندا، لم تتحقّق رغبة الجماهير الواسعة في إزاحة الكاردينال سين برادي، زعيم الكنيسة الكالوثيكيّة الإيرلنديّة، على الرّغم من تورّطه المؤكد في السكوت عن حالات اعتداء سابقة كان فيها شاهد عيان على مسعى الكنيسة لإجبار ضحيتين على توقيع تعهّد بعدم إفشاء ما تعرّضا له من اعتداءات جنسيّة على يد نظرائه، وكذا عدم قيامه بتبليغ السّلطات المدنيّة بتلك الوقائع.
كما أنّ البابا نفسه لم يستجب لذلك الطلب بتنحية الكاردينال المذنب. ولهذا، عبّر كثيرون من الكاثوليك في إيرلندا عن خيبة أملهم لعدم إقدام البابا على الخوض في الإصلاحات التي تستدعيها ضخامة الفضيحة.
ويرى فِنتان أُتول، مساعد رئيس تحرير جريدة التايمز الإيرلنديّة، أنّ إصرار الكنيسة الكاثوليكيّة على تلك التصرّفات سببه ما تملكه من قوّة تسلّط على المنتسبين لها وتلويح التهديد بأن يوسموا بالتنكّر لمعتقدهم وانتمائهم الدينيّ. وهذه السّطوة، في رأيه، هي التي تمنح الكنيسة حقّ التستّر، وتُعطي لأعضائها صفة المعصومين، وتُؤدّي إلى عجرفة وفساد الكنيسة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.