تمر 42 سنة على رحيل شيخ أغنية الشعبي «دحمان الحراشي» صاحب الحنجرة الذهبية والنبرة الجهورية، والذي بفضل الكاريزما والحضور الراقي، لاسيما ما يتمتع به من صوت قوي ممزوج بالطيبة والحزم، أن يمتلك قلوب سامعيه وعشاقه، وإلى اليوم ما يزال يتنافس على محاكاة فنه كوكبة من الفنانين الشباب وعلى رأسهم نجله الفنان كمال الحراشي، اعترافا بما استطاع أن يقدمه عبر ما تتضمنه أغانيه من مواضيع اجتماعية، تعكس واقع المواطن البسيط، وافتخارا بما حققه من جهد وتفان ليصل بطابع «الشعبي» إلى العالمية. تحدث كثيرا عن صاحب رائعة «يا الرايح وين مسافر تروح تعيا وتولي»، وتأثر بفنه وبأدائه العديد من الفنانين والموسيقيين داخل وخارج الوطن، والثابت أن ما يميز الراحل دحمان الحراشي عن بقية شيوخ الشعبي الأفاضل، هو نبرة صوته الخشنة المميزة التي تم وصفها بالإجماع ب»الرَّجْلَة»، وما من شك أنه تتبادر إلى أذهاننا فور سماعنا صوت رجل أو شاب يتحدث بنبرة هادئة وصدى حروفه تلفت الأنظار أنه يملك صوت دحمان الحراشي، فعن صوته وأدائه ومسيرته قلبنا في صفحات ذكريات عاشق القصبة الشاعر القدير «عمر شلابي»، الذي فضَّل بعد حديثه مع «الشعب» أن يهدي محبي الفنان الراحل أبيات من قصيدة قام بكتابتها والتي جاءت بعنوان «ابكي يا عيني ونوحي على دحمان».. مِن عبد الرحمان عمراني إلى دحمان الحراشي بدأ الشاعر عمر شلابي وهو يحمل صورة الراحل في استعراض حياة الفن الراحل، حيث قال بكل تواضع «لابأس أن أقف بعض الشيء قبل ذكر نبذة موجزة عن الموسيقار والمؤلف والملحّن ومغنّي في نوع الشّعبي العاصمي، على البصمة الشهيرة التي يعرفها الجميع عن الفنان الراحل دحمان الحراشي، والتي باتت أشهر من نار على علم بأنه أحد عمالقة شيوخ أغنية الشعبي، حيث تفرد بإدخال إضافات نوعية في تاريخ هذا الطابع، وساهم بشكل كبير في جعل أغاني الشعبي معروفة وإيصالها إلى جميع أنحاء العالم، لا سيما من خلال أغنيته «يا الرايح»، التي يحفظها الصغير والكبير، والتي يعتبرها أغلب الفنانين ب»اللازمة الفنية» التي لا يمكن الاستغناء عنها في حفلاتهم الموسيقية.» وأضاف المتحدث، اسمه الحقيقي هو عبد الرحمن عمراني، ولد في 7 جويلية، 1925 في الأبيار، الجزائر العاصمة، ينتسب لقرية جلال جنوب ولاية خنشلة، انتقل أبوه إلى الجزائر العاصمة سنة 1920 في الأبيار، حيث أصبح من أبرز المؤذنين في الجامع الكبير، وبعد ولادة دحمان اختصار لعبد الرحمن يقول المتحدث يشاء الله أن تنتقل والدته إلى دار البقاء، وبدورها انتقلت العائلة التي تتكون من أحد عشر طفلا إلى بلكور، لتسكن ببيت في شارع ماري، ثم استقرت بشكل دائم في الحراش، ومن الحراش أخذ دحمان لقبه الحراشي، تعلم البانجو في وقت مبكر جدا، تأثر بالمطرب الشعبي خليفة بلقاسم المتوفى عام 1951، وفي سن 16 كان من أبرز من أدى أغانيه بكل احترافية، وهذا بشهادة عدة فنانين لهم وزنهم في تاريخ أغنية الشعبي الجزائرية الأصيلة، وهو الآن يرقد بمقبرة القطار بعد أن توفي رحمه الله في 31 أوت 1980 في عين البنيان بالجزائر العاصمة، إثر حادث سير. صانع أحذية ثم قائد تراموي ففنان وفي سياق متصل، ذكر عمر شلابي، أنه بعد ما تحصل الراحل على شهادته المدرسية، أصبح صانع أحذية ثم قائدًا للتراموي على الخط الرابط حي الديار الخمس بباب الواد، وخلال تلك الفترة لم تمنعه الظروف من تطوير موهبته في العزف على آلة البانجو «الصديقة الوفية للفنان» لاسيما في الغناء، وأضاف «لقد كان بالفعل موهوبًا في البانجو، وقد قدم للعديد من مطربي الشعبي في الأربعينيات خدماته على غرار: الحاج منور، الشيخ بورحلة، الشيخ العربي العنابي، عبد القادر أوشال، وخاصة الشيخ الحسناوي الذي قدم معه لأول مرة في مقهى الفنانين بشارع دي شارون في باريس عام 1952. والجدير بالذكر، أن الراحل في عام1949 كان وضعه الاجتماعي صعبا، حيث قرر السفر فذهب إلى العاصمة الفرنسية واستقر في ليل، ثم في مرسيليا وأخيراً في باريس، وهي المدينة التي كان بالكاد يغادرها لسنوات، وأشار محدثنا إلى أنه كان يغني في المقاهي المغاربية في مدن فرنسا، فتنوعت الذخيرة الشعبي لديه مصحوبة بموسيقى البانجو، قام بتكييف الشعبي بطريقته الخاصة من خلال إنشاء لغة موسيقية وشعرية جديدة، كما تتحدث أغانيه عن الذين يعيشون ظروفا صعبة تتوافق مع خطاب مستدام، ومفهوم من قبل المجتمع المغاربي بأسره إن لم نقل العالم العربي. اختار الفن لينقل الواقع وفي ذات الصدد، أكد المتحدث، أن دحمان الحراشي أعطى للأغنية الشعبية الجزائرية رونقا خاصا، حيث غلب على كافة أغانيه طابع المعنى وتميزت بأسلوب جميل يعالج قضايا المجتمع، من أشهر أغانيه الذائعة الصيت رائعة «يارايح»، التي انتقد فيها موضوع هجرة أبناء الجزائر إلى فرنسا، مشيرا إلى أن الأغنية لا تزال تُغنى من جيل إلى جيل حيث أعادها الفنان الجزائري رشيد طه، وقد لاقت إعجابا ولا تزال تلقى انتشارا لافتا في أواسط الشباب من أبناء الجاليات العربية المهاجرة في أوروبا، نظرا لما حققته من نجاح كبير عندما تم إصدارها في فرنسا عام 1973 ، ليعيد أداءها الفنان رشيد طه عام 1997، والتي كانت حديث الأوساط الفنية حول العالم، مما جعلهم يتنافسون على ترجمتها إلى عدة لغات مع الحفاظ على نفس اللحن. وتابع شلابي حديثه بالقول: «الأغنية في الأصل كانت موجهة إلى صديق دحمان الحراشي الذي كان مصرا على الهجرة ظنا منه أنه سيجد أحوالا معيشية أفضل، فقال في مطلعها الشهير: يا الرايح وين مسافر تروح تعيا وتولي، شحال ندموا العباد الغافلين قبلك وقبلي، شحال شفت البلدان العامرين والبر الخالي، شحال ضيعت أوقات وشحال تصيد ما زال تخلي، يا الغايب في بلاد الناس شحال تعيا ما تجري، بيك وعد القدرة ولا الزمان وأنت ما تدري. وهذا على غرار يضيف عدة أغاني نالت هي الأخرى نصيبها من الشهرة، كأغنية «خليوني» والتي أداها في فرنسا عام 1956، وأعادت غناءها الفنانة لطيفة التونسية عام 2003 ، وغيرها الكثير. 500 أغنية في رصيد الفنان عمر شلابي عاد بنا للحديث عن رصيد الفنان من أغاني وأعمال، حيث قال «سجل ألبومه الأول مع باثي ماركوني عام 1956 ، أثناء حرب التحرير والتي حملت عنوان «بهجة بيضا ما تحوّل» أو الجزائر البيضاء لن تفقد بريقها أبدًا، وألّف أيضًا أغنية «كيفاش ننسى بلاد الخير». فنان أصيل، قام بتحديث الشعبي وأعطى آلتي البانجو والماندول صياغتهما الخاصة، محققا بذلك هالة من الانسجام بينها وبين نبرة صوته التي تميزه عن غيره من المطربين الشعبيين، مضيفا أن في جعبته حوالي 500 أغنية قام بتأليفها، كلماته الرائعة وألحانه جعلته موضع تقدير من قبل عامة الناس، ولإعطاء المزيد من السعة لنصوصه الغنائية يقول غالبًا ما استخدم العملية المجازية المتمثلة في صوته الخشن الذي ينسجم جيدًا مع ذخيرته، وذلك من خلال معالجته لعدة مواضيع كالحنين إلى الوطن، معاناة المنفى، العاطفة لمدينته الأصلية، الصداقة، الأسرة، النكسات في الحب، تقلبات الحياة، الصلاح والصرامة الأخلاقية.. بينما كان ينتقد الكذب والنفاق والجحود وسوء النية. لمع نجمه ولم يأفل أشاد المتحدث عند ذكر حيثيات كل محطة من مسيرة الفنان، بما يتمتع به من شخصية محبوبة، والتي استحقت أن يوثقها عمل فني يسرد حكاية فنان لمع نجمه ولم يأفل، لقد صنع كامل حياته الفنية في فرنسا، وحظي بتقدير أقرانه خلال مهرجان «الموسيقى المغاربية» الذي أقيم في أوائل السبعينيات في «لا فيليت». اكتشفه الجيل الجديد في الجزائر في وقت متأخر من العمر، ولم يظهر رسميًا إلا في عام 1974 في قاعة أطلس بالجزائر العاصمة، أين حقق نجاحًا باهرًا من خلال التلفزيون الجزائري، حيث ترك ثلاثة تسجيلات هناك، ولعب دوره كمغني شعبي في فيلم تلفزيوني بعنوان: «تحيا دحمان» تم تصويره قبل وفاته في حادث سير في عين بنيان يوم 31 أوت 1980، تم استعارة مسيرته الفنية كمغني من تجربته الخاصة في الحياة، من خلال ترجمة جميع تنوعات الهجرة إلى أغانيه المكتوبة باللغة الجزائرية. حكاية فريق الحراش مع دحمان استذكر المتحدث وهو يطوف بخواطر وثقها في صفحات ذكرياته، موقفا لطيفا ورجوليا حدث للفنان دحمان الحراشي مع فريق اتحاد الحراش، وذلك بعد افتكاكه كأس الجمهورية سنة 1974، حيث قال «اتفق وفد من فريق الحراش على زيارة الفنان دحمان الحراشي ليطلبوا منه كتابة أغنية تتحدث عن الفريق الذي حقق نصرا واستحق الكأس نظير تأدية عناصره لمباراة قوية، وعندما وصلوا إلى بيت الفنان تم اخبارهم أنه لم يعد بعد من الحفل الذي كان يحييه، فانتظروه إلى ساعة متأخرة من الليل، ولما عاد أخبروه ألا يستحق انتصار فريق الحراش أن يتوج بكلمات أغنية تكريما له؟! فوافق على الفور وطلب قائمة أسماء الفريق، وما إن بزغت شمس الغد إلا وكانت الأغنية جاهزة وباللحن الذي اختاره بعناية والتي يقول في مطلعها: يا اللي تحب تعمل سبور نوصيك استجب ليا شارك فيusmh مسي ليكيب الحراشية // نبدا نشكر الجدعان نسميهم فلان وفلان ديريجون والبريزيدان ولونتربرونور فرحو بيا // القول مشطا في وسط ليبوت غير شوتيلو كيما حبيبت لا بال يحكمها كي لعفريت يصفقو عليه الجمعية. رثائية دحمان الفنان والانسان وفي الأخير، أصر الشاعر عمر شلابي أن يهدي قصيدة بعنوان «ابكي ياعيني ونوحي على دحمان»، كتبها لروح دحمان الحراشي الذي ترك فراغا رهيبا في أغنية الشعبي، بعد رحلة تعب بدأت من الحرمان لتصبح بعد سنين من أبرز محطات صنعها فنان جزائري أحب وطنه، عاش في الغربة وعاد إليه بزاد فني اخترق جدار العالمية، حيث يقول فيها: سمعت صوتك بقيت دهشان حيرت فكري سكنت الأسيار حشايا مالداخل شعلت نيران لعقل بلا جناح إليك طار تحلى الجلسة بتوشية زيدان يتفاجى القلب تسمع الاوتار ابكي ياعيني ونوحي على دحمان خلى قلبي مكوي بالنار هولت بحري رياحي ومواجي يازين القعدة دحمان الحراشي صوتك يجلب القلب يفاجي سكن الضمير في وسط حاشي حالتي حالة يا دوا علاجي يهنى الخاطر بدوك التواشي محال ننساك طول الزمان اسمك في لساني دايما يذكار ابكات عليك العين ويدان من فراق الحراشي ماني صبار