تشهد الجزائر في الفترة الأخيرة حركية دبلوماسية لافتة، حيث أصبحت قبلة لعديد الدول الأوروبية موازاة مع الظرف الدولي الصعب الذي يميز النظام الدولي بتعقيداته الخطيرة في ضوء ما تشهده منطقة الشرق الأوسط من تصعيد عسكري خطير وتداعياته، التي أثرت بشكل جلي على قطاع الطاقة، ما جعل العواصم الأوروبية تبحث عن منفذ آمن يلبي احتياجاتها في هذا المجال، فضلا عن مساعي الارتقاء بالتعاون في مختلف المجالات الاقتصادية. سارعت دول أوروبية لتعزيز تعاونها مع الجزائر لاسيما في قطاع الطاقة والظفر بصفقات جديدة تضمن بها أمنها الطاقوي خلال المرحلة المقبلة، ليس لكون هذه الأخيرة من أكبر الشركاء الموثوقين للقارة العجوز في تزويد الغاز الطبيعي، بل لأنها نجحت في إطار الدبلوماسية الاقتصادية أن تكون كأحد الفاعلين في منطقة المتوسط، انطلاقا من أن العقيدة الجديدة للدبلوماسية الجزائرية ترتكز على التشبيك الاقتصادي. ومثلما تلتزم السياسة الخارجية للجزائر بمبادئ ثابتة، فإن رؤيتها الاقتصادية لا تختلف عن هذا النهج الذي يستقطب اهتمام الشركاء، ما عزّز الموقع الاستراتيجي للجزائر التي اعتمدت السياسة الندية وخدمة المصالح المشتركة في إطار رؤية براغماتية مع مختلف الدول. وبلا شك، فإن زيارة رئيسة وزراء إيطاليا، جورجيا ميلوني الجزائر مؤخرا، تندرج في هذا الإطار خاصة وأن الجزائروروما تربطهما علاقات جيدة ونموذجية، لدرجة أن رئيسة الوزراء أقرّت بأن الجزائر تظل شريكا استراتيجيا ذا أهمية بالغة لبلادها في منطقة شمال إفريقيا، مؤكدة أن هذه العلاقات قوية واستثنائية ومتينة. وتعتبر الجزائر شريكا موثوقا يساهم في تعزيز أمن الطاقة في إيطاليا، خاصة في إطار جهود روما لتقليل اعتمادها على الغاز الروسي والشرق أوسطي، كما لا تقتصر العلاقة على الغاز فقط بل تمتد لتشمل بناء شراكات اقتصادية ونقل التكنولوجيا واستثمارات مشتركة مثل تعاون "إيني" و«سوناطراك". وبعد يوم واحد فقط من زيارة المسؤولة الايطالية، زار وزير الخارجية الاسباني خوسيه مانويل الباريس الجزائر، في ظل تحسّن ملحوظ في العلاقات بين مدريدوالجزائر بعد فترة من الفتور، حيث يظهر سعي إسبانيا إلى تعزيز شراكتها مع الجزائر، لا سيما في مجالات الطاقة والتجارة، باعتبار الجزائر أحد أبرز مزوّدي إسبانيا بالغاز، في وقت تشهد فيه المنطقة تحوّلات جيوسياسية متسارعة.كما قام رئيس وزراء جمهورية صربيا، جورو ماتسوت، بزيارة عمل إلى الجزائر، توجت بالتوقيع على عدد من الاتفاقيات التي شملت قطاعات مختلفة، مع التطلع لمتابعة المشاريع المشتركة ومناقشة العلاقات والنتائج للتعاون المشترك، كما لم يخف المسؤول الصربي اعجابه بالسياسة الخارجية للجزائر بالقول ان "الجزائر أفضل صديق يحترم استقلاله بكل معانيه". وفي سياق تحرك الآلة الدبلوماسية للجزائر، يقوم وزير الدولة، وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الافريقية بجولة أوروبية شملت كرواتياوبلجيكا، حيث تم خلال زيارته لزغرب استشراف آفاق تطوير التعاون الثنائي في مجالات الطاقة (التقليدية والمتجددة). وأشادت كرواتيا بجهود الجزائر ودورها في تعزيز جسور التواصل والحوار بين ضفتي المتوسط، وسمحت زيارة وزير الدولة إلى بلجيكا بتحديد عدة محاور عمل من أجل الارتقاء بالتعاون إلى مستوى الطموحات المشتركة. وبذلك، يشهد محور الجزائر أوروبا ديناميكية جديدة تعد بالمزيد من التقارب الاستراتيجي، حيث نسجل في هذا السياق إعادة فتح الخط الجوي بين الجزائر العاصمة وبودابست (المجر) مرورا بفيينا (النمسا) بعد توقفه منذ 2020.