يستيقظ الكثيرون كل صباح على نفس الوتيرة، بعجلة كبيرة... قهوة تحضَّر على عجل، وحليب ساخن يُسكب في الكؤوس، لا يشعر صاحبه كيف شربه رغم حرارته الشديدة؛ فبسرعة البرق يتم إيقاظ الأطفال على طريقة معسكرات التدريب... "قم للدراسة؛ الوقت يداهمنا! "... "يجب أن أوصلك إلى المدرسة لأتجه الى العمل"... هذه حال الكثيرين. سيناريو يتكرر يوميا وسط العائلات وحتى مع الأفراد... إنه السباق ضد الزمن في أجواء يطبعها "التحمل" ؛ لأن وتيرة الحياة لا تعترف بالكسل والعجز، إلا أن هذا التحمل أصبح قانون حياة لأشخاص فضّلوا تأجيل الراحة الطبيعية المطلوبة؛ لأن المهام لا تسمح بذلك. عُرفت ولاتزال المرأة الجزائرية تُعرف بالمكافحة؛ إنه الإرث العظيم الذي أخذته عن جداتها، اللواتي عُرفن بجهدهن العضلي في الزراعة، وجني الزيتون، وطحن الشعير والقمح، وتربية عدد كبير من الأبناء، والكثير من المجهودات، وحتى الأعمال الشاقة في زمن الفاقة. الآن، ورغم تغيُّر الظروف وحصول الجميع على خدمات العلم والتكنولوجيا التي سهلت الحياة للجميع، أصبح ضيق الوقت... زحمة المرور وبعد المسافات بين السكن والعمل وحتى المواقع البعيدة لدراسة الأبناء بالنسبة لبعض الأشخاص، والحرص على إتمام المسؤوليات على أكمل وجه، من العوامل المساهمة في رفع مستويات التعب والإرهاق النفسي مع تأجيل الراحة وحتى الأحلام معها؛ فالعمل لم يعد ينتهي بعد مغادرة المكتب. والبيت يتحول، بدوره، الى مساحة أخرى من الالتزامات اللامتناهية مع إدارة مشاغله، وتربية الأبناء، وتحقيق متطلباتهم. مكاسب الحياة.. سباق بلا خطّ نهاية! سؤال طرحته "المساء" على بعض المواطنين حول الشعور بالراحة، فكان الرد: "وهل يوجد في الدنيا كلها راحة؟...إنها دار شقاء!" ؛ تقول حياة البالغة من العمر 34 سنة، معلمة ابتدائي: "لديَّ الكثير من الالتزامات العائلية. والدايَ كبيران في السن أرعاهما. ولديَّ تلاميذ في الابتدائي يحتاجون لجهد أكبر للتعلم؛ فهم أمانة، ومسؤولية. كما أواصل مشواري الدراسي لأبلغ مرتبة الدكتوراه في اختصاصي؛ فهذه المسؤوليات والطموحات الكبيرة تجعلني أؤجل راحتي. وحتى في اليوم الذي من المفترض أن أرتاح، أجد فيه أعباء البيت كلها منصبّة على رأسي، حتى التفكير في تناول فنجان قهوة مع صديقتي يحتاج مني برمجة لأسابيع". ومن جهته، قال يوسف البالغ من العمر 45 سنة، ناشط جمعوي وأب لأربعة أبناء: "نركض طوال اليوم لإنجاز مهامنا. نتعب، ونشعر بالإرهاق، لا سيما بعد قضاء يوم طويل في تقديم الخدمات سواء للأهل أو لمن يحتاجها من الناس. لكن حين يحين وقت الراحة نجد أنفسنا عاجزين حتى عن الإحساس بها؛ وكأننا تعوّدنا على التعب أكثر من الطمأنينة والراحة، خاصة إذا حدث أن تذكرتُ أن أحدهم طلب مني أمرا أستطيع إنجازه ولم أفعل... لهذا أفضّل أن أكون صاحب كلمة، ومبدأ.. أوقات كثيرة خرجت فيها من فراشي لتقديم الخدمات.. أرى أن الراحة يمكن تأجيلها لموعد آخر.. لكن كلمة الرجال لا تؤجَّل". الراحة ليست رفاهية بل ضرورة بيولوجية شرح مزايا الراحة بعد الجهد أمر مهم جدا، يطول بتفسيره مع المختصين في مجالات عدة؛ نظرا لحاجات الأفراد الجسمية والنفسية له، لا سيما من ينفقون جهدا عقليا، وعضليا ونفسيا لتغطية احتياجات الآخرين ومتطلبات الحياة؛ تقول المختصة النفسية رتيبة حفني: "تأجيل الراحة أصبح سلوكا شائعا بين الكثيرين، وحلما مؤجلا لدى آخرين. فحين أسال البعض عما يحتاجون إليه في الوقت الراهن، تكون الإجابة: نوم عميق، وراحة". وتشرح المختصة: "الكثيرون يربطون الراحة بالإنهاك التام؛ فمادام هناك نفَس يمكن أن تؤجل؛ وهذا خطأ كبير يمارَس في حق الذات؛ فهذا التفكير يؤدي الى استنزاف نفسي خطير على المدى البعيد؛ فالراحة ليست رفاهية، بل ضرورة نفسية وبيولوجية. وحرمان النفس منها ينعكس على المزاج، والعلاقات العائلية، والمهنية، وحتى على الصحة الجسدية". وفي الختام أشارت حفني الى أن "الراحة، يمكن أن تكون في أبسط التفاصيل في حياتنا، على أن تكون وقت الحاجة إليها؛ لأنها، وقتذاك، وإن كانت قليلة المدى إلا أنها كبيرة الأهمية. الخلوة مع النفس لدقائق في أجواء من الصمت، أخذُ نزهة مع الأحبة، الأبناء، الآباء، الإخوة؛ فالمسؤوليات لا تنتهي أبدا. والراحة إذا أُجلت عن وقتها تصبح، لاحقا، بلا معنى".