“أهلا ومرحبا بكم” كلمات لم تفارق مسامعنا على مدار زيارتنا للأراضي التونسية الشقيقة، حلة جديدة بأنفاس أعمق هي تونس الجمهورية الثانية، تونس الحرة التي كانت أول من رفع صوت “ارحل” عاليا في شوارعها، لتكون للتونسيين وحدهم ولينعم بجمال طبيعتها الجميع وبسحر شواطئها كل محب لتونس الخضراء. منذ الوهلة الأولى..ومع أول خطوة على أرض تونس الطييبة لم نشعر مطلقا بأننا في بلد كان قبل أزيد من سنة يعيش حالة غليان، وبعض الدول كانت تحاول منع رعاياها من زيارتها، فمطار قرطا الدولي بالعاصمة تونس يعيش حالة من النشاط غير منقطعة سفريات من كل الجهات وأفواج زائرة من كل أنحاء المعمورة، كانت هذه أول لحظة نحس فيها أن الأمان الذي نعمت به تونس على مدار عقود من الزمن قد عاد لاحتضان شوارعها ويسكن في قلوب مريديها. التأكيدات بأن الأمن مستتب على لسان كل تونسي نزولنا بشارع الرئيسي في العاصمة تونس والذي بات البعض يطلق عليه ‘شارع ارحل' أكد لنا أن الاشاعات التي قد روج لها البعض لا أساس لها من الصحة، فالحركة لا تنقطع، والتونسيون يستمتعون بأجواء الجميلة التي خلقتها ثورة الياسمين، دردشات على طاولات المقاهي بعيدا عن تخوفات الماضي، والمسارح مفتوحة على مصراعيها، ولساعات متقدمة نسبيا من الليل في في عروض لا سلطة فيها لمقص الرقيب، وشباب يملؤون الأزقة الفرعية، تخوفنا من الولوج لهذه الأزقة في بادئ الأمر احترازا، لكننا تقدمنا وسط هذه الأزقة فاجأنا وبعث الطمأنينة المؤكد في قلبنا لنجد أنه لا مكان لما قد يخاله البعض من قطاع للطرق، وعصابات تنتظر في عمق الظلام بسكاكين الأذى أو الهراوات، ف'تونس آمنة'. الكتاب يعود لأحفاد الشّابي قد يكون ما ميز الشارع الرئيسي السنة الجارية بعيدا عن المظاهرات التي قد تجدها هنا أو هناك والتي تتم بشكل جد حضاري، هو المعارض المفتوحة، حيث إن الكتاب عاد ليطرح في أرصفة شارع بورقيبة، وحديثنا مع مسؤول خيمة المعرض أكد لنا أن المطبوعات قد تنفست بعد ثورة الياسمين، والكتب أصحت في متناول التونسيين بعيدة عن الرقابة بدءا من الكتاب الديني ووصولا إلى الكتب الفكرية والفلسفية، الأمر الذي لم يكن يتسنى للتونسيين في ظل حكم ‘بن علي' في ظل الرقابة الشديدة التي كانت مفروضة على سوق الكتاب، مؤكدا أن الحكومة القائمة أعطت دعما لهذا التوجه بالذي لقي ترحابا من دور النشر وأصحاب المكتبات. الزيتونة تفتح أبوابها مجددا للتعليم الأصيل لم تمر زيارتنا للعاصمة تونس دون المرور على أزقة قصبتها العتيقة، والتي تعد نموذجا مماثلا لقصبات الجزائر، إلا أن سياسة الترميم التي انتهجتها الهيئات التونسية المعنية على مدار السنوات السابقة قد أتت بثمارها، حيث لا تزال محلاتها قبلة للزوار، ومقصدا للسياح على اعتبارها روح تونس الأصيلة، خاصة اذا سمعت من قلبها صوت الأذان المنطلق من مأذن جامع الزيتونة، الجامع الذي يعود له الفضل في انجاب خيرة علماء شمال افريقيا عموما والجزائر تحديدا خاصة أيام الاستعمار الفرنسي، حيث أن زوايا المسجد العتيق والذي لا يزال يحافظ على شكله الهندسي ذو الطابع المغاربي الأصيل قد شهدت مرورا لكبار علماء والشخصيات الوطنية فمن ابن باديس، والبشير الإبراهيمي، والعربي التبسي، أحمد سحنون، مرورا بشخصيات سياسية كالرئيس الراحل هواري بومدين والذي درس به أيضا، مسجد يعد معلما تاريخيا بامتياز وكنز تفخر تونس باحتضانه، جلب إليه أنظار المسلمين وغير المسلمين فزيارتنا له تزامنت مع محاولة شاب سائح بلجيكي وهو يتمتع بروعة العمارة الاسلامية في طرازها المغاربي الأصيل، فرصة سمحت لنا بقراءة إعلان كتب عليه بأن الجامع يعيد فتح أقسام للتعليم الأصيل، عودة بعد انقطاع دام عقودا عديدة.. سيدي بوسعيد جوهرة شمال إفريقيا قد تكون سيدي بوسعيد المدينة الساحلية من أجمل الأماكن السياحية جلبا للسياح داخل العاصمة التي تضم ما لا يقل عن 16 مكانا سياحيا يستحق الزيارة، فسيدي بوسعيد التي لا تبعد عن قلب العاصمة سوى بضعة كيلومترات مكنتنا من المرور عن القصر الذي حكم منه “زين العابدين دولته بقبضة من حديد” مكان كان لا يجرأ التونسيون حتى من المرور بجواره خوفا من بطش “الطرابلسية”، بالإضافة إلى مرورنا بمسجد العابدين “سابقا”، والذي كتب على اللوحة المشيرة إليه مسجد الحرية، ويطمس من على جداره كل اشارة إلى مدشنه، والذي أكد لنا البعض أنه لم يكن يقم فيه الصلاة إلا متى حلى له ذلك. سيدي بوسعيد مدينة سياحية بامتياز خاصة وأنها قريبة من العاصمة وتجاور عديد مرافق الاستجمام، الصيفية منها وكذا الشتوية، بالإضافة إلى مريدي السياحة الصحية التي باتت تونس قبلة عالمية لها، بالنظر للخدمات النوعية التي تقدمها في هذا النوع من السياحة خاصة مع اعتدال مناخها على مدار السنة. جمال هذه المدينة التي انعكس على بنائها الذي يشبه أحياء القصبة، حيث لا يزال محافظة على بياض جدرانها وسحر الأبواب التي تضمها مساكنها، والتي تعود العديد منها لعشرات السنين على الأقل، بالإضافة لامتلاكها لميناء سياحي جميل جدا، ميناء يستقطب العديد من أفواج السياح الأجانب من لقارات الخمس والذين جعلوا من سيدي بوسعيد محطة إلزامية في رحلاتهم السياحية نحو الأراضي التونسية. ياسمين الحمامات القبلة الأهم للجزائريين الحمامات كانت قبلة لنا في زيارتنا هذه مدينة شرقية بامتياز قبلة لكل من يبحث عن روح المدن التونسية التي لا زالت الجلسات في مقاهيها ومطاعمها يفوح منها عبق النكهات الشرقية وعلى مقاهيها يحلى للسياح الاستمتاع بخدماتها التي تعد راقية، حتى أن قلاع التي تترامى على بجوار شواطئها والتي تعود لمالا يقل عن خمسة قرون أعيد ترميم شطر كبير منها بنفس المواد التي بنيت به أولا. سحر الحمامات لا يمكن تجاهله، خاصة وأن شواطئها لا تخلو من رمال ذهبية جعلت من المكان آية في الجمال، هذا السحر الذي جعل عددا من الأجانب يقيمون فيها على غرار وزير الثقافة الفرنسي السابق والذي يمتلك منزلا وسط المدينة العتيقة، التي يعد أكبر زوارها من السياح الفرنسيين. السحر نفسه حظيت به مدينة ياسمين الحمامات والتي تعد أحد المنتجعات التونسية الهامة بشمال البلاد، فالمدينة تعد قبلة معروفة للسياح الجزائريين، الذين يقصدونها على مدار السنة، بالنظر إلى جمال شواطئها وكذا الخدمات الفندقية والمطعمية التي تتميز بها، وبأسعار قد تكون جد مغرية مقارنة بما هو متوفر بعديد الشواطئ الجزائرية، حيث يمكن للزبون الحصول على جناح في فندق خمس نجوم وبخدمات جد راقية، بما لا يزيد عن 18 ألف دينار جزائري لليلة، مدينة قد يحظى بها السائح بزيارة تخلدها الذكريات. ميزة الأمن لم تفارق الأماكن السياحية في عز ثورة الياسمين كثير من الشباب العاملين في قطاع الخدمات السياحية أكدوا لنا أن الأمن كان ولا يزال سمة ملازمة للأماكن السياحية، فمحمد صاحب المحل الذي يطل على شواطئ ياسمين الحمامات أكد لنا أنه كان يعمل بشكل عاد في 14 جانفي 2011 في عز أيام الثورة، فالتونسيون متفقون على أن السياحة مصدر مهم للدخل الوطني ولا يجب الإضرار به، واستطرد بالقول إن السياح الجزائريين يعدون أهم الزوار للمدينة، غير أن هناك من يحاول ضرب السياحة التونسية بالترويج لأكاذيب تحاول منع أشقاءنا الجزائريين من دخول أراضي تونس. أما نسيمة والتي تعمل في أحد محلات الملابس بمدينة نابل والتي تدرس الماستير تخصص تسويق فقد أعلمتنا أنّ عدد السياح شهد تراجعا ملحوظا خلال أسابيع الثورة وما بعدها لكن حاليا الوضع ينتعش بالنظر لعناية الحكومة التونسية الحالية بالقطاع السياحة، هذا الأمر الذي أكده لنا في وقت لا حق السفير التونسيبالجزائر مؤكدا أن حكومة الجبايلي خصصت لإنعاش القطاع السياحي ميزانية لم يحض بها طيلة حكم النظام البائد. “الإخوة الجزائريون كانوا خير سند لقضيتنا” قد يكون من أهم الأسباب التي جعلت الجزائريين تحديدا والسياح الأجانب بشكل عام أسرا وأفراد يتراجعون عن توجههم لقضاء عطلهم بتونس هو التخوف من تدني الوضع الأمني غير المبرر والذي بالغت تضخيمه لحد كبير بعض الأوساط الإعلامية. وضع لم نجد له مكان في تونس الجمهورية الثانية، عدى بعض التظاهرات السلمية محدودة المكان والزمان والتي نجمت عن الديمقراطية الفتية في البلاد، هذا هو ما أجابنا به ياسر الذي يعمل في محل بالسويقة مؤكدا أن هناك من أذناب الطرابلسية واليائسون من النظام السابق لا يزالون يبحثون عن موضع قدم لهم في تونسالجديدة، مؤكدا أن الحكومة الجديدة تعمل وبالرغم من أنه لم يمض على تنصيبها إلا أقل من سنة إلا أن مردودها فيما يخص انعاش قطاع السياحي وجلب الأجانب أثبت فاعليته، ومضيفا أن الإخوة الجزائريين كانوا خير سند لقضيتهم الثورية، وقال “الغاز المسيل للدموع يضرب وإخواننا الجزائريين معنا هنا”، وأضاف هذا الأمر الذي أغاض البعض فأخذوا في التركيز على تدني الوضع الأمني كذبا وبهتانا. خدمات نوعية بدءا بالمعابر الحدودية ولعل أهم ما اطلعنا عليه، أن السياسة التونسيةالجديدة باتت أكثر توجها نحو استرجاع السائح الجزائري الذي انخفض تعداده إلى أقل من 800 ألف سائح العام الفارط بعدما كان يجاوز 1,5 مليون سائح سنويا للأراضي التونسية، هذا عن طريق توفير خدمات اعلى من التي كانت متاحة خلال السنوات الفارطة بدءا من المعابر الحدودية البرية، والتي ستتدعم بأماكن راحة بدلا من الطوابير الطويلة التي كان يشهدها بعض المراكز الحدودية بين البلدين، واقع من الممكن أن يتحسن بشكل أكبر بين الدولتين التين بدأتا خطوات جديدة في العلاقات الثنائية عن طريق محاولة بعث الخط البحري بين الدولتين، وكذا خط السكة الحديدية الجزائرتونس مرورا بعنابة، زيادة إلى رفع حجم السفريات بين الدولتين جوا عبر الخطو الجوية التونسية بحسب متطلبات وكثافة المتنقلين خاصة صيفا. روبورتاج: محمد شيحات * شارك: * Email * Print