لائحة البرلمان الأوروبي سلوك مفضوح    تجارة: العجائن الغذائية المدعمة غير معنية بارتفاع الاسعار    "أوبك+" تدرس مختلف الخيارات قبل اتخاذ القرار النهائي في لقاء الثلاثاء المقبل    الاتحاد الوطني للنساء الجزائريات يدين انتهاكات المغرب لحقوق الانسان في الصحراء الغربية    أزمة إثيوبيا: رئيس الوزراء الإثيوبي يعلن دخول الجيش عاصمة ولاية تيغراي    بافلز (البنين) 1 – 1 مولودية الجزائر    السيتي يكافئ محرز بعد "الهاتريك" العالمي ضد بيرنلي    الممثل الكوميدي محمود بوحموم في ذمة الله    إيطاليا.. 686 وفاة وأكثر من 26 ألف إصابة بكورونا خلال 24 ساعة    قاطنو قرية مهدية بواد تليلات يطالبون بزيارة والي وهران    « عدل» تطلق عملية اختيار المواقع لأكثر من 100 ألف مكتتب    بوزيدي مدربا جديدا لفريق شبيبة القبائل    وزير البريد: التعامل الالكتروني هو الحل النهائي لمشكل السيولة    15 سنة سجنا في حق زوخ وحجز جميع ممتلكاته    جراد: الحكومة عازمة على إرساء نموذج طاقوي مستدام    النّسر الأسود ينقر سوسطارة ويُعمّق جراحها    اغتيال محسن فخري زادة: هل يهدف قتل العالم الإيراني إلى تقويض الاتفاق النووي؟    المجتمع الدولي مطالب بتمكين الفلسطينيين من حقّهم في الحريّة    مظاهرات حاشدة في مدن فرنسية    أطباء وصيادلة وراء ندرة دواء "لوفينوكس "    بوقدوم يجدد موقف الجزائر"الدائم" المتمثل في ضرورة محاربة ظاهرة الاسلاموفوبيا    معلق بواسطة حبل داخل مسكنه العائلي:    غرس 2000 شجيرة بغابة العذراء مسرغين    بن زيان يجتمع بالشركاء الاجتماعيين بداية من الأسبوع المقبل    زطشي وحلايمية يصابان بفيروس كورونا    «الفاف» تعتزم إطلاق أول مدرسة لتكوين حراس المرمى    تقلبات الطقس: الأمن الوطني يتجند لتسهيل حركة المرور    طيارو الجوية الجزائرية يطالبون باستئناف الرحلات    تمنراست: الوقوف على انشغالات سكان المناطق النائية بتين زواتين الحدودية    البنك الدولي : جائحة كورونا ستدفع 100 مليون شخصا نحو الفقر    مديرية التجارة تتدخل لوقف تجاوزات للتدابير الوقائية بالمركز التجاري لباب الزوار    باتنة: إنقاذ أم وبناتها الثلاث من الاختناق بالغاز    تفكيك أخطر شبكات ترويج المهلوسات بقسنطينة    وزيرة الثقافة تعزي في وفاة الممثل الفكاهي محمود بوحموم    وزيرة الثقافة: "الأمير عبد القادر كرّس مفهوم الإنسانية وحقوق الإنسان في الحرب والسلم"    ألعاب البحر المتوسط بوهران: إنجاز خمس جداريات فنية    الأسير عماد طقاطقة يُعانق الحرية بعد ثماني سنوات في سجون الاحتلال    المغرب يسعى إلى التشويش على مظاهرة منددة باعتداء الكركرات    رابطة أبطال إفريقيا: الجزائري كريم لعريبي أحسن هداف للمنافسة    كوفيد-19 : مجموعة من المخابر تقترح سعر 8.900 دج لإجراء تحليل ال"بي سي أر"    عطال يصاب من جديد ويغيب عن مواجهة ديجون    استمرار تساقط الأمطار على عدة ولايات إلى غاية يوم الأحد    بالفيديو.. الممثل الفكاهي "بنيبن" يفند شائعة وفاته ويوجه هذه الرسالة    وزير الصحة : صعب جدا العودة لتدابير الحجر الشامل    عبرات في توديع صديقنا الأستاذ عيسى ميقاري    اصابة الفكاهي طاهر سانتانا بجلطة دماغية    بومرداس: اصطدام تسلسلي ل 10 مركبات بمنحدر الأربعطاش يخلف 8 جرحى    أردوغان: علينا الدفاع عن حقوق القدس لأنها شرف الأمة الإسلامية    تنظيم أيام القصبة المسرحية قريبا بالمسرح الوطني محي الدين بشطارزي    قطاع الاتصال شرع في تغييرات عميقة مواكبة لمختلف التطورات    الجيش حريص على تجسيد تعهداته للوقوف مع الشعب والوطن    الرواتب والمعاشات وراء الاكتظاظ بمراكز البريد    الأمير عبد القادر أرسى قواعد القانون الإنساني قبل المجتمع الدولي    بورايو يتناول الآداب الشفوية    السعودية تحذر من وضع "أسماء الله" على الأكياس    أحكام المسبوق في الصلاة (01)    هذا هو "المنهج" الذي أَعجب الصّهاينة!    لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الدولة والعدالة والأخلاق والخير العام
نشر في الحياة العربية يوم 04 - 04 - 2020

نبّهني للعودة إلى مسألة الدولة وأدوارها في الأزمات وبشكلٍ عام الزميل نديم قطيش الذي راجع في مقالة بجريدة «الشرق الأوسط» J. Stiglitz وكتابه الصادر عام 2019 بعنوان «الناس والسلطة والأرباح: نحو رأسمالية تقدمية في زمن الاضطراب».
وسأعود إلى رسالة الكتاب وأهدافه، إنما الطريف أن ستغلتز وتلميذه بول Krugman، وكلاهما حاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد (2001 و2008) وجد من واجبه أن يُصدر توصيات للحكومة الأميركية بما يجب عليها فعله في زمن «كورونا». وكلا الرجلين ليسا من مؤيدي الرئيس ترمب، ولا الحزب الجمهوري. لكن كروغمان ديمقراطي متحمس، ومن كُتّاب «نيويورك تايمز» – بينما يظلُّ ستغلتز مستقلاً وأقرب إلى اليسار الليبرالي الأميركي. بيد أنّ هذين الأمرين (الميول الحزبية، والتوجه الفكري والسياسي) لا يعنيان الكثير إذا ما لاحظنا أنهما مختلفان حتى في السياسات تجاه «كورونا». كروغمان كالعادة لا يرى أن إجراءات الرئيس مجدية في منع التردي الاقتصادي، ويقترح برنامجاً للشراكة بين الحكومة الاتحادية (والاحتياطي الفيدرالي) من جهة، والشركات والبنوك الكبرى من جهة أخرى، كما فعل الرئيس أوباما في الأزمة المالية أو العقارية 2008 – 2009. أما ستغلتز فيتلبث قليلاً فقط عند إجراءات ترمب ووزارة الخزانة والاحتياطي الفيدرالي مُدلياً ببعض الملاحظات، ليعود إلى ديدنه في السنوات الثلاثين الأخيرة، معتبراً أن الدولة باعتبارها مسؤولة أمام المواطنين عن العدالة الاقتصادية والسياسية، هي التي ينبغي أن تتولى إدارة الشأن العام من دون شريك، وبخاصة في الأزمات. إذ يظن كثيرٌ من الخبراء أن الأزمات إنما تحدث نتيجة تصرفات خاطئة من جانب إدارة الدولة، والإدارات تخطئ وتنحاز، لكنّ الواقع فهو أن السوق هي المسؤولة غالباً عن حدوث الأزمات الكبرى مثل التلوث البيئي والاضطراب النقدي، والتفاوت الاقتصادي. والسطور التي ذكرها ستغلتز في زمن «كورونا» هي التي كان قد فصّلها في كتابه الصادر عام 2019، والذي نسب فيه إلى السوق الرأسمالية الأزمات التي ذكرناها. ففي الأزمات وفي الحالات العادية يكون على الدولة أن تُدير التوازن وتكافؤ الفرص، وأن تحمي الضعفاء.
لستُ متخصصاً في الاقتصاد ولا فيما هو قريبٌ منه. وبالكاد أن يفهم الواحد منا المحتوى العام لمؤلفات كبار الاقتصاديين حتى لو صارت موجزاتٍ مبسَّطة. لكنني كنتُ ومنذ أربعين عاماً وأكثر أدرس وأبحث في كل مجال، وبخاصة في دار الإسلام التاريخية عن دور الدولة ومهماتها ووظائفها وعلاقة ذلك بشرعيتها (= الكفاية والشوكة). وقد زاد هذا الاهتمام وتشعّب عندما ذهبتُ إلى ألمانيا، ثم في تسعينات القرن الماضي إلى الولايات المتحدة. وكما تعرفت عام 1997 عندما كنت أستاذاً زائراً بهارفارد على جون راولز فيلسوف القانون الذي كتب أهمَّ المؤلَّفات في دور الدولة في المجتمع الديمقراطي (مثل نظرية العدالة، والعدالة باعتبارها إنصافاً، والليبرالية السياسية)، تعرفتُ كذلك على بول كروغمان الذي كان آتياً للتدريس بكلية القانون بالجامعة، وعندما عدت للتدريس عام 2002 اصطحبني الأستاذ روي متحدة في ربيع عام 2003 إلى نقاشٍ نظمه كروغمان لكتاب ستغلتز الصادر يومها بعنوان The Roaring Nineties (التسعينات الهادرة) بحضور المؤلف ومشاركته. وقد دار كل الحديث تقريباً عن دور الدولة، وعن آراء الاقتصاديين في الدور الذي يريده جون راولز (توفي عام 2002) للدولة في الأنظمة الليبرالية الديمقراطية. وقد بدا لي وللزملاء الحاضرين من غير المتخصصين أن ستغلتز أكثر راديكالية حتى من راولز في إعطاء الدولة في المجتمعات الليبرالية مهامّ إعادة التوزيع من أجل التوازن، وحق اشتراع قوانين استثنائية Affirmative Actions لصون مبدأ تكافؤ الفرص، والتوسع في الضمانات والتأمينات الاجتماعية. وفي النقاش، ذكر كروغمان مفكراً اقتصادياً كان صاعداً وقتها اسمه بيكيتي وقال لستغلتز ضاحكاً: يا أستاذ سيقال عنك ما قيل عن بيكيتي إنك أكاديمي ماركسي! وأجاب ستغلتز دون أن يضحك: لا، أنا لا أرى مثل ماركس ولينين أن النظام تابعٌ حكماً للطبقة التي سوَّدتْه، فللدولة آيينُها الخاص (raison d'état) وهو الحياد الإيجابي الذي يمكّن من إنجاز الانضباط والتوازن وإعادة التوزيع وحماية الفئات الأقلّ قدرة وحراكاً. والنظام الفيدرالي الأميركي الذي يقيم توازناً بين سلطات متعددة، لا يتيح للرئيس الآتي من حزب سياسي أن يسيطر وينحاز كما يريد ناخبوه. إنما الذي أخافه كما يخافه بيكيتي قوى السوق غير المنضبطة، والتي قسمت المجتمعات إلى فئتين: صغرى مميزة، وكبرى فقيرة، مثل زمن الثورة الصناعية. أما الطبقة الوسطى التي يتمدح بها الأكثرون في المجتمعات الغربية فتملك وعياً منقسماً بين طموحات الصعود ومخاوف الانخساف وهي ترتاع ولا تصمد في الأزمات! الأستاذ راولز ظلَّ يخشى أن يعطي الدولة مهماتٍ أخلاقية، وقال إن الدولة ليست مسؤولة عن «الخير العام» الذي له الجهات الدينية وجهات المجتمع المدني. إنني أرى أن الدولة كما هي مسؤولة عن العدالة السياسية والاقتصادية، هي مسؤولة أيضاً عن الخير العام. في زمن الثورة الصناعية والتكون الرأسمالي الكبير، وبسبب الظلم الاجتماعي والاقتصادي الهائل، ظهرت الرؤى الماركسية والاشتراكية. لكن ظهر أيضاً من قال، إن روحاً أخلاقية كانت موجودة في التراكم الرأسمالي، وهي التي سماها سومبار وماكس فيبر: أخلاق العمل عند الكالفينيين المتشددين، بمعنى أن هؤلاء اعتبروا العمل الدؤوب والناجح علاقة مباشرة بالله بدلاً من وساطة الكنيسة الكاثوليكية. وكان الجانب الأخلاقي من المسألة إقبال هؤلاء الناجحين في أوروبا وأميركا على دعم جهات الخير العام. ولا تزال هناك آثارٌ لهذه المسألة في المجتمعات البروتستانتية. ولستُ هنا في معرض الدفاع أو الهجوم، لكنني أرى أنه لا يمكن الاعتماد اليوم على أخلاقيات السوق أو رجال الأعمال، أما رجالات الدولة ومؤسساتها فنحن الذين ننتخبهم أو نعينهم، ومن حقنا عليهم أن يتميزوا بأخلاق عملٍ رفيعة ووعي عامٍ كبير، وإن لم يكن بسبب الورع الديني، فبسبب الخوف من العزل أو سوء السمعة!
ظلَّ الأستاذ ستغلتز على هذا الرأي في ضرورة الدولة القوية والأخلاقية من أجل التوازن والانضباط، وتجنب الأزمات التي توقّع أن يُحدثها التفاوت الكبير. في عام 2008 نشر كتاباً عن التريليونات الثلاثة التي أنفقها الأميركيون في غزو العراق، معتبراً ذلك جنوناً من جنون السوق. وفي عام 2010 كتب عن الدروس التي يمكن الاعتبار بها من أزمة عام 2008، والتي رأى أن قوى السوق تغلبت فيها على النظام السياسي، كما تغلبت في غزو العراق. وفي عام 2012 عاد للكتابة عن التكاليف الباهظة لممارسات عدم المساواة. وفي العام الماضي (2019) أخيراً عاد لاتهام قوى السوق المنطلقة بكل المشكلات المتراكمة. أما الرأسمالية التقدمية التي ذكرها في العنوان فقد عنى بها الرأسمالية «الأخلاقية» التي تقنع بالربح المعقول، ولا تخالف القوانين، ولا تقوم بالغش الضريبي!
جوزف ستغلتز ذكر في نصائحه للتعامل مع وباء «كورونا»: ضرورة وجود الدولة الأخلاقية، دولة العدالة وحماية المجتمع والاندفاع باتجاه الخير العام، وقد رأى أن ذلك الأمل ليس وهماً، كما لم يكن مثال العدالة وهماً، رغم عدم تحققه بالكامل!
الشرق الاوسط


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.