المجلس الشعبي الوطني يصادق على تعديل قانون ممارسة الأنشطة التجارية    الجزائر والولايات المتحدة: نحو تعزيز التعاون في مكافحة الإرهاب وترسيخ الاستقرار الإقليمي    تنصيب لجنة متابعة موسم الحج 1447ه/2026م لضمان مرافقة الحجاج    هرمز يخنق الأجواء ووقود الطيران يشتعل    بين الطب الحقيقي والطب البديل    تعزيز التعاون البرلماني بين الجزائر وأذربيجان    لحظة تحوّل في علاقات بلدين عظيمين    دعم مسعى الانتقال إلى جامعة عصرية    سحب 1223 ملف تصريح جماعي للترشح عبر 69 ولاية    هذا تاريخ التبليغ بمحاضر النجاح في مسابقة الأساتذة    تنظيم عملية تسويق الأدوية بالصيدليات    تنديد واسع ب"حائط مبكى جديد" لليهود بمراكش    البنى التحتية واحتياطات الجزائر تمنحها مكانة طاقوية مهمة ومريحة    الصحافة الرياضية شريك أساسي    سعي حثيث لاقتناء المكيّفات الهوائية بتندوف    مسجد "القدس".. تحفة معمارية تسرّ الناظرين    1227 حادث و29 قتيلا في ظرف أسبوع    أناقة بذاكرة تراثية    جون راكيش يشيد بالإمكانات الإبداعية    عنابة تحتفي بسينما الذكاء الاصطناعي    عشتُ وجع "حدة" بصدق    الجزائر تحصد ثلاث ذهبيات    الجزائر تتربع على العرش القاري    كيف سيبدو العالم بعد عشر سنوات؟    تعزيز التعاون التجاري بين الجزائر والولايات المتحدة محور مباحثات رزيق ولاندو    عصرنة قطاع التطهير وتثمين المياه المصفاة: توجه استراتيجي لتعزيز الأمن المائي    تعزيز الحوار الثقافي: تعاون جزائري–فرنسي حول اللقاءات الإفريقية المتوسطية للفكر    تعزيز حماية الملكية الفكرية: توقيع ثلاث اتفاقيات وإطلاق وسم "Copyright Friendly"    حصيلة الحماية المدنية: 32 وفاة و1747 جريحا في حوادث المرور خلال أسبوع    تسريع مشاريع السكك الحديدية والطرق: تعليمات برفع العراقيل لانطلاق خط الجزائر–تمنراست    نحو سيادة صحية شاملة: تعزيز دور الصيدلي في المنظومة الصحية    الشعوب المستعمرة تلجأ للمقاومة بسبب انتهاك حقوقها المشروعة    الدبيبة يشدّد على ضرورة الانتقال إلى "مسارات واقعية"    إيليزي.. ملتقى وطني حول الملكية الفكرية والذكاء الاصطناعي    تحقيق تغطية تفوق 95% في الحملة الوطنية للتلقيح ضد شلل الأطفال بالجزائر    متابعة أشغال ورشة التقييم الذاتي لنظام الأدوية واللقاحات    لانتخاب مجالس بلدية..الفلسطينيون يُدلون بأصواتهم في أول انتخابات بلدية منذ حرب غزة    وزارة الدفاع الإيرانية:الولايات المتحدة تبحث عن سبيل للخروج من مستنقع الحرب    هجوم هولندي جديد على أنيس حاج موسى    قدّم عرضًا فنيًا لافتًا في نصف نهائي دوري أبطال آسيا للنخبة: رياض محرز.. ساحر يفتح شوارع بطل اليابان    تجديد عقد بيتكوفيتش مع "الخضر" يقترب من الحسم    زروقي يترأس اجتماعاً "حاسماً" مع الشركاء الاجتماعيين    ضبط أزيد من 86 كلغ من الكيف المعالج    03 وفيات و 195 جرحا    نقل التجربة الجزائرية في تسيير مراكز "المقاولاتية" إلى النيجر    الدولة تراجع المنظومة القانونية تلبية لتطلعات المواطنين    أسرى فلسطين بين سيف الإعدام وصمت العالم    الخط المنجمي الشرقي يدخل مرحلة الإنجاز المكثف    الكنيست يمرر قانون إعدام الأسرى..؟!    وزير المجاهدين رفقة الوالي وثلة من المجاهدين يعيدون الأمجاد    زكاة الفطر من الألف إلى الياء..    هكذا نستقيم على الطاعة بعد رمضان..    أول ألقاب آيت نوري مع السيتي    التجربة الإسلامية التاريخية بنيت على المفهوم القرآني للعدل    كم يربح رونالدو من تهنئة العيد؟    هكذا نستقيم على الطاعة بعد رمضان..    هكذا كان صحابة رسول الله يحتفون بليلة العمر    ما شعورك وأنت تودع رمضان الكرم؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بناء الأجيال:{عنوان كتاب في عرض البدائل والمعطيات}
نشر في الحوار يوم 27 - 02 - 2018


بقلم: محمد بوكحيل
هذا العنوان لغز يختصر أبعاد مادة كتاب، وفيض أساسي يدفع المستور والمغيب في منظومة التنمية البشرية بوطننا العربي نحو الانبلاج والوضوح بإشارية تارة، وبمشهدية وواقعية تارة أخرى.
ولأن عملية البحث والتقصي في المجالات الإنسانية لا تتوقف لدى مرحلة عمرية معينة أو عند ببلوغ مستوى فكري ما، والثبات عليه، رحت ذات مساء أبحث عن كتاب أتصفحه، وطال بحثي حتى صرت على وشك أن أفقد صبري وأنا أستعرض قائمة الكتب المضافة لمكتبتي، لولا أني صادفته بين تلك الكتب كتابا قصيرا – 245ص. في البداية دار في خلدي أنه من الكتب التجارية ذات العناوين الجذابة، والتي تركب غالباً موجة الإشهاريين، وكدت أتجاوزه لولا تركيز بصري على العنوان القصير المثير الذي تطابق مفهومي له مع ما يغمر حواسي ومشاعري ومعرفتي عن صور الواقع المعيش في منظومة التنمية البشرية في الوطن العربي عامة والتنشئة الاجتماعية في وطني الجزائر على الخصوص. ذلكم هو كتاب "بناء الأجيال"، للدكتور عبد الكريم بكار، وما أن قلبت صفحة الغلاف حتى تبين لي أن الكتاب لا يتمنى انهيار الغرب ولا يشيد بريادة العرب، وتبادرت إلى ذهني مقولة الكاتب الناقد والإعلامي "محمد ناصر السنعوسي الشمري"، عن قراءة السير الذاتية، سيما للمؤلفين من المفكرين والأدباء، إذ يقول: " قراءة السير الذاتية لأعلام الفكر والأدب هي أن تفتح خزائنهم الشخصية وتبحث عن ملابسهم ومقتنياتهم وحكاياتهم، ودلتني الكثير من السير على أصل المعنى الذي أراد إيصاله كاتب ما، لأشعر أنني أمام حياة تجمدت في الزمن".. رحت أتفحص سيرة كاتبنا، فألفيته يسعى إلى تقديم طرح مؤصل ومجدد لمختلف القضايا ذات العلاقة بالحضارة العربية الإسلامية وقضايا النهضة والفكر والتربية والعمل الدعوي في وطننا العربي، ويثير بشكل لبق حقائق أفكار زرعت في نفوس البعض من أبناء الأمة فتظللت الحقيقة بشعارات ممنهجة لئيمة،كبرت وتجذرت مع مرور الزمن، فانهزم بذلك الحق ونامت الضمائر.. كل ذلك من خلال حوالي أربعين كتاباً في هذا المجال، ناهيك عن تزويده للمكتبة الصوتية بأكثر من مائة ساعة صوتية مسجلة، ومقالات رأي في مستجدات الأحداث على الساحة العربية والعالمية نشرها في صحف ومواقع عديدة، فتأثرت بشدة وازداد تعلقي بالكتاب عندما ألفيت الكاتب يختصر في جمل محدودة موضوعاتكبيرة، ويكشفكل فكرة تضغط على العقل، وهذا شيء يستحق مني كقارئ أن أتأمله وأقف عنده كثيرًا.
ومن ذلك وجدت نفسي مضطرا أن أطلع على مقدمة الكتاب التيكانت قصيرة، تتناول بصورة موجزة مكثفة كل ما له صلة بالموضوع العنوان، بعيدة عن الإيغال في الشروحات والنظريات والمصطلحات، فبدا لي كأنه يخاطب سامعا حاضرا أثناء كتابة فقراتها. ولو وضعنا محددات لمسؤوليات التنمية البشرية والمنسوبة إليهم على مستوى الوزارات والإدارة والمشرعين والآباء والمدرسين والأئمة والمرشدين والإعلاميين، لبدا لنا أن بكاءهم على أجيال فقدت توازنها أمر أثار شفقة عبد الكريم بكار على حالهم. والمقاربة بين ومضات فكره ومشاهداتنا للواقع وما يعتريه من بكاء وتصريحات وتناقضات المسؤولين عندنا اليوم، ذكرتني بقول الشاعر ابراهيم طوقان:
كفكف دموعك ليس ينفعك البكاء ولا العويل
وانهض ولا تشك الزمان فما شكا إلا الكسول
واسلك بهمتك السبيل ولا تقل كيف السبيل
ما ضل ذو أمل سعى يوما وحكمته الدليل
كلا ولا خاب امرؤ يوما ومقصده نبيل
ففي مستهل مقدمته نقرأ " فإن زماننا كثير التعقيدكثير التحديات،كما أنه كثير الفرص والمعطيات، وأن كثيرا من الناس يعانون منكثرة انشغال، وغياب وعيهم عن القيم والمفهومات التي تشكل جوهر حياتهم، ويضحى النجاح في لفت انتباههم عملا قيما في حد ذاته…"، فنشعر عندئذ بأنه يلزم نفسه وقارئه بالدعوة لقراءة نقدية للفترة التي نعيشها، وهو ما سيسمح لنا -حسب اعتقادي- ببلورة خط سياسي بديل من أجل تحسين التنشئة الاجتماعية عامة والتنمية البشرية على وجه الخصوص، ويحدد إطار دراساتنا لأزماتنا الاجتماعية، لا من ناحية وصفية فحسب، بل من ناحية تحليلية أيضاً، خاصة أن هاجسنا الأساسي المعلن اليوم يعنى جوهرياً بمسألة بناء الأجيال، بوصفها القضايا الأكثر فاعلية في تشكيل ملامح الأجيال الجديدة. ويضيف " وعلينا أن نبذل ما نستطيع من جهد في سبيل إثارة جماهير العرب المسلمين نحو قضايا التربية والتعليم…ولن نستطيع أن ندرك مدى حاجتنا إلى المدارس الجيدة إلا إذا تصورنا جيلا من غير قراءة، ولا كتابة، وآنذاك لن نرى سوى الأمية وضيق الأفق والسذاجة"، وما هذه الرؤية للكاتب -حسب اعتقادنا- إلا مجرد انعكاس مباشر لواقع مجتمعنا عبر رؤية المفكر، وقد تكون علاقة هذه الرؤية بمآلات القطاعات المهتمة بالتنمية البشرية عندنا أكثر تعقيدا، فعندما نسمع التصريحات والبيانات عن مشاريع تثقيف وتوعية المجتمع وبرامج الثقافة، والمعرفة بألاف، والمردود كالعادة يكاد يكون لا يذكر مع الأسف، ويخطط لفترات طويلة، فينمو الناشئ متماهيا مع كل رواسب مجتمعه غير الفعالة وتطفو مع الوقت علامات ضيق الأفق والانعزالية الثقافية، وكأنها جزء لا يتجزأ من أهداف المجتمع…
لا غرابة في هذا الطرح الذي يدعو إلى الاهتمام بالتعليم، مستدلا على أول كلمة هبط بها جبريل على النبي الكريم صلى الله عليه وسلم،تحث على القراءة، ولتبصير المواطن بالآثار التي تنتج عن الخوض في مسألة رفع سوية التعليم والنظام التربوي، راح الكاتب يقارب في مقدمته بين صورة التقدم والتأخر، فيقول:" فإننا نأخذ بعين الاعتبار أننا نعيش في عالم مفتوح يمور بالتواصل والتأثر والتأثير المتبادل، وأن قيمة ما تقدمه مدارسنا لن تكون مطلقة…وأن بين العالم الصناعي والعالم النامي معادلة تقول: إن أي تقدم يحرزه أبناء الدول الكبرى في أي مجال، يدفع أبناء الشعوب النامية جزاء جزء منه".
لقد استعرض في هذه المقدمة، ملخصا لموضوعات الكتاب والتركيز على ما أوردناه في هذه الفقرة وبمسافاتها المقصود… وقد صاغها حسبما وافق رؤى الواقع المتذبذب وطبيعة العقلية الجمعية لأبناء أمتنا، التي ظلت معششة في الرؤوس ومهيمنة على النفوس على نحو يثير العجب، وهنا وجب القول لا يمكن تنفيذ أي خطة وتحويلها إلى واقع ملموس بجني الجميع فوائده وثماره، ما لم نساهم جميعاً في عملية الإعداد والتنفيذ.
إن أول فكرة لعبد الكريم بكار، والتي أشار إليها في مقدمة الكتاب كما رينا، جمعها قوله: لن ندرك حاجتنا إلى المدارس الجيدة إلا إذا تصورنا جيلا من غير قراءة ولا كتابة.. وقد نافح من خلالها عن فكرة أساسية تؤكد أن مشكلة منظومة التنمية الاجتماعية ليست من داخلها فحسب، ولكنها في المنظومة المعرفية الأعمق، وأن الإطار التصوري القائم في منطقتنا العربية عامة ووطننا الجزائر على الخصوص، ثبت بما لا يدع مجالا للشك عجزه في الواقع العملي الصلب، ولا يمكن تفعيله إلا برؤية نقيضه، أي بالرجوع إلى الأمر الواقع ومقارنته بغيره.
هكذا كانت مقدمة كتاب (بناء الأجيال) للكاتب المهتم بمجالات التربية والقضايا ذات العلاقة بالفكر والحضارة العربية الإسلامية -عبد الكريم بكار- الداعي إلى معرفة الواقع حق المعرفة للتخلص من الأفكار السلبية والعمل على تغييرها بجدية، فيقول: "من المهم أن نوقف التدهور الحاصل الآن، ونقوم بالعمل بجدية على توجيه الناشئة نحو الإقبال على تحقيق سعادة لا تحتاج إلى المال، ولا تدخل المرء في صراع مع الآخرين…"، فأين نحن وأين الوزارات المهتمة بالتنمية البشرية عندنا من هذا الاهتمام في ظل حملة واسعة تشارك فيها كافة الاتجاهات والحساسيات لاحتلال مواقع أمامية في تحديد مجريات الإصلاح التربوي المزعوم على صعيد الشكل والمحتوى، ما جعل المدرسة دائما محل صراع بين أقطاب سياسية وإيديولوجية منذ أكثر من ثلاث عقود، وكل طرف يريد جعل الإصلاح يساير توجهاته وقناعاته الخاصة. إني لا أبرئ أحدا ولا اتهم غيره، فالكل شارك…
ينتقد الكاتب هذا الوضع ويربط تقدم التربية بالتقدم الاجتماعي، فيقول: "من العسير أن تتقدم التربية في المدارس على النحو الذي نريد إذا لم يحدث تقدم اجتماعي عام، فالمعلمون مهما جودوا آداءهم لا يستطيعون بناء الأجيال"، هكذا يركز الدكتور عبد الكريم بكار في المقدمة عن تحديد الأهداف التربوية الحقة والمناهج المأمولة في ظل أوضاع كثيرة التعقيد مغمورة بالتحديات، ومسيجة بالانشغال، وغياب الوعي عن كثير من القيم والمفاهيم التي تشكل جوهر الحياة، لأننا في زمن كلما زادت المعرفة اتسعت منطقة المجهول، وتعاظمت الحاجة إلى المعرفة، والعمل في حقول المعرفة بقدر ما يتيح إمكانات ومجالات جديدة، بقدر ما يولد دوافع جديدة تتطلب تعاون الذين يشيدون قصور الازدهار على أرضية المتاعب، ويمدون جسور الأمل فوق أنهار اليأس..
لا أكون مبالغا إذا قلت، أن الناظر إلى الواقع التربوي في الجزائر اليوم ليرى ما يورث الحزن والأسى، بسبب ما تشهده ساحة التنمية البشرية من تضارب في الأفكار، واختلافات في الرؤى والآراء، وصراعات هامشية جعلت المجتمع فوق صفيح ساخن إن لم نقل على فوهة بركان، وقد سادته أجواء من الغليان والتوتر الحاد، نتيجة تلاعبات شيوخ الفتنة بالمشاعر لإخفاء النقص الحاصل في مجالات التنشئة، وسعيهم الحثيثٌ لمسخ الهوية ومحو الخصوصية، وتخدير الشباب بافتعال المواقف المزيفة، والصور الزائفة التي احتوت على أباطيل ومعلومات خاطئة، بفعل الجهل والكذب المتعمد. مناهج بمنطلقات بالية وأهداف كاتمة تدفع إلى توجيه أصابع الاتهام إلى المربين وحدهم من قبل من رسموا للمجتمع نهجا محفوفا بالمخاطر ملغم يصعب الحياد عنه، وسيظل قائما ما دامت التنشئة عندنا على هذا الوضع، من جهل وفساد، وغياب للقدوة الصالحة… إذا كنا نطمح إلى ضمان الرقيّ لمستقبل الأجيال، وإلى بناء إنسان القرن الواحد والعشرين، علينا أن نطرح على أنفسنا التساؤل الموضوع الذي أتى به الدكتور عبد الكريم بكار، كأول موضوعات كتابه هذا: أي جيل نبني.
بعد الانتهاء من المقدمة التي لخص الكاتب من خلالها الفكرة المقسمة إلى أحد عشر موضوعا مرتبة كما يلي:
1 – أي جيل نبني
2 -مبادئ ومفهومات
3 – قيم أساسية
4 – البيئة التربوية
5 – بناء العقل
6 – جيل يعرف
7 – شخصية المعلم
8 – علاقة المعلم بالطالب
9 – أسلوب التعليم
10 – ثلاثة تحديات أساسية
11 – آفاق التجديد التربوي
تناول خلالها أدق توصيفاته للواقع، مقترحا أهم الخطوات الواجب مراعاتها للتعامل في مجالات التنمية البشرية والتربية والتعليم خاصة، استهلها بطرح تساؤل كبير: أي جيل نبني؟ ليضع أرضية فكرته، فيحصرها في الطموح والاجتهادات، والتواصل والأبحاث العلمية، وهي في الحقيقة لم تكن أمور مخيفة وإنما مسكوت عنها.. فيقول: " هذا السؤال يعد من أكثر الأسئلة مركزية وجوهرية في مقام التربية، حيث أن معرفة المواصفات التي يجب أن تتوفر في الجيل القادم تعد أكبر مساعد لنا على معرفة نوعية الاهتمامات التي سنثيرها في نفوس أبنائنا وطلابنا، ونوعية الأنماط السلوكية نسعى إليها، والأفكار والمعطيات التي نحفزهم على نشرها "، وهو هنا قد بسط الجزء المعقد من الرؤية بإزالة إشكالية التساؤل، ورؤية الجواب في مجموع القيم السياسية والاخلاقية والدينية والجمالية غيّرت السلوكيات بشكل جذري، ووجهت الطاقات نحو أهداف لا تتجاوز المصلحة الفردية، ما أدى إلى تغيير العلاقات بين الأفراد وضمن الجماعات، وأصبحت أسوأ مما كان عليه الحال قبل الإصلاحات.
وانطلاقا من متابعتنا لما يجري في فضاءات التنمية البشرية وفي مدارسنا، ويقيننا منا أن تناول مسألة التنمية وآفاقها في الجزائر ليس بالأمر السهل، ونظرا لتعقيدات الأوضاع يقتضي أن يتم التناول في الإطار السياسي والاقتصادي والاجتماعي أو بالأحرى، كل المسائل ذات الأبعاد الأكثر دقة، تاريخية وجغرافية ودينية وثقافية. وبناء على اعتقادنا الراسخ أن السلطة يمكن أن تستدرك الخطأ وتنهض من أجل الإصلاح عبر الحوار نقول، على الجميع أن يفكر في المخرجات المتوقع تحقيقها عند الإجابة على سؤال (أي جيل نبني)، إذ أن من الخطأ أن يُنظر إلى ظاهرة المكابرة كمفتاح لمستقبل الانسجام، فالجهل عامل خطير يمكن أن يوقف حركة التقدم. لهذا، لابد من تصور جديد، ورسم أفق آخر لمستقبلنا، وهو أمر لن يتأتى دون مد الجسور مع الذين يحملون همنا وتجاوز الخلافات لبناء أمل جديد،كل في مستواه. لقد جرت عادة الناس بالإلحاح على التوافق والانسجام؛ لأنهم يعرفون أن الخلاف يؤدي حتما إلى صراعات مريرة وهذا حق، لكن ما نراه أن كل واحد يطلب من غيره أن يوافقه، وينسجم معه دون أن يعترف بأن عليه أن يطلب من نفسه مثل ذلك الالتزام.
بالإضافة إلى الأنماط السلوكية يضيف كاتبنا، مسألة المنطلقات والأهداف، إذ يقول " ومع أن كل الأسر والمدارس تقوم بالتوجيه وتسعى إلى نوع من النهوض بأبنائها، لكن أولئك الذين ينجحون في مهامهم على النحو المقبول يظلون دائما قليلين، وكثيرا ما يكون غموض ما يريدون الحصول عليه سببا في إخفاقهم.. ولا أعنى بالوضوح هنا المعرفة التامة بالأهداف، وإنما أعني حضور الهدف في الممارسة التربوية اليومية"..
عبر مقدمة وأحد عشر موضوع يحاول الدكتور بكار، في هذا الكتاب- بناء الأجيال- تناول مشكلة التنمية البشرية، وكيف يمكن أن نجدد وعينا بواقعنا وتاريخنا، لنخرج من أزماتنا المتكررة، نحو وعي حضاري. وملخص ملخص ما تشير إليه هذه الموضوعات يؤكد على أن أي مساعٍ في قطاع التعليم،كان ينبغي أن يفتح حولها نقاشا وطنيا لتحسيس المجتمع وإعداده للتقبل والمشاركة، الشيء الذي لم يحصل -حسب علمنا – على أي مستوى مع الأسف.. نقرأها فينطرح علينا السؤال: ماهي الاختلالات التي أفرزتها المدرسة الأساسية كأول مدرسة جزائرية أصيلة؟، أو الاختلالات التي كانت سببا في تركها والدعوة إلى الإصلاح؟.
لا شك بأننا سنسمع رأيين مختلفين لو طرحنا هذا السؤال على مجموعتين من المسؤولين في القطاعات ذات العلاقة بالتنمية البشرية عندنا، إذ ستنقسم كل مجموعة الى شطرين، مجموعة تتعصب لغاياتها، ومجموعة الذين لا يعتريهم الشك بوجود اختلاف في رؤية الآفاق.. لكن الجميع سيقر بأن سوء التنشئة سبب رئيس في تكوين العصيان وفساد الأخلاق، ما يؤكد أن علاقة الناشئ ببيئته هي الأساس في موضوع التربية، والطفل مشروع حياة، والباقي تفاصيل وفروع، ما يبين أن سوء التنشئة أخطر قضايا الفساد التي تواجه الجزائر اليوم. وعن مثل هذا الواقع، يقول الكاتب: "الشكوى من سوء أحوال التعليم هي المفتاح لتحسُّنه، إنها بمثابة الألم الذي يحسّ به المريض، فيندفع في رحلة العلاج، أما النظرة السوداوية لتعليمنا، وجلد الذّات المُحبط المُثبِّط، فهما بمثابة النياحة، لا ترد ميتا، وهب أن ذلك كذلك، أضئ أنت شمعةً ولا تلعنِ الظلام،كما يقولون. لنكن جزءا من الحل، ونحن أهلا لذلك ( إنَّ الله لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم ). ويضيف إن رأيت تقصيرا في مستوى طلبتك العلمي، فاجعله نصب عينيك، ولمْ نفسَكَ، وغير طريقتك‘ ولا تشكُ الزمان فما شكا إلا الكسول. إن وجدت عيبا خلقيا يسري بين طلبتك فاستأصل شأْفته، فالمعلم الحاذق يحرص كلّ الحرص على أن تكون التربية قبل التعليم، وهذا لا يعني بحالٍ من الأحوال سلامة واقعنا التعليمي من القصور، الذي هو بحاجة إلى التقويم أبدا، ولكنّي أقول: عندما تحاط بالسلبية فالإيجابية أن تعمل وتنافح ثم تنتقد بحب وإخلاص، إن يكن في تعليمنا فجوة، فهي بحاجة إلى ردمٍ، لا إلى لطمٍ. يجب أن نمنح أنفسنا وأبناءنا بصيصا من الأمل بغدٍ مشرق، وهو قريب".

ولأنني أحاول جهد طاقتي ألا تجرني هذه القراءة إلى الخوض في كل عنصر من عناصر البيئة المدرسية في حد ذاته، وهو الأمر الذي قد يقع في شبهته غير المتخصصين مثلي … وفضلا عن ذلك، فإن مناقشة المناخ المدرسي ودراسته تفتح الباب على مصراعيه، ما دمنا بصدد إبراز دوره في التنمية البشرية سأعود إلى الرؤية المدرجة في مشروع المدرسة الأساسية المتروك، بحث شبه إضافي خارج حدود القراءة، لنتبين معا أن التنشئة بنية متكاملة قلما شذ عن منطقها عنصر من عناصرها، ثم إن منطق التبصر، فكرا وممارسة، لا يمكن إلا أن يكون جزءا من خلق التنشئة السليمة، هذا الخلق الذي حث عليه الخالق في كتابه الكريم، وطلب من عباده أن يستنبطوا حقائق الأمور، ويستدلوا بالعلامات والإرشادات على النتائج والغايات، بقوله تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} الأنعام: 104، وهذا خلق أصبح عملة نادرة في زماننا، فهل تبصر المعنيون بإصلاح التعليم عندنا في مفهوم التعليم الأساسي الموحد، القائم على توفير الحد الأدنى والأساسي من الاحتياجات التعليمية والمعارف والمهارات للأفراد التي تمكنهم من الاستمرار في التعليم أو التدريب وتهيئتهم مهنيا للالتحاق بسوق العمل، وفقا لميولهم واستعداداتهم وإمكانياتهم، ويقوم على تنمية قدرة الأفراد على مواجهة تحديات وظروف الحاضر "قارن بين مضمون مناهج المدرسة الأساسية وما تعانيه مدارسنا اليوم ".. والاستعداد من أجل المستقبل في إطار التنمية المجتمعية الشاملة؟. لا أعتقد أن التبصر حصل وإلا لما سار الإصلاح في الاتجاه المعاكس، في زمن تاهت فيه البشرية بين متاهات الإرهاب والحروب وانحرفت، وفقد الإنسان الكثير من مبررات الحياة، راحت المشاعر الإنسانية تدفع ثمنا فادحا لهذا الطيش البشري، فقد عم الجفاء جل الفضاءات، وضرب القحط النفوس، وتحجرت القلوب من معاني الرحمة، هكذا يقف د. عبد الكريم بكار في كتابه (بناء الأجيال) برغم منشئه في بيئة متمسكة بالعقيدة الاسلامية، على هذه الظاهرة فيقول:(اليابانيون يؤسسون الشعور بالمسؤولية لدى الأطفال منذ المرحلة الابتدائية، عن طريق جعلهم ينخرطون في أعمال خدمية تعود بالنفع على مدارسهم وعليهم في النهاية، فعند اختتام اليوم الدراسي لا يكتفي الطلاب بكنس الغبار وإزالته وترتيب قاعات الدرس، بل يمسحون الأرضيات والممرات بقطع القماش المبلل.كما أن الطلاب يتناولون وجبة الغداء في المدارس، والنظام السائد هناك يقضي بأن يقوم بعض الطلاب- بحسب الدور- بإنزال الوجبات من الشاحنات، ويقوم آخرون بوضعها في الفصل، ويقوم فريق ثالث بإعادة الفصل بعد الغداء إلى سابق عهده، وهم يهدفون من وراء هذا النظام إلى تنمية روح المسؤولية، وتعويد الطلاب على الخدمة الاجتماعية، إلى جانب تعزيز مشاعر الانتماء للمدرسة، مما يجعلهم أقل ميلا إلى التخريب الذي يمارسه بعض الطلاب عادة، إنهم الطلاب هناك يفهمون أن الشعور بالمسؤولية ليس أحاسيس تختلج في النفس، بمقدار ما و أعمال وممارسات ومواقف وردود أفعال.. ).
كلما تعمقنا في قراءتنا لكتاب – بناء الأجيال – الفيناه يؤكد على إثارة اهتمام القارئ نحو قضايا التربية والتعليم، بوصفها القضايا الأكثر فاعلية في تشكيل ملامح الأجيال الجديدة، ويليق مدخلا جيدا إلى قضية التنمية البشرية عامة، والتربية والتعليم بصفة خاصة، فيمكن اعتماه كمقدمة لترسخ الكثير من القيم والمبادئ الأساسية من خلال الإصلاح التعليمي.
ولا شك أن القارئ الكريم سيكتشف مثلما اكشفت الخلل في واقعنا التربوي وأخطاءنا في كيفية التعامل مع الناشئة. ومع تأييدنا لقول الدكتور بكار: "إذا أردنا لجهودنا التعليمية أن تؤتي ثمارها المرجوة، فإن علينا أن نركز على توضيح الأهداف التي نتوخى تحقيقها من وراء تشييد المؤسسات التعليمية المختلفة"، وأخير المجال لا يتسع لقراءة كل موضوعات الكتاب، لذا رأينا ان نترك للقارئ أن يكتشف بنفسه الإجابة عن التساؤلات المطروحة في اليوم على ساحة المدرسة وأسباب هبوط المستوى الذي وصل إليه الحال، من وصف المعلمين بالقراصنة، أو نعت المسؤول بالخيانة، ورمي الطفل بالانحراف.
ماذا لو اكتشفنا أن القصور في مناهجنا، وقد بنى الناس عليها تصوراتهم ومقارباتهم؟، كيف يمكن بناء تنشئة أفراد أصحاء في المجتمعات المهترئة؟!، ما السبل الواجب اتباعها لتأهيل براعم المستقبل على حمل ألوية الغد؟، هل يكون بوضع سياج شائك من الضغوط الاجتماعية وأسوار الفكر المتحجرة حولهم؟!، هل بتجريم المناهج التعليمية التي لم تنشئ نفسها، وهل وهل…؟.
لسنا في حاجة إلى مناورات سياسوية، إنما نخن في حاجة إلى نقاش علمي حضاري، وحوار متمدن صريح مع بعضنا البعض، ومشاركة الجيل الجديد بالاستماع الجاد لمطالبه، بغض النظر عن درجات الاتفاق أو الاختلاف بيننا، فالجيل الصاعد في حاجة إلى من يبث الأمل في صدورهم لأنهم هم مستقبل الأمة ومنقذها، وليس ذلك عن طريق القوة طبعا، أو غض النظر عن التحديات التي تواجهنا.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.