لو سمحت لنا الظروف أن ننتقد الإصلاحات التي تقودها السيدة بن غبريط رمعون مليون ألف مرة لانتقدناها مليون ألف مرة ولن نتوقف عن انتقادها لأن هذه الإصلاحات، في جوهرها، تمس بحاضر الجزائر ومستقبلها. تمس بحاضر أبنائنا ومستقبلهم وتفرض عليهم خيارات بعيدة عن واقعهم وعن قيمهم. وعندما ننتقد، لأنه ترك لنا باب النقد فقط بينما الآخرون يقررون ما يشاؤون وينفذونه دون رادع جمعي يردعهم ولا وازع من ضمير يكف أذاهم، لا يعني أننا نشكك في هذه الإصلاحات وفي جدواها لأننا لسنا من المشككين لمجرد التشكيك ولكن لنا موقف ثابت لا نحيد عنه. ولا يعني مطلقا أننا ضد إصلاح مناهج التعليم، لأن التربية لم يعد لها مقام، وتعديلها كلما تطلب الأمر ذلك لأن الإصلاح يندرج ضمن سنة الحياة وطبيعة التطور. ولا نهدف من وراء انتقادنا للإصلاحات أننا ضد تعزيز الوحدة الوطنية وهي الشماعة التي يرفعها ضدنا البعض وكأننا لسنا من هذه البلاد ولا من اهلها وكأن أجدادنا لم يدفعوا النفس والنفيس دفاعا عنها أو أننا حدنا عن نهج أسلافنا. ولعل ما يدعونا إلى التساؤل حول خلفية هذه الإصلاحات هو تركيزها الدائم والثابت والمستمر على أن هدفها هو محاربة الرداءة وجزأرة مناهج التعليم، وتقدم نسبة لبلوغ ذلك لا تقل عن 80 بالمائة من محتوى المناهج. يعني ذلك ببساطة أن كل الوزراء الذين تعاقبوا على وزارة التربية والتعليم منذ الاستقلال إما أنهم لم يكونوا جزائريين أو أنهم لم يطبقوا مناهج جزائرية وجاءت اليوم السيدة بن غبريط للقيام بذلك بعد نصف قرن من الاستقلال. يعني ذلك أيضا أن الملايين من خريجي المدرسة الجزائرية عبر أكثر من ربع قرن من الزمان، ولعلها واحدة منهم، لم يتلقوا تعليما جزائريا. وكأن البرامج التي درسوا بها كانت مستوردة من مصر أو من العراق أو من سوريا أو من السعودية على سبيل المثال. هذا هو جوهر الموضوع، وهذا هو ما يدفعنا إلى القول إن الخطأ الذي وقع في مادة اللغة العربية خلال بكالوريا 2015 حول نسب قصيدة إلى نزار قباني أو إلى محمود درويش وهما شاعران عربيان كبيران كانت مقصودة ومبرمحة مسبقا ولم تكن عفوية مثلها مثل تسريب مواضيع البكالوريا خلال فترة الدكتور علي بن محمد. نقصد بذلك أن خلفية الاصلاحات تحمل طابعا ايديولوجيا صرفا ولا علاقة لها بمحاربة الرداءة وتحسين مناهج التعليم. وفي هذه الحالة فإن أقلية ساحقة تريد فرض رأيها على أغلبية مسحوقة. هذا هو بيت القصيد. يعني أنه في الوقت الذي تدعو فيه السيدة بن غبريط رمعون إلى استبعاد الأيديولوجيا ووصف منتقديها بالاقلية الأيديولوجية تطبق في واقع الحال أفكار اقلية أيديولوجية تنتسب إليها وتمنع الآخرين من الحديث وحتى التفكير في نقد منهجها. ما يجب توضيحه هنا والتأكيد عليه مرارا وتكرارا أننا لسنا من مناهضي إدخال اللغات الأجنبية في التعليم فهذا لا يقره عاقل، وأنه ليس لدينا أي صراع شخصي مع السيدة بن غبريط رمعون بل بالعكس نحترمها كباقي سيدات الجزائر فما يجمعنا بها هو الجزائر الأرض والوطن والتاريخ وفق مبدإ المواطنة. لكن يفرقنا بالتأكيد، وهذا من حقنا، موقفنا مما يطرح من أفكار وتصورات تستهدف إعادة هندسة الفرد الجزائري بما يخدم تصورات وفضاءات أخرى. ومن هنا فتشخيصنا للأمور التي تهم الجزائر ماضيا وحاضرا ومستقبلا يختلف. فما نأخذه عليها، بوصفها وزيرة للتعليم وليس لسبب آخر، أنها كانت عضوا نشطا في إصلاحات بن زاغو وظلت تتحرك بتلك الصفة وتنشط لتقويم التعليم في الجزائر وفق منظورها بالرغم من أنه لاعلاقة لها لا بالتربية ولا بالتعليم لأنها كما يقال مختصة في علم الإجتماع وكانت مسؤولة عن مركز الأنثروبولوجيا الإجتماعية والثقافية بوهران، وهو مركز يبدو من تسميته أنه مختص في الأبحاث ذات الطابع العرقي. فما علاقة الأبحاث العرقية أو الإثنية بالتربية والتعليم. كما أن معرفتها باللغة العربية التي تدار بها العملية التربوية والتعليمية محدودة، وهي في تدخلاتها تبدو كمن يتهجى. ومن يجهل الشيء يعاديه. ومع ذلك تتهم كل من يعارض توجهاتها بأنه يزرع البلبلة ويمثل أقلية أيديولوجية وافدة... لا علينا لنرى الآن الخلفية التي تنطلق منها السيدة بن غبريط رمعون في إصلاحاتها التي تريد فرضها على عامة الجزائريين، ومن خلال ذلك يستطيع الجزائريون الحكم لنا أو علينا. الخلفية الأساسية التي تنطلق منها السيدة بن غبريط رمعون في عملية الإصلاح تتضمنها الدراسات التي يصدرها مركز الأنثروبولوجيا المذكور أعلاه. ولعل أبرز مثال لتلك الدراسات التي نشرها المركز في المجلة التي يصدرها تحت عنوان إنسانيات، هي الدراسة التي كتبها السيد رمعون، والبعض فسر هذا الإسم بأنه تعريب لكلمة ريمون، تحت عنوان التاريخ الوطني والممارسات السياسية والانتمائية، قراءة في الكتب المدرسية الرسمية المتداولة في المدرسة الجزائرية. يبدو من العنوان أن كاتب المقال حكم تلقائيا على أن كتب التاريخ المدرسية، وسماها المتداولة في المدرسة، تحمل أفكارا سياسية أي تمارس السياسة وتتحدث عن هوية مغايرة للهوية الجزائرية..هذه الدراسة لم تقدم لجهة جزائرية بل قدمت لجهة فرنسية هي جامعة Amiens وذلك خلال ملتقى نظمته الجامعة يومي 17 و 18 مايو 1996. كان موضوع الملتقى هو المدرسة، اللغة، الهويات. فماذا تقول هذه الدراسة؟ الدراسة التي قدمها السيد رمعون لجهة فرنسية تنتهي إلى الخلاصات التالية: أن كتب التاريخ الرسمية في مرحلة التعليم الإبتدائي تهيمن على مضمونها حرب التحرير بمعنى أنها معادية لفرنسا وأنها ل اتعتني بالنخبة الفرنكوفونية التي درست قبل الاستقلال بانعدام نشر صور قادتها عبر كتب التاريخ وعدم التعريف بهم للأجيال الجديدة مقابل نشر صور الشيخ عبد الحميد بن باديس مثلا... وفي كتب تاريخ مرحلة التعليم المتوسط، ونأخذ كمثال السنة الأولى، يشير إلى هيمنة التركيز على العالم العربي الاسلامي أي على المشرق العربي وتخصيص درسين فقط لليونان وروما القديمة مقابل أربعة دروس لشبه الجزيرة العربية أي بدايات الاسلام وانعدام ذكر اليهود أو الفرس في تلك المقررات. وفي كتب مرحلة التعليم الثانوي تعيد الدراسة نفس الملام بالقول إن الجزء الاكبر من مقررات التاريخ مخصصة للعالم العربي الإسلامي بمعدل 28 درسا و8 دروس فقط لأوروبا مع أنه يقر أن مقرر السنة النهائية يخصص 14 درسا للعالم العربي الاسلامي و14 درسا لأوروبا و9 دروس للعالم الثالث. ويصل السيد رمعون إلى نتيجة مفادها أن كتب التاريخ الرسمية الجزائرية تركز على العالم العربي الاسلامي وتجعله هو الجذر الانتمائي الهوياتي في مقابل المجموعات الفضائية الأخرى كأوروبا. أنها تعتبر الاحتلال الروماني، الوندالي، البيزنطي في القديم وجودا غير شرعي خلافا للقرطاجنيين والعرب القادمين لاحقا. وبالتالي فإن الحجم البيداغوجي المخصص في المقررات للعالم العربي والمشرق يجب إعادة النظر فيها لأنها هي سبب انتشار الأيديولوجية العروبية والإسلامية. وأن ذلك يعود حسب الباحث إلى هيمنة العناصر المتكونة في جمعية العلماء المسلمين على التعليم والثقافة وهو ما يجب إعادة النظر فيه. هذه الدراسة وتوصياتها هي الأيديولوجيا بذاتها تزحف على بطنها لتدمير الأخضر واليابس والتي يسعى دعاة الاصلاح لفرضها على الجزائريين في غفلة من الزمن. فلماذا يتهم كل من ينتقد إصلاحات السيدة بن غبريط رمعون بأنه أيديولوحي يمارس السياسة؟بينما دعاة الإصلاح هم الأيديولوجيون الحقيقيون. يجب التأكيد بداية على أن كل الكتب المدرسية المقررة في المنهاج التعليمي الرسمي يصدرها المركز الوطني التربوي، يعني لا تستورد من أي جهات أجنبية ونعني بها هنا عربية لأن العرب صار ينظر إليهم عندنا كأجانب. ثم إن انتقادنا للتوجهات الجديدة في إصلام المنظومة التعليمية، ينطلق من موروثنا التاريخي والإجتماعي والثقافي ومن تاريخ الحركة الوطنية بركنيها الاستقلالي والإصلاحي ونستبعد بقايا دعاة الإندماج وكذا الشيوعيين الجزائريين لأنهم كانوا جزءا لايتجزأ من الحزب الشيوعي الفرنسي. وكانوا في الواقع يدعون إلى نصرة الطبقة العاملة في فرنساوالجزائر وليس لاستقلال الجزائر. انتسابهم للثورة جاء متأخرا بعد أن فاتهم القطار ولكن أفكارهم بقيت هي نفسها لم تتغير حتى يوم الناس هذا. منطلقنا إذن هو بيان الأول من نوفمبر 1954 الذي يمثل خلاصة لنضالات الحركة الوطنية، وهو في الوقت نفسه البيان المؤسس للدولة الجزائرية المعاصرة والمرجعية الرئيسية لها. هذا البيان ينص بعبارة لا لبس فيها ولا غموض عن بناء دولة ديمقراطية اجتماعية في إطار المبادئ الإسلامية، ويدعو إلى بناء دولة ضمن المحيط الطبيعي العربي الإسلامي. هذا هو الفيصل بيننا وبين دعاة إصلاح المنظومة التعليمية ولا شيء غيره، نحن متمسكون برؤيتنا الوطنية، ومن هذا المنطلق نحن نطالب بتكييف أي إصلاحات جديرة بهذا الإسم وفق الرؤية الوطنية الجزائرية ولا شيء غيرها.