عمل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، منذ أن وصل إلى قصر الإليزيه في ماي 2017، على تجسيد فكرة "تهدئة الذاكرة ومصالحتها" بخصوص علاقة فرنسا مع الجزائر، لكنه استبعد تقديم الاعتذار، مفضلا اتخاذ خطوات رمزية لمعالجة ملف تاريخي شائك بين البلدين، بغية تجاوز "صدامات الذاكرة ونزاعاتها"، وعدم البقاء "رهينة الماضي الاستعماري". في يوم 14 فيفري 2017، حدث في الجزائر العاصمة، ما لم يكن مُنتظرا، حين أثار إيمانويل ماكرون جدلًا منقطع النظير في فرنسا، وبشكل مفاجئ، بعد أن أعلن بشجاعة أنّ "الاستعمار جريمة ضد الإنسانية". لقد نقل المرشح الشاب للرئاسيات الفرنسية الخطاب السياسي الفرنسي بخصوص الظاهرة الكولونيالية على إثر هذا التصريح، نقلة راديكالية، فأزاحه عمدًا من "تمجيد الاستعمار" كما برز مع قانون 23 فيفري 2005، نحو تجريم الاستعمار. لقد سطر فهمًا جديدا للتاريخ، وبدا للعيان بشكل جلّي، أنّ عهدا جديدا سوف يبدأ في فرنسا بشأن العلاقة مع "حرب الجزائر" وتاريخ الاستعمار برمته، عقب تصريحات سياسي شاب جاء من خارج النخبة السياسية الفرنسية التقليدية، تمثلت مهمته في تفكيك الأحزاب القديمة في الحكومة وتشكيل حزب وسطي جديد بغية تجاوز التقسيم التقليدي بين اليمين واليسار في السياسة الفرنسية، وجذب الناخبين من كلا الجانبين، ولا مناص من اعتبار أنّ "حرب الجزائر"، ظلت محل جذب سياسي بين مختلف التيارات السياسية الفرنسية.
ظلال الفيلسوف "بول ريكور".. الذاكرة، التاريخ والنسيان
استعاد كثير من المحللين، عقب هذا التصريح، فكرة أنّ الفيلسوف الفرنسي "بول ريكور" الذي رحل سنة 2005، كان قد أسدى الشكر لماكرون الشاب في تقديمه لكتابه الشهير، "الذاكرة والتاريخ والنسيان"، على اعتبار أنّه كان مساعداً مهمًا له في اشتغاله على الكتاب مباشرة قبل عام 2000. حينها مر شكر "ريكور" في الحياة الثقافية الفرنسية بلا أدنى ضجيج، لكن بعد انتخاب ماكرون رئيساً لفرنسا في 14 ماي 2017، ذكر أنه عمل لفترة وجيزة في الجامعة معاوناً لريكور، فبرز الحديث عن التأثير الذي مارسه عليه الفيلسوف الكبير. يعثر قارئ كتاب "الذاكرة والتاريخ والنسيان"، على تصور "ريكور" لفنّ الحكم من منظور رمزي كمسألة من شأنها إدارة عملية إحياء ذكرى مظالم الماضي وتجاوزاته، والتوفيق بين الروايات التاريخية المتنافسة، وتحقيق المصالحة من خلال نوع من المعالجة الجماعية الوطنية تكون تحت إشراف الدولة. وشدّد ريكور على أهمية واجب الذاكرة متمسكا في المقابل بالتمييز الأساسي بين الذاكرة والتّاريخ. إذ يرى أنّ التّاريخ يتغذى من الذاكرة، ولكن له استقلاليته. ويظهر تأثر ماكرون بأستاذه الفيلسوف، في علاقته بأفكار مثل "التوفيق بين الروايات"، و"تجنب الانحياز"، ومسألة تحقيق المصالحة بغية تضميد جراح الماضي القريب الذي ظل يلقي بتأثيراته على الحياة السياسية الفرنسية على مدى سنوات طويلة، ويخلف حساسيات وتطاحنات سياسية، حين يتعلق الأمر بالعلاقة مع الجزائر. وأخذ منه كذلك مسألة تجنب التحيّز ل"الذاكرة الجيدة". كما أخذ منه، وبشكل فلسفي، فكرة أنّ الدولة قادرة على تحرير الأفراد من الاضطهاد، فطبقه على مسألة "الذاكرة" وعلاقة فرنسا بالثورة الجزائرية. كما منحه المفاهيم الأساسية للسياسة القائمة على البحث عن المعنى والمصالحة. وبإعلانه هذا، الذي عكس تصورا جديدا في الفضاء السياسي الفرنسي، بعيدا عن التأثيرات المباشرة ل"حرب الجزائر"، التي ألقت بظلالها على النخبة السياسية الفرنسية منذ الرئيس شارل ديغول، وتعاظمت بشكل كبير مع الاشتراكي فرانسوا متيران، باعتباره طرفا فعالا في سياسة القمع ضد الثورة الجزائرية، إذ سمح عندما كان وزيرا للعدل في وزارة الاشتراكي "غي موليه"، وخلال 16 شهرا، بقطع رؤوس وطنيين جزائريين، أثار إيمانويل ماكرون جدلا حادا في فرنسا، فبرز تصور مختلف في رؤية فرنسا لحروبها الاستعمارية. كان ذلك بمثابة إعلان أجّج المشاعر، فانتشر الرفض بين العديد من "الأقدام السوداء" و"الحركى" الذين خدموا الاستعمار، وكذلك بين العديد من المجندين السابقين الذين تم استدعاؤهم كجنود خلال "حرب الجزائر"، ظلوا متمسكين بفكرة "تمجيد الاستعمار" بعد سنوات طويلة من "الرغبة في النسيان" وعدم تناول ماضيهم العسكري في الجزائر، لكونه ارتبط بتجاوزات غير إنسانية. لقد كان لهذه الجملة تأثير كبير بين معظم المرشحين الآخرين للإليزيه وتشكيلاتهم السياسية، وكذلك من قبل منظمات الأشخاص العائدين من المستعمرة في صيف 1962، أو قدامى المحاربين، بمعنى أنّ ماكرون اتهم الاستعمار على وجه التحديد بارتكاب جرائم ضد الإنسانية أثناء "حرب الجزائر"، ما اعتبروه إما غير مقبول (الجبهة الوطنية على وجه الخصوص، مع معظم الأحزاب الأخرى، التي تحدثت عن "توبة" مؤسفة)، أو متهورة (جريمة ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم)، أو ببساطة خاطئة. فقط، في الواقع، وافق بعض المؤرخين علنًا على تصريح ماكرون، بعد أن كشفوا بدورهم ذلك الوجه اللانساني للظاهرة الاستعمارية. بيد أنّه حين زار الجزائر مرة أخرى، يوم 6 ديسمبر من نفس العام، بصفته رئيسا لفرنسا هذه المرة، لم يقدم الرئيس ماكرون اعترافا ولا اعتذارا رسميا من باريس عن جرائم الاستعمار كما كان ينتظر الطرف الجزائري الذي ظل متمسكا بأربعة ملفات أساسية تخص الفترة الاستعمارية، وهي الأرشيف وجماجم المقاومين والمفقودين وتعويض ضحايا التجارب النووية.
الاعتراف بإقامة "نظام تعذيب"
تطورت الأمور بشكل كبير، إذ أقر الرئيس ماكرون في سبتمبر 2018، وهو يسير على نفس نهج تصورات تصريحه بأن الاستعمار يعتبر جريمة ضد الإنسانية، بمسؤولية بلاده في إقامة "نظام تعذيب" إبان استعمار الجزائر، ودورها في اغتيال المناضل الشيوعي "موريس أودان" من قبل قوات فرقة المظليين العاشرة بقيادة "ماسو"، وقد تحصل على الصلاحيات المطلقة لقمع الفدائيين. لقد أخرج من الذاكرة الفرنسية، التي احتمت بالنسيان لسنوات طويلة، حقائق مرعبة عن تاريخ المستعمرات الفرنسية. وقال الإليزيه في بيان له آنذاك، إن الرئيس إيمانويل ماكرون يعترف رسميا بأن "الدولة الفرنسية سمحت باستخدام التعذيب خلال الحرب في الجزائر". ونقل البيان عن ماكرون قوله "رغم أن مقتل موريس أودان كان فعلا منفردا قام به البعض، إلا أنّ ذلك وقع في إطار نظام قانوني وشرعي.. نظام الاعتقال والاحتجاز". زعزع مثل هذا التصريح، والتصور الذي كشفه "بول تيتغن" خلال معركة الجزائر، الاعتقاد الفرنسي الذي راج عقب نشر مذكرات السفاح "بول أوساريس"، في أنّ الجرائم والتجاوزات الاستعمارية ارتكبت بشكل فردي، يتحمل مسؤوليتها بعض الأفراد، وليس النظام الاستعماري برمته. وقدم ماكرون اعتذاره لأرملة المناضل موريس أودان الذي ناضل في صفوف الثورة الجزائرية، واعتقله جنود فرنسيون وعُذب حتى الموت عام 1957، حيث زارها عقب صدور بيان الرئاسة الفرنسية في منزلها ليقدم اعتذار الدولة الفرنسية لها، وهو ما اعتبره البعض أول خطوة رسمية تجاه اعتراف فرنسا بالفظائع التي ارتكبت إبان حقبة الاستعمار للجزائر. وجاء في نص بيان الرئاسة "باسم الجمهورية الفرنسية، نعترف بأن موريس أودان تعرض للتعذيب ثم الإعدام، أو التعذيب حتى الموت من قبل جنود (فرنسيين) اعتقلوه من منزله". وفي تصريح لجريدة "لوموند" الفرنسية، قال المؤرخ الفرنسي بنيامين ستورا بخصوص هذه المسألة، إن "تصريح ماكرون يدخل في إطار الاعترافات التاريخية لفرنسا مثل اعتراف الرئيس السابق جاك شيراك بمسؤولية بلاده في قضية مداهمة فال ديف" التي استهدفت اليهود الفرنسيين في العام 1942. ومن جهتها قالت المؤرخة رفاييل برانش: "الآن لن يكون ممكنا إنكار استخدام التعذيب خلال حرب الجزائر". بيد أنّ "مارين لوبان" اعتبرت أن خطوة ماكرون تجاه أودان سوف تحدث انقسامات في أوساط الفرنسيين. لكن الرئيس ماكرون، أصر على اعتبار الاعتراف بالجريمة، كخطوة نحو التهدئة على مستوى الذاكرة.
الهولوكوست... ضجة أخرى
وفي جانفي 2020، أثار إعلان إيمانويل ماكرون، بشأن رؤيته لمعالجة مسألة التاريخ الاستعماري الفرنسي، مرة أخرى ضجة واسعة. ففي مقابلة أجريت معه، على متن الطائرة التي أعادته إلى باريس من زيارة للكيان الصهيوني، حيث حضر الاحتفال بالذكرى 75 ل"المحرقة النازية" (الهولوكوست) كشف للصحفيين الفرنسيين، وهو يوضح رؤيته للتاريخ ويعرب عن رغبته في استئناف "عمل الذاكرة"، عن قناعته بأنّ على فرنسا أن تعيد النظر في ذكرى "حرب الجزائر"، "لوضع حدٍ لصراع الذاكرة الذي يعقد الأمور داخل فرنسا". وأضاف "أنا واضح جدا بشأن التحديات التي تواجهني كرئيس من منظور الذاكرة، وهي تحديات سياسية. حرب الجزائر هي بلا شك أكثرها دراماتيكية.. أنا أعرف هذا الأمر منذ حملتي الرئاسية.. وهو تحد ماثل أمامنا ويتمتع بالأهمية نفسها التي كان ينظر بها شيراك عام 1995 لمسألة المحرقة (الهولوكوست) النازية". وردا على تصريحات ماكرون آنذاك، قالت رئيسة حزب "التجمع الوطني" اليميني المتطرف، مارين لوبان، إن "مقارنة المحرقة بحرب الجزائر أمر فاحش.. ماكرون في قمة الانحراف". أما زعيم النواب عن حزب "الجمهوريون" اليميني، "برونو غيتايو"، فقال إن تصريحات ماكرون "وقاحة.. فبعد وصفه الاستعمار الفرنسي للجزائر بأنه جريمة ضد الإنسانية ها هو يشبه ويخلط بين حرب الجزائر وأسوأ مجزرة في تاريخ الإنسانية". أكدت هذه التصريحات أنّ اليمين الفرنسي، باعتباره وعاء انتخابيا مهمًا، والمدعوم بقدماء "الأقدام السوداء" و"المحاربين القدامى"، ومن يسميهم المؤرخ "آلان روسيو" ب "المُصابين بنوستالجيا الجزائر الفرنسية" من قدماء منظمة "أو.آ.آس" الإرهابية، لن يتقاسم معه أبدا نفس النظرة بشأن تاريخ المستعمرات. وأضاف "غيتايو": "إنها إساءة مزدوجة، للجنود الفرنسيين الذين قاتلوا في شمال إفريقيا فأضحوا، بسبب هذه التصريحات، يشبهون جلادين من أبشع صنف، ولضحايا المحرقة لأنّ هذه المقارنة التي لا يقبلها أحد تهوّن من مستوى الوحشية التي اتسمت بها المحرقة النازية". ومن جهته، اعتبر زعيم النواب الجمهوريين في مجلس الشيوخ (يمين) "برونو روتايو" في تصريح لصحيفة "لوفيغارو"، أنّ "هذا غير لائق. فبعد اعتباره الاستعمار جريمة ضد الإنسانية، صار يخلط بين حرب الجزائر وأفظع إبادة في التاريخ البشري". وأدان روتايو "الإهانة المزدوجة" في حق "الجنود الفرنسيين الذين حاربوا في شمال إفريقيا وتمت مقارنتهم بأسوأ الجلادين" وفي حق "ضحايا المحرقة النازية لأن هذا التشبيه غير المقبول يقلل من أهوالها". من جهته، كتب النائب في البرلمان الأوروبي عن حزب الجمهوريين فرانسوا كزافيي بيلامي على "تويتر" إن تصريحات ماكرون "غير لائقة تماما. هذه التصريحات في الآن ذاته حماقة في حق التاريخ والذاكرة وقنبلة موقوتة (تهدد) مستقبلنا". وكان "ماكرون" يشير إلى لفتة الرئيس الفرنسي الراحل "جاك شيراك"، الذي كان أول رئيس فرنسي يعترف رسميًا بمسؤولية الدولة الفرنسية في ترحيل عشرات الآلاف من يهود فرنسا خلال الحرب العالمية الثانية نحو معتقل "أوشفيتز" للإبادة. وبعد هذا التصريح بخمسة أشهر، أعلنت الرئاسة الفرنسية عقب استعادة الجزائر لجماجم شهداء المقاومة الشعبية التي كانت محفوظة بمتحف الإنسان بباريس، عن "التوفيق بين ذاكرتي الشعبين الفرنسي والجزائري"، وعملا بتعهد التزم به الرئيس ماكرون إثر زيارته للجزائر في ديسمبر 2017.
تقرير بنيامين ستورا.. مزيد من التهدئة
إذا كانت الاضطرابات التي خلفتها "حرب الجزائر" على المستوى السياسي في فرنسا ظلت مستمرة، منذ أن أدت إلى زوال الجمهورية الرابعة، وقيام الجمهورية الخامسة سنة 1958، إضافة إلى الانقسامات التي حصلت على مستوى النخب السياسية بين معارض لمنطق الحرب، وبين من كان يدعو إلى وضع حد للظاهرة الكولونيالية، فإن الآثار النفسية ما تزال تلقي بظلالها إلى اليوم بعد مرور ستين عاما عن نهاية "الحرب". ويكفي قراءة كتاب "كلود جوان" الصادر عن منشورات "روبير لافون" سنة 2012، بعنوان "جنود مارسوا التعذيب.. حرب الجزائر شبان عاديون في مواجهة غير المسموح به"، لفهم حجم هذه الآثار النفسية، ثقلها المستمر. وضمن سياق "تهدئة الذاكرة"، طلب الرئيس ماكرون من المؤرخ بنيامين ستورا، إعداد تقرير حول "الاستعمار وحرب الجزائر (1954-1962)" يقدم من خلاله مقترحات ترمي لإخراج العلاقة بين باريسوالجزائر من الشلل الذي تسببه قضايا الذاكرة العالقة، وسعيا منه لتجسيد تصوراته، بخصوص العلاقة مع الذاكرة والتّاريخ، والوصول إلى "تهدئة الذاكرة" التي ظلت تراوده. وذكر ستورا، في تقرير سلمه للرئيس ماكرون في جانفي 2021، في الفصل المعنون ب"الجزائر، النسيان المستحيل"، أن "تمثيل الماضي في فرنسا ليس عملا عاديا، حين يتعلق الأمر ب"حرب الجزائر". فذلك مرتبط حسبه بعدة أشخاص تعرضوا للصدمة من جراء مشاركتهم في هذه الحرب. وتزداد حدة تلك الصدمة حين تدخل هذه التمثيلات في تناقض مع الخطاب الرسمي. ما يخلق حالة من الضبابية، حيث يصبح الماضي أكثر إيلاما وتشويشا وحساسية. وعليه، يمكن القول إنّ هذا الماضي، وهو لا يزال مرتبطا بالذاكرة، وليس بالتاريخ، هو الذي يملي مواقف سياسية تثير كثيرا من ردود الفعل هنا وهناك. عادت تأثيرات وظلال الفيلسوف بول ريكور مع ستورا ضمن تقريره، إذ طرح السؤال التالي: "ماذا يجب أن نفعل بكل آثار الحرب التي لا تزال تسكن الذاكرة وتطاردها؟ فأوضح أنه بعد ستين سنة من انتهاء هذه "الحرب" التي أخذت منذ البداية شكلا تراجيديا باسم "أحداث الجزائر"، وفق تصور الطرف الفرنسي، ما يزال التاريخ بمثابة حقل تنتج عنه آلام كثيرة، ورغبة في النسيان. فيما أصبحت أطياف كثيرة من المجتمع الفرنسي تعيش حسب ستورا في حنين للماضي مرتبط بتصورات "الجزائر الفرنسية"، التي أصبحت تظهر بعد 1962 بمثابة البلد المفقود أو "أتلانتيد الغارقة"، على حد تعبيره. جاء في تقرير ستورا أنه: "يوجد لدى الجانب الفرنسي رغبة في دفن معارك لم تكن مشرفة، وشباب يعتقد أنه تم اقتلاعه من أرضه. هذا التاريخ ظل لسنوات طويلة متروكا في مياه النسيان الجامدة، ثم علق في فخ الذكريات الفردية والجماعات التشاركية التي تنتمي لذاكرة جماعية واحدة". وتابع: "بالنسبة للجماعات الكبرى التي تحمل هذه الذاكرة والتي تتكون من الجنود، والأقدام السوداء، والحركى.. الخ، لا يتمثل الرهان بالنسبة لها في محاولة فهم ما جرى، قبل 1962، بقدر ما يتمثل في البحث عن صواب المواقف التي تم اتخاذها في الماضي". ويفهم من خلال هذه الملاحظة أنّ الذاكرة أصبحت ملجأ لتبرير المواقف. إنّ "حرب الجزائر" ما تزال تُقرأ في المجتمع الفرنسي، وفق ما جاء في التقرير "كصفحة مؤلمة في التاريخ الفرنسي الحديث". زيادة على أنه لا يوجد إحياء توافقي لذكرى نهاية هذه "الحرب" التي استمرت سبع سنوات، دون أن تتجرأ أبدًا على ذكر اسمها، فظلت مجرد "أحداث"، في إشارة إلى التعبير الذي استخدمه وزير الداخلية فرانسوا متيران حين زار الجزائر سنة 1954. وتحدث ستورا في تقريره، وهو يصف علاقة المجتمع الفرنسي ب"حرب الجزائر"، عن مظاهر الصمت والتخلي والتعتيم المقصود التي انتشرت بعد 1962، وهو ما أدى إلى بروز مزيد من العُقد، والعلاقات المضطربة مع "حرب الجزائر"، وكل المظاهر التي تندرج ضمن صراعات الذاكرة، فالبحث الجامعي مثلا ظل محدودا وغير ذي شأن لعدة عقود. فباستثناء هذه الأعمال القليلة، شهدت فرنسا حسب ستورا فقرا كبيرا في إنتاج المعرفة الأكاديمية عن الجزائر، بينما انتشرت بشكل كبير كتب حول الشهادات التي تروي من زاوية ذاتية حجم المعاناة الفردية على أرض الجزائر. ففي مقابل محدودية البحث التاريخي، انتشرت مؤلفات تغذي الذاكرة وتؤججها كتبها فاعلون تاريخيون في "حرب الجزائر". ويركز تقرير ستورا على فكرة أنّ الانتشار الواسع للذاكرة، على حساب البحث التاريخي، هو الذي يبقي آلام "الحرب" قائمة ومستمرة، وهو ما أدى إلى تكوين "زبانية سياسية في فرنسا"، همها تأجيج الذاكرة للحصول على منافع سياسية. والحقيقة، أنه منذ 1991 اكتسب الذين ارتبطوا بالجزائر في السابق اعتقادا راسخا بأنّهم كانوا على حق خلال الحقبة الاستعمارية، وأنّ أفعالهم كلها كانت صائبة، فلم يعد أمر تقديم الاعتذار أو التوبة واردا. من هذا المنطلق، سوف يعتبرون خطوات الرئيس ماكرون بمثابة خطوات صادمة لهم.
تجسيد مقترحات "ستورا"
في مارس 2021، بدأ الرئيس ماكرون يعمل على تجسيد بعض الأفكار التي وردت في تقرير "ستورا"، فاعترف بأن الشهيد علي بومنجل، الذي اغتيل في 23 مارس 1957، قد "تعرض للتعذيب والقتل" على أيدي الجيش الفرنسي خلال "حرب الجزائر"، وأنه لم ينتحر كما حاولت باريس التغطية على الجريمة في حينه. وقال الإليزيه في بيان، إنّ ماكرون أدلى بنفسه بهذا الاعتراف "باسم فرنسا" وأمام أحفاد بومنجل الذين استقبلهم. وجاء في البيان، أن بومنجل "اعتقله الجيش الفرنسي في خضم معركة الجزائر ووُضع في الحبس الانفرادي وتعرض للتعذيب ثم قُتل في 23 مارس 1957". وبذلك أصبح إيمانويل ماكرون أول رئيس فرنسي ولد بعد 1962، يعترف "باسم فرنسا" بأنّ الشهيد علي بومنجل قُتل على أيدي الجيش الفرنسي خلال حرب الجزائر في 1957، في بادرة تهدئة أوصى بها تقرير المؤرخ ستورا حول مصالحة الذاكرة بين البلدين. ولفت البيان إلى أنّ ماكرون "أبلغهم أيضا باستعداده لمواصلة العمل الذي بدأ منذ سنوات عديدة لجمع الشهادات وتشجيع عمل المؤرخين من خلال فتح الأرشيف". وفي أكتوبر 2021، استمر الرئيس ماكرون في تجسيد مقترحات "ستورا"، فقام بإدانة "جرائم لا مبرر لها بالنسبة إلى الجمهورية" خلال مشاركته في مراسم إحياء الذكرى الستين لاغتيال متظاهرين جزائريين في 17 أكتوبر 1961. وهي المرة الأولى التي يتوجه فيها رئيس فرنسي إلى مكان المجزرة التي يقدر المؤرخون عدد ضحاياها بما لا يقل عن المئات، في حين اكتفت الحصيلة الرسمية الفرنسية بالإشارة إلى ثلاثة قتلى. وقال بيان للإليزيه إن رئيس الدولة "أقر بالوقائع، إن الجرائم التي ارتكبت تلك الليلة تحت سلطة موريس بابون (قائد شرطة باريس يومها) لا مبرر لها بالنسبة إلى الجمهورية"، فتجاوز ماكرون ما أقر به سلفه "فرانسوا هولاند" عام 2012 حين تحدث عن "قمع دموي". وفي ديسمبر 2021، في إطار سياسته الرامية "للمصالحة بين الذاكرات"، وتناول مسألة التاريخ "وجها لوجه"، أعلن عن رفع السرية عن أرشيف "حرب الجزائر"، قبل خمسة عشر عاما من الموعد المقرر سابقا، واعتبر خطوته بمثابة "جزء من عمل عميق لكشف حقائق تاريخية ضرورية والاعتراف بجميع مكونات ذاكرتنا". لقد أدرك الرئيس ماكرون أنّ مسألة المرور من الذاكرة نحو التاريخ، بخصوص العلاقة مع الجزائر، وتجاوز ذاتية الشهادة، وتفضيلات الذاكرة، ونزعتها الانتقائية، تمر حتمًا من ضرورة الاعتراف بالحقيقة، لكن هذا لا يعني بالنسبة له "إعادة كتابة التاريخ أو إعادة اختراعه"، والتفريط في اعترافه بدور "الحركى"، ويبدو أنّه لا يريد كتابة تاريخ حقيقي لاستعمار قام على الإبادة كما يراه الجزائريون الرافضون لأي نظرة انتقائية للتاريخ، ولعدم الاكتفاء بفتح أرشيف دون آخر، وأكثر من هذا فهم متمسكون بفكرة تقديم الاعتذار، أن هول المجازر التي ارتكبتها الكولونيالية لا يمكن نسيانها.