أجمع خبراء، على أن إطلاق الجزائر للاستراتيجية الوطنية لأمن الأنظمة المعلوماتية، يعكس البعد الاستشرافي الذي تحظى به هذه المبادرة، باعتبار أن الفضاء السيبراني أصبح مجال اشتباك حقيقي لا يقل حساسية عن المجالات البرية أو الجوية، فضلا عن مواجهة مختلف التهديدات عبر استباق المواقف، وتحديد النّقائص في مواجهة التحديات التكنولوجية في الميدان المعلوماتي والرقمي. أوضح الخبير في الشؤون الأمنية، أحمد ميزاب، أن الاستراتيجية التي تقودها وزارة الدفاع الوطني عبر وكالة الأنظمة المعلوماتية، تحمل ثلاث دلالات مركزية وهي انتقال الجزائر من منطق الحماية التقنية إلى منطق الردع السيبراني، حيث أن الدولة لم تعد تكتفي بتأمين الشبكات، بل تعمل على بناء قدرة وطنية على الكشف المبكر، الاحتواء، والتعافي السريع من الهجمات. أما الدلالة الثانية فتتمثل في تكريس مفهوم السيادة الرقمية كجزء لا يتجزأ من السيادة الوطنية، حيث أن حماية البيانات السيادية والبنى التحتية الحسّاسة أصبح اليوم خط الدفاع الأول ضد محاولات الاختراق والتجسّس والضغط الجيوسياسي، في حين تركز الدلالة الثالثة على مواكبة التحوّل الرقمي المتسارع داخل مؤسسات الدولة، إذ كلما توسعت الرقمنة ارتفع سطح التهديد والاستراتيجية جاءت لضبط هذه المعادلة عبر تسريع التحوّل الرقمي مع بناء درع سيبراني مواز. وأضاف أن أهمية الخطوة تتضاعف في ظل بيئة إقليمية ودولية تشهد تصاعد الهجمات المدعومة من بعض الدول، واستهداف متزايد للمنشآت الحيوية الأمر الذي يجعل الفضاء السيبراني بمثابة أداة تأثير استراتيجي تستخدم لشل الخدمات العمومية وإرباك مراكز القرار. كما أوضح أن معيار النّجاح سيبقى عمليا كون الحسم سيكون عبر سرعة تنزيل النصوص التطبيقية، التزام المؤسسات العمومية بمعايير الأمن السيبراني وبناء كتلة من الكفاءات الوطنية، وكذا توفير تمويل مستدام وفعالية التنسيق بين المدني والعسكري. وأشار إلى أنه من خلال تثبيت هذه المرتكزات فإن الجزائر تملك فرصة واقعية للانتقال من وضعية التحصين الدفاعي إلى وضعية المناعة السيبرانية الفاعلة خلال السنوات القليلة القادمة. من جهته وصف الخبير في العلوم السياسية والعلاقات الدولية الدكتور وديع مخلوف، إطلاق الجزائر للاستراتيجية الوطنية لأمن الأنظمة المعلوماتية، بالتطور النّوعي في الرؤية الاستراتيجية الجزائرية للاعتماد على الرقمنة في التسيير والإدارة في نشاط مختلف المرافق العامة قصد تسهيل حياة المواطنين، فضلا عن إنعاش الاقتصاد الوطني. وأضاف أن الاعتماد على مقاربة وطنية يندرج أيضا في إطار مواجهة مختلف التهديدات المرتبطة بالبعد الرقمي، وتأمين الأنظمة المعلوماتية من خلال الاعتماد على استباق المواقف في قراءة واستشراف التهديدات والتي تمر عبر تحديد النّقائص في مواجهة التحديات التكنولوجية في الميدان المعلوماتي والرقمي. ويرى الخبير، أنه من خلال وثيقة الاستراتيجية الوطنية لأمن الأنظمة المعلوماتية، يبرز الحرص على ترقية البعد الرقمي في الجزائر كخيار استراتيجي، والذي يحتم الاعتماد على أبعاد أمنية متعلقة بحمايته من مختلف التهديدات مهما تعددت، حيث اعتمدت الجزائر في هذا الصدد على العديد من الأبعاد ضمن خطة وطنية تشمل الأبعاد التعريفية، القراءات والتقييمات الميدانية والأطر القانونية والتنظيمية للاستراتيجية الوطنية لحماية الأنظمة المعلوماتية، وأخيرا العمل ضمن التعاون الدولي والوطني والذي يشكل لبنة أساسية في السياسة الجزائرية على المستوى المحلي والدولي في مواجهة التهديدات الرقمية والملفّات المرتبطة بها ذات الاهتمام المشترك.