نظم المتحف العمومي الوطني للزخرفة والمنمنمات بقصر "مصطفى باشا"، أول أمس، محاضرة للباحثة بن مصباح مليكة، بعنوان "مظاهر التغذية في الجزائر من الفترة الإسلامية حتى نهاية الفترة العثمانية"، في إطار إحياء اليوم العالمي للمرأة. أشارت المتدخلة، إلى أن التغذية تمثل ظاهرة ثقافية واجتماعية، فطعام الإنسان يحمل شهادة على مكانته الاجتماعية وعلى الحضارة والثقافة المحيطة به، والملفت للانتباه، أن تطور التغذية يتميز بالبطء، ويظهر المغرب الأوسط مرتبطا بالنظام الغذائي المتوسطي ذي المرجعيات الثقافية المتعددة، كما أن تحضير الأطعمة واستهلاكها تأثر بالحروب والهجرات. زراعة مرافق لتاريخ الجزائر توقفت المحاضرة عند التغذية في المغرب الأوسط في الفترة الإسلامية، مستعرضة جانب "الحبوب"، مؤكدة أنه يكاد يجمع الرحالة الجغرافيون الذين زاروا المغرب الأوسط (الجزائر)، على اتساع زراعة الحنطة والشعير، لأنها المصدر الرئيسي لغذاء الأهالي، مضيفة بالقول "أفادتنا النصوص ببعض المعطيات حول مناطق زراعتها، وأحيانا مستوى الإنتاج فيها، مثل بونة، برشك، شرشال، بجاية، قسنطينة، تاهرت، سكيكدة، تلمسان." ويطحن أغلب سكان البوادي حبوبهم في أرحاء يدوية ومائية، وفي المدن تنتشر الطواحين المائية اعتمادا على الخبرة الأندلسية في هذا المجال، وقد ذكرت النصوص هذه الأرحاء في مليانة، متيجة ومستغانم. في سياق عرضها، قالت الأستاذة بن مصباح، إنه صنع من طحين الحبوب، الخبز المادة الغذائية الرئيسية عند سكان البوادي والحواضر على السواء، وأرقى أنواعه الخبز الأبيض الذي تنزع منه النخالة، كما خضع الخبز ووزنه في الأفران والأسواق لمراقبة المحتسب، وهو موظف تعينه الدولة لمراقبة الأسعار والموازين وجودة السلع ومنع الغش والاحتكار. ومن الأطعمة الأخرى التي أساسها الحبوب؛ الدشيش أو الفريك، الذي غالبا ما يطهى باللحم ليصنع منه الحساء، وكذلك الكسكس وهو الغذاء الرئيسي في بلاد المغرب، والعصيدة التي تحضر بغلي الماء وإضافة دقيق الحنطة الرفيع، وعند النضج، يضاف له السمن أو الزيت، و«البسيسة" التي تحضر بالحنطة المحمصة مع العسل والسمن، ثم يوضع الخليط على النار حتى النضج، وتؤكل مع اللبن. هناك أيضا "المقروض"، كان متداولا في الأندلس وفي تونس وفي الشرق الجزائري، ويعرف في بجاية باسم "الخشكلات"، يحضر من سميد خشن يضاف إليه السمن، ويفتل باليدين على شكل قضبان، ويحشى تمرا أو لوزا، ثم يقطع على شكل معينات ويقلى في الزيت، ويغطس في العسل، وقد قال ابن أبي دينار في المقروض؛ "فما يستعملونه في أيام العيد من الحلاوات والأطعمة، التي لا توجد إلا في الحصرة، المقروض الذي يتفاخرون به، وهو مشهور لا يحتاج إلى تعريف، وليس بعده شيء، حتى أني التقيت بمن يأكله في الحضرة، فأعجبه غاية الإعجاب، فقال لمن في بيته المقروض، كيف ينام الليل، ومازال في تحضير المقروض في الجزائر باقيا إلى يومنا هذا، حتى أن في قسنطينة، يقال بيت دون مقروض ليس بيتا، ويسمى سلطان السني". غلات وخيرات من أرض الجزائر أسهبت المحاضرة في الحديث عن الكثير من الأطعمة والغلال وغيرها، وأشارت إلى أن تركيبات الأطعمة، خاصة في العصر الموحدي، تميزت بالتنوع والوحدة، نتيجة خضوع كل بلاد المغرب والأندلس لسلطة واحدة، غير أن ظهور الموحدين في بلاد المغرب، لم يكن عاملا رئيسيا في إدخال تقاليد جديدة على فن الطبخ المغاربي، نظرا للبيئة التي ينتمون إليها، وإنما عملوا على إظهار الإرث الحضاري الذي كان متواجدا في المناطق التابعة لدولتهم، كالمغرب الأدنى والمغرب الأوسط والمغرب الأقصى والأندلس، بالتالي أصبحت كل التركيبات الغذائية شائعة ومتداولة في مختلف المدن المغاربية، فوجدت مجموعة من التركيبات التي كانت تهيأ في تونسوبجايةوقسنطينة ومراكش وفاس وأبلة وقرطية وإشبيلة. كما استعرضت المحاضرة، التغذية في المغرب الأوسط بعد مجيء الأندلسيين، بعد سقوط غرناطة سنة 1492، حيث اكتسب الأندلسيون خبرة ودراية ومهارة كبيرة في الزراعة من بلادهم الأصلية، واستغلوها في موطنهم الجديد، وتوجه أهل الأرياف والبادية إلى المناطق التي تكثر فيها الفلاحة، فزرعوا مساحات كبيرة من الأراضي بنواحي متيجة، وأصبحت سهولها، بفضل مهارة فلاحي بلنسية وأراغون، تشتهر بزراعة الأشجار المثمرة، وغدت فحوص متن الجزائروالبليدة والقليعة وشرشال، أشبه بنواحي غرناطة وبلنسية، كما أقدم الأندلسيون على زراعة واستصلاح أراضي شاسعة في شرق وغرب الجزائر، كعنابة ووهران ومستغانم وتلمسان. أهل الأندلس استوطنوا بحضارتهم اهتم الأندلسيون بزراعة الذرة، أما في مليانة، فقد ساهموا في زراعة الأرز، إذ قدر محصوله ما بين 5 و6 آلاف قنطار، وكان يسد حاجات البلد ويغنى عن استيراده من مصر. كما أدخل الأندلسيون أنواعا كثيرة من الخضر، قد تكون غير معروفة أو شائعة أو منتشرة بكثرة، قبل مجيئهم، كالفلفل والطماطم والبطاطس التي استقدمها الإسبان من العالم الجديد، بعد اكتشاف أمريكا، وجلبها الأندلسيون معهم إلى الجزائر، إلى جانب الفاصولياء الخضراء، والباذنجان الذي استمد تسميته من مقاطعة أندلسية باذنجال، والسبانخ والقرنون والخرشف والجلبان والكرنب. نجح الأندلسيون أيضا في توسيع وتحسين أنواع كثيرة من أشجار الفواكه، التي كانت تعاني الإهمال من طرف الأهالي، كالحمضيات مثل البرتقال والليمون، وأدخلوا اللارنج والسفرجل في البليدة، والتين بنواحي متيجة، والتوت الأبيض والأسود بالقليعة وشرشال، كما اهتم الأندلسيون بزراعة العنب بنواحي مدينة الجزائر، بعد أن انحطت نوعيته وكادت تختفي تماما، إلى جانب أنواع أخرى من أشجار الفواكه، كالمشمش والإجاص وحب الملوك واللوز والجوز، كما غرس رجل أندلسي يدعى مصطفى فردناش، قدم من تونس واستقر في عنابة، أكثر من ثلاثين ألف شجرة زيتون. فيما يخص نباتات الزينة، فقد تميزت بالتنوع الشديد، وتتكون من أزهار مختلفة، كالياسمين والنسرين والأقحوان، فضلا عن كميات كبيرة من الورد بعد تقطيره. عمل الأندلسيون على توحيد وتنويع الكثير من التركيبات الغذائية، وقد تعزز فن الطبخ المغاربي بألوان أندلسية، وحدت بين جميع مدنه، وأصبح يشكل إرثا من تونس إلى الأندلس، وقد ساهمت المرأة الأندلسية مساهمة كبيرة وفعالة في نقل هذا الإرث. ظلت بعض الأكلات والحلويات محتفظة بطريقة تحضيرها، وبتسميتها القديمة، في حين تغيرت نوعا ما مكونات بعض الأكلات وبعض أسماء الطبخات، وعُوضت بأسماء محلية، وتميز الطبخ في الأندلس باستعمال الزعفران، لإضفاء نكهة ورائحة زكية في الطعام، لذا وسع الأندلسيون غرسه في الجزائر. استعمل الأندلسيون البيض بكثرة في العديد من أصناف الطبخات، وكانت إحدى طرق استعماله، أن يمزج مع الدقيق الرقيق ويخفق على الطعام المطبوخ ليعقد، ومازالت هذه الطريقة مستعملة في العديد من المدن في الجزائر، إذ يضاف إلى الطبخة عند استوائها، البيض الذي يمزح مع عصير الليمون والبقدونس، بدل الدقيق، ويسمى بالعقدة. أما البسطيلة، فهي ورقة رقيقة من العجين، تحشى أساسا بلحم الطير أو لحم الدجاج أو لحم الضأن واللوز، مع إضافة الكزبرة والبيض، وكذلك الحال مع أطباق أخرى كثيرة، منها السفيرية، علما أن بعض العائلات الجزائرية عوضت اللحم المفروم بالخبز المدروس. إضافة لكل ما قدمته المحاضرة، فقد خصصت جانبا للزراعة ولنباتات الزينة، وأيضا للأواني، منها التي تعود للعهد العثماني، كالسني والعشاوات وغيرها، والتي ظلت محفوظة إلى اليوم في البيوت الجزائرية.