تتبدّل ملامح الحياة اليومية بمدينة غليزان مع حلول شهر رمضان المبارك، حيث تستعيد المدينة حركيتها التي تجمع بين النشاط التجاري والروحانية والتضامن الاجتماعي. فمع بزوغ ساعات الصباح الأولى تبدأ الأسواق في استقبال المتسوقين، بينما تتزايد الحركة تدريجيًا مع اقتراب موعد الإفطار، لتتحول الليالي بعد صلاة التراويح، إلى فضاءات مفتوحة للقاءات العائلية، والأنشطة الدينية والثقافية. وتشهد الأسواق المحلية حركية لافتة منذ الساعات الأولى من النهار، لا سيما بالسوق المغطاة المجاورة لمقر البلدية وسوق حي القرابة الشعبي، حيث يتوافد المواطنون لاقتناء مختلف مستلزمات الإفطار من خضر وفواكه ولحوم، إلى جانب مكونات الحلويات التقليدية التي تحضر بقوة على الموائد الرمضانية، مثل "الزلابية" و"البنان" و"الشامية". وتبقى أطباق "الحريرة" و"البوراك" و"المثوّم" من بين الأكلات الأكثر حضورًا على مائدة العائلات الغليزانية؛ حيث تحرص الأسر على اقتناء مستلزماتها في وقت مبكر؛ تفاديًا للازدحام الذي يميز الفترة المسائية قبيل أذان المغرب. حفاظ وثيق على صلة الرحم والتواصل ويحافظ سكان غليزان على جملة من العادات والتقاليد المرتبطة بالشهر الفضيل، وفي مقدمتها الزيارات العائلية، وتبادل الدعوات للإفطار، حيث تمتد السهرات في كثير من الأحيان، إلى غاية وقت السحور. ويُعد طبق "المسفوف" المصحوب بالشاي والحلويات من أبرز الأطباق التي تحضَّر في هذه السهرات، في تقليد اجتماعي مايزال حاضرًا بقوة داخل العديد من البيوت. كما تحرص العائلات على نقل تقاليد الطهو الرمضاني إلى الأبناء، خاصة ما يتعلق بإعداد الحلويات المنزلية، التي تبقى جزءًا أصيلًا من المائدة الرمضانية. وبعد أداء صلاة التراويح تعرف محلات الشواء إقبالًا معتبرًا من المواطنين الباحثين عن وجبات خفيفة قبل السحور. ويُعد محل الشواء الذي يديره محمد عباس الملقب ب«قوقي" بحي القرابة، من بين الوجهات التي يقصدها الزبائن بكثرة، حيث تُقدَّم مختلف أنواع اللحوم المشوية إلى ساعات متأخرة من الليل، في نشاط يزداد حيوية خلال الشهر الفضيل. وفي سياق تسهيل اقتناء المواد الغذائية، يستقطب سوق الرحمة الجواري بحي "لاصاص"، عددًا معتبرًا من المواطنين منذ افتتاحه بمبادرة من مديرية التجارة، إذ وفّر فضاءً لعرض مختلف السلع بأسعار مناسبة، الأمر الذي ساهم في تخفيف الضغط عن الأسواق التقليدية، خاصة مع توفر المواد الغذائية، واستقرار الأسعار نسبيًا خلال الفترة الحالية. من جهة أخرى، تعرف مساجد المدينة حضورًا مكثفًا خلال الشهر الفضيل، خاصة في صلاتي العشاء والتراويح، إلى جانب الدروس الدينية التي تُنظم بعد صلاة العصر، أو بين المغرب والعشاء في عدد من المساجد، على غرار مسجد "النور" ، والجامع الكبير، حيث يقبل المصلون على متابعة المحاضرات الدينية، وتلاوة القرآن الكريم. ومن بين النماذج الشابة التي برزت خلال هذا الشهر، الشاب بوكراع محمد، وهو خريج الجامعة، الذي يحرص على إمامة المصلين في صلاة التراويح بمسجد الزاوية العلاوية، إضافة إلى تقديم دروس دينية موجهة لفئة الشباب مرتين في الأسبوع. كما تتواصل الأنشطة الليلية عبر برامج ثقافية وترفيهية تنظمها دار الثقافة، تتضمن أمسيات إنشادية، وعروضًا فنية، إلى جانب دورات رياضية تشرف عليها مرافق الشباب والرياضة في عدة تخصصات، ما يجعل الفضاءات العمومية تشهد حركية ملحوظة بعد صلاة التراويح. وموازاة مع ذلك، تتجلى مظاهر التضامن الاجتماعي بشكل لافت في الشهر الفضيل، من خلال المبادرات الخيرية التي تنشطها الجمعيات والمتطوعون. وتبرز، في هذا السياق، اللجنة الولائية للهلال الأحمر الجزائري بغليزان، التي تسهر على توزيع الطرود الغذائية على العائلات المعوزة، وتنظيم موائد إفطار للصائمين، وعابري السبيل، إضافة إلى تسيير مركز إفطار يستقبل يوميًا أعدادًا معتبرة من الصائمين بمساهمة متطوعين من مختلف الفئات. كما سجلت محلات الحرف اليدوية، خاصة بالمركز التجاري بحي الانتصار، إقبالًا متزايدًا من المواطنين، على اقتناء الزينة الرمضانية، والملابس التقليدية، في تقليد أصبح أكثر حضورًا خلال السنوات الأخيرة؛ تعبيرًا عن الاهتمام بإضفاء أجواء احتفالية مميزة داخل البيوت خلال الشهر الكريم. ويُجمع عدد من المواطنين على أن رمضان في غليزان يظل مناسبة لتنظيم الحياة اليومية بين العمل والعبادة، وتعزيز الروابط الاجتماعية من خلال اللقاءات العائلية، والتجمعات الليلية التي تمتد إلى ساعات متأخرة، في أجواء يطغى عليها التضامن، وروح التآلف التي تميز هذا الشهر الفضيل.