عرفت الجزائر العاصمة تغيرات عديدة منذ الاستقلال وإلى يومنا هذا ويتضح ذلك جليا من خلال النسيج العمراني والمدن الجديدة التي تسعى الدولة جاهدة إلى تشييدها داخل العاصمة وخارجها، ومن المظاهر الجديدة في المدينة لافتات المحلات التي لها دور هام في إبراز النشاط التجاري، ولكن الغريب في الأمر أن لافتات محلات العاصمة اليوم أصبحت تلفت الانتباه كثيرا بعد أن اتخذت من أسماء المسلسلات الشهيرة عناوين لها من دون أن ننسى استعمال الفرنسية للتعبير عن مفردات بالعربية. عتيقة مغوفل المتجوَل في شوارع العاصمة يلاحظ ذلك الكم الكبير من المحلات التجارية المتواجدة بها والتي تمارس نشاطات عديدة، فاهتمامات الجزائري تتغير وتتطور يوما بعد يوم، لكن المثير للجدل كيفية عرض لافتات المحلات وتعبيرها عن النشاط الذي تمارسه هذا دون الحديث عن الألوان والأضواء التي تحيط بها. فاست فود العبارة الطاغية في جولة قادتنا إلى شارع تليملي بالجزائر العاصمة لفت انتباهنا لافتة مطعم كتب عليها (مطعم الصاورة) والجدير بالذكر أن اللافتة قد كتبت باللغتين العربية والفرنسية، فخيل لنا للوهلة الأولى أن المطعم ذو طابع صحراوي تخصص في تقديم أكلات منطقة الصاورة في الجزائر العاصمة، ولكن وبمجرد دخولنا إلى المطعم لاحظنا أن المطعم كان عاديا جدا والطاقم العامل به شبان عاصميون لا علاقة لهم بالصحراء لا من قريب ولا من بعيد، فقط تم وضع بعض الأواني الفخارية على الطاولات للإيحاء لكل من يدخل إليه أنه مطعم خاص، في حين فإن الأواني الفخارية قد تستعمل في مطاعم أخرى في باقي مناطق البلاد على غرار منطقة القبائل مثلا. خرجنا من (مطعم الصاورة) وتوجهنا بعدها إلى ديدوش مراد وهو واحد من أرقى أحياء الجزائر العاصمة، وبينما نحن نسير في الأزقة وجدنا مطعما آخر للأكل الخفيف كتب عليه (فاست فود) والتي تعني الأكل السريع باللغة الإنجليزية ولا يعد هذا المطعم الوحيد الذي استعمل هذه العبارة بل هناك الآلاف من المطاعم بكامل ربوع الوطن من تكتب هذه العبارة على الواجهة، عوض أن تكتبها باللغة العربية (أكل سريع)، وهذا إن دل فإنما يدل على أن المستوى اللغوي في بلادنا في تدنٍ مستمر وأننا نستورد حتى ثقافة اللافتات من الدول الغربية مع أن الكثير من الشباب اليوم لا يتقنون اللغة الأجنبية على أصولها هي كلمات يرددونها بينهم وفقط لا تتعدى التحية أحيانا. محلات الألبسة بأسماء المسلسلات من شارع ديدوش مراد تنقلنا إلى شارع حسيبة بن بوعلي الذي يضم الكثير من محلات بيع الملابس الخاصة بالنساء والرجال، وبدأنا نتجول في بعضها إلى أن وصلنا إلى محل لبيع الملابس الرجالية كتب على واجهته عبارة (prison break) وهو اسم لأحد المسلسلات البوليسية التي عرضت على إحدى الفضائيات العربية والتي استقطبت جمهورا عريضا من مختلف الدول العربية، اللافتة أثارت انتباهنا كثيرا وهو الأمر الذي دفعنا لسؤال صاحب المحل عن السبب الذي دفعه لكتابة تلك اللافتة على واجهة محله فأجابنا مبتسما (لدي مدة معتبرة من الزمن منذ أن علقت هذه اللافتة حين كان المسلسل يعرض وتابعه العديد من الشباب الجزائري، وقد اخترت تعليق تلك اللافتة حتى أجلب الكثير من الزبائن إلى محلي وأبيع كل بضاعتي خصوصا سراويل الجينز والكنزات التي كان يرتديها أبطال المسلسل). وعلى ما يبدو أن المحل الذي رزناه بشارع حسيبة بن بوعلي ليس المحل الوحيد الذي اختار عنوان مسلسل أجنبي على لافتة محله حتى يستقطب أكبر عدد ممكن من الزبائن، ومن بين هؤلاء أحد التجار الذي اختار لافتة باب الحارة التي تحمل اسم دراما سوريا نالت إعجاب الملايين من العرب حتى يكون عنوانا لمحله، وبمجرد أن رأينا اللافتة انتابنا الفضول لندخل المحل ونكتشفه عن كثب، فوجدنا صاحبه يبيع العباءات النسائية سألنا صاحب المحل عن مصدر بضاعته فرد علينا أنها كلها بضاعة سورية ومن النوع الرفيع وقد اختار لافتة باب الحارة للتعبير عن مصدر بضاعته. بعد أن خرجنا من محل باب الحارة توجهنا لمحل آخر اختار صاحبه هذه المرة أبطال الدراما التركية عوض السورية فقد كتب على لافتة المحل (حريم السلطان)، وقد استقطب هذا المسلسل التركي أيضا عددا كبيرا من المشاهدين عبر العالم لأنه حاول المخرج من خلاله تجسيد شخصية السلطان سليمان القانوني الذي تخطى أعراف السلطنة العثمانية بزواجه من جاريته (هيام)، لافتة المحل شدت انتباهنا كثيرا وهو الأمر الذي دفعنا للدخول إليه، فوجدنا صاحبه قد عرض فيه مختلف أنواع المجوهرات التي كانت ترتديها السلطانات في المسلسل فقد وجدنا فيه أنواعا كثيرة من التاج، بالإضافة إلى القلادات والأقراط الكبيرة والصغيرة وغيرها من الإكسسوارات فسألنا صاحب المحل عن مدى إقبال النساء على مثل هذه المجوهرات فرد علينا أنه يوميا يحصي ما لا يقل عن 100 زبونة تزور محله حتى لو لم تشتر تتفرج فقط، والفضل راجع للافتة التي تثير انتباه الزبونات.