بقلم: الشيخ أبو إسماعيل خليفة تمضي الأيام تجرّ خلفها نسمات هذا الشهر المبارك وكأنّي بها تهمس في الآذان: ألا هل من مشمّر للجنان؟ إيه .. أيّها الصّائمون: وأقبلت ليالي ليلة القدر التي فيها ليلة خير من ألف شهر ليلة سلام مباركة حتى مطلع الفجر لا يوافقها عبد مسلم يتضرّع إلى اللّه عزّ وجلّ ويتقرّب إليه بالعبادة مخلصا محتسبا إلاّ كان من أسعد خلق اللّه عزّ وجلّ. قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: (مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) رواه البخاري ومسلم. وكعادتي لن أقف عندها طويلا فقد سبقتني إلى ذلك أقلام للفضلاء كثيرة وإنما هي مفردات وردت في كلم المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم في حديثه عنها شدّتني إليها وهي: (تحرّوا التمسوا تحيّنوا..). فعن (عائشة) رضي اللّه عنها أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: (تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنْ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ) وقال أيضا: (اِلتَمِسُوا لَيْلَةَ القَدْرِ آخِرَ لَيْلَة مِنْ لَيَالِي رَمَضَانَ) وقال أيضا: (اطْلُبُوهَا فِي العَشْرِ الأوَاخِرِ فِي ثَلَاث يَبْقِينَ أو سَبْع يَبْقِينَ أو تِسْع يَبْقِينَ). أيّها القرّاء الأعزّاء: قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: (تَحَرَّوا): اطلبوا وابحثوا وفي رواية: (اِلْتَمِسُوا) وفي أخرى: (تَحَيَّنُوا لَيْلَةَ القَدْرِ) أي: اطْلُبُوا حِينَها وفي أخرى: (اطْلُبُوهَا) في كلّ هذا دليل على إخفاء ليلة القدر لأن الشيء البيِّن لا يحتاج إلى اِلْتِماس وطلب وتَحَرّ . والحكمة من إخفاء ليلة القدر وعدم تعيينها في النصوص أن يجتهد المسلمون في جميع العشر بطاعة اللّه جلّ وعلا بالتهجُّد وقراءة القرآن والإحسان وليتبيّن بذلك النشيط والمُجدّ في طلب الخيرات من الخامل الكسلان ولأن النّاس لو علموا عينها لاقتصر أكثرهم على قيامها دون سواها ولو علموا عيْنها ما حصل كمال الامتحان. ألا وإن العبد المسدّد الموفّق من اجتهد العشر كلّها مقتديا في ذلك برسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم فقد صحّ في الحديث عن (عائشة) رضي اللّه عنها قالت: (كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ وَأَحْيَا لَيْلَهُ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ) رواه البخاري ألا فمن لم يربح في هذه اللّيلة الكريمة ففي أيّ وقت يربح؟ ومن لم ينب إلى اللّه في هذا الوقت الشريف فمتى ينيب؟ ومن لم يزل متقاعدا فيها عن الخيرات ففي أيّ وقت يعمل؟ لكن هل تعلمون أيّها القرّاء الأعزّاء أن هذه اللّيلة رفعت بركتها ذات مرّة بسبب شجار وسب ّ وخصام بين رجلين ففي صحيح البخاري رحمه اللّه قال عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ رضي اللّه عنه: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلاحَى تخاصم رَجُلانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: (إِنِّي خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْر وَإِنَّهُ تَلاحَى فُلانٌ وَفُلانٌ فَرُفِعَتْ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ اِلْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ وَالْخَمْسِ). اللّه أكبر.. بسبب رجلين تخاصما في المسجد حُرمت الأمّة العلم بليلة القدر فما الحال وقد كثر في المجتمع المتلاحون والمتخاصمون ولا حول ولا قوّة إلاّ باللّه لكن سِلوتنا في تحرّيها والتماسها وطلبها قول الزين بن المنير رحمه اللّه حيث قال: (يستفاد هذا التقييد من قوله [اِلتمسوها] بعد إخبارهم بأنها رفعت ومن كون أن وقوع التلاحي في تلك اللّيلة لا يستلزم وقوعه فيما بعد ذلك ومن قوله: [فعسى أن يكون خيرا] فإن وجه الخيرية من جهة أن خفاءها يستدعي قيام كلّ الشهر أو العشر بخلاف ما لو بقيت معرفة تعيينها). أقول واللّه يوفّقني وإيّاكم لكلّ خير: بالاجتهاد في العبادة يدركها من أخلص فيها إذا شاء اللّه له هذه المنحة الإلهية الكبرى فطهّروا قلوبكم من درن الغلّ والشحناء والحسد والبغضاء لتتهيّأ نفوسكم لاستقبال خيرات هذه اللّيلة وبركاتها وسلوا اللّه العفو والعافية فقد أخرج الترمذي بإسناد صحيح عن (عائشة) رضي الله عنها أنها قالت: (يا رسول اللّه أرأيت إن علمت أيّ ليلة القدر ما أقول فيها؟) فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: (قولي: اللهّم إنّك عفو كريم تحبّ العفو فاعفُ عنّي). فيا من فرّط أوّل الشهر إيّاك أن يفوتك الموسم واسمع إلى قول نبيّك صلّى اللّه عليه وسلّم: (إن هذا الشهر قد حضركم وفيه ليلة خير من ألف شهر من حرمها فقد حرم الخير كلّه ولا يحرم خيرها إلاّ محروم) فإيّاك.. إيّاك أن تكون محروما فاطلبها وتحرّها والتمسها وتحيّن وقتها -رحمك اللّه- بجد ّ وإخلاص واسأل اللّه فيها العفو والعافية والغنيمة من البرِّ والخيرات والسلامة من الآفات في جميع الأوقات لي ولك وللمسلمين أجمعين.