شهر رمضان في المجتمع الجزائري موعد لاجتماع العائلة والدفء الأسري، حيث اعتاد الناس منذ زمن طويل، على الإفطار داخل البيوت حول مائدة تجمع أفراد العائلة بعد يوم من الصيام. ويسعى كل واحد للوصول الى المنزل في موعد الإفطار مهما كان. لكن خلال السنوات الأخيرة تغير المشهد مع بروز سلوك اجتماعي جديد، تمثل في تفضيل بعض العائلات والشباب الإفطار خارج المنزل، سواء في المطاعم، أو الفنادق التي أصبحت تقدم عروضا خاصة بهذه المناسبة، ليتحول هذا الخيار تدريجيا، من تجربة نادرة إلى ظاهرة تتوسع عاما بعد عام خاصة في المدن الكبرى، والمناطق السياحية. ومع اقتراب موعد الإفطار لم تعد الطرقات خالية مثل ما كان الأمر سابقا، بل حركة مرورية باتجاه مناطق ذات جذب عال؛ حيث يتمركز عدد من المطاعم أو الفنادق بعدما بات من المألوف مشاهدة مطاعم تعلن عن قوائم إفطار رمضاني خاصة، تتنوع بين الوجبات التقليدية والأطباق العصرية، في محاولة لاستقطاب الزبائن الباحثين عن أجواء مختلفة. ورغم أن هذا التقليد لم يكن معروفا في السابق، إلا أنه بدأ يفرض حضوره بقوة خلال السنوات الأخيرة، مدفوعا بتغير نمط الحياة، وانتشار ثقافة الخروج وتناول الطعام خارج المنزل خلال الشهر الفضيل. ويبدو أن ظاهرة الإفطار خارج البيت بدأت في البروز تدريجيا منذ سنوات قليلة. واشتدت بعد أزمة كورونا، تلك المرحلة التي يبدو أنها غيزت كثيرا من تفكير وطباع الناس. وعرفت بذلك انتشارا أكبر خلال ثلاث سنوات الأخيرة. فمع توسع نشاط المطاعم وظهور عروض إفطار رمضاني متنوعة، وجد بعض المواطنين في هذه التجربة فرصة لكسر الروتين اليومي والاستمتاع بأجواء مختلفة، ساهمت فيها وتيرة الحياة المتسارعة، وضيق وقت بعض العائلات، ما جعل تحضير مائدة الإفطار يوميا، مهمة مرهقة، الأمر الذي دفع بالبعض إلى اختيار المطاعم كبديل مريح ولو من حين لآخر. وخلال حديث "المساء" مع عدد من المواطنين الذين جربوا الإفطار خارج البيت، أكد بعضهم أن التجربة كانت فرصة لتغيير الأجواء، وقضاء وقت مميز مع الأصدقاء أو العائلة. ويقول أحدهم إن الإفطار في المطعم يمنح إحساسا مختلفا، خاصة عندما تكون الوجبات جاهزة، والأجواء مهيأة لاستقبال الصائمين، وهو ما أجمعت عليه بعض النسوة، اللواتي أوضحن أنهن يعانين ضيق الوقت، الأمر الذي يرهقهن لتحضير الوجبات بسرعة يوميا، بينما يرى آخرون أن هذه التجربة تظل مناسبة من حين لآخر فقط، مؤكدين أن الإفطار في البيت يبقى الأكثر دفءا، وارتباطا بروح رمضان. وفي المقابل، أشار بعض المواطنين إلى أن ارتفاع الأسعار يجعل هذه التجربة غير متاحة للجميع، ما يدفعهم لتفضيل البقاء في البيت معظم أيام الشهر الفضيل، لا سيما أن تكلفة عشاء واحد لعائلة مكونة على الأقل من ثلاثة أفراد، قد تكلفهم ميزانية أسبوع كامل من المشتريات الخاصة بالشهر الفضيل، حسب تأكيدات عدد منهم لا سيما من متوسطي الدخل. وفي جولة ميدانية قامت بها "المساء" بعدد من المطاعم والفنادق التي تقدم خدمة الإفطار، تبين أن الأسعار تختلف من مكان إلى آخر حسب نوعية الخدمة، والموقع. فبعض المطاعم والفنادق تعرض وجبات إفطار بسعر يتراوح بين 4 آلاف و7 آلاف دينار جزائري للشخص الواحد. وتشمل في الغالب الأطباق الأساسية؛ مثل الشوربة والبوراك والسلطات وطاجين تقليدي، إضافة إلى الحلويات والعصائر. غير أن الطبق الرئيسي في كثير من الأحيان يكون خارج السعر الأساسي، إذ يمكن الزبون طلبه مقابل مبلغ إضافي، مثل اللحم المشوي أو المثوم أو الشطيطحة، وغيرها من الأطباق الرئيسية التي تضاف حسب رغبة الزبون. ويبدو أن عروض الإفطار خارج البيت تختلف باختلاف مستوى المكان، والخدمات المقدمة. ففي عدد من المطاعم المنتشرة في المناطق الساحلية والسياحية بتيبازة وكذلك في بعض الأحياء الراقية وحتى المشهورة بالعاصمة الجزائر، تتراوح أسعار وجبات الإفطار عادة بين 2500 و3 آلاف دينار جزائري للشخص الواحد، لتصل الى 5 آلاف دينار. وتشمل في الغالب الأطباق الأساسية التقليدية؛ مثل الشوربة والبوراك والسلطات وطاجين تقليدي، إضافة إلى الحلويات الرمضانية والعصائر. ويختلف السعر حسب اختلاف تكلفة الطبق الرئيسي الذي يتكون من لحوم أو أسماك، حسبما أكد عدد من مسيري المطاعم الذين حدثتهم "المساء"، مشيرين إلى أن شهر رمضان أصبح من الأشهر التي لا يبرمج فيه بعض مسيري المطاعم أبدا عطلتهم السنوية، بل يؤجلونها إلى موعد آخر، خصوصا أنه أصبح من المواسم التي ينتعش فيها العمل، وتزداد وتيرته، حتى إن بعض المطاعم، حسبما وقفت عليه "المساء" ، توفر أيضا خدمة السحور، والتي تكون بين الساعتين الحادية عشرة ليلا والثانية بعد منتصف الليل. أما في الفنادق، وحسبما وقفت عليه "المساء" ، فتكون أسعار الإفطار عادة أعلى مقارنة بالمطاعم، خاصة عندما يكون الإفطار في شكل بوفيه مفتوح، يتيح للزبائن اختيار ما يرغبون فيه من مجموعة واسعة من الأطباق. وتبدأ أسعار هذه العروض في العديد من الفنادق المصنفة حسب النجوم بالعاصمة، من حوالي 3500 دينار جزائري للشخص الواحد. وقد تصل في بعض الأحيان إلى 4500 أو حتى 6500 دينار، حسب مستوى الفندق، والخدمات المرافقة، وأيام محددة كيوم الشواء أو أيام السمك. وغالبا ما يضم البوفيه تشكيلة متنوعة من الأطباق التقليدية والحديثة، مثل الشوربات والسلطات والبوراك، وأنواع الطواجن المختلفة، إضافة إلى أطباق رئيسية متعددة، والحلويات الرمضانية، والعصائر والمشروبات الساخنة. ومن بين الفنادق التي تقدم مثل هذه العروض خلال شهر رمضان فندق "غولدن توليب" بالعاصمة، وفندق الأوراسي، وفندق الجزائر، والماريوت؛ حيث توفر هذه المؤسسات أجواء فندقية خاصة، ومساحات واسعة للعائلات. كما ينظم بعضها سهرات عائلية، وعروضا موسيقية وفنية؛ ما يجعلها مقصد بعض العائلات والشباب، الراغبين في قضاء لحظات مختلفة خلال موعد الإفطار. وفي هذا السياق، حدثتنا فتيحة بن عبو، مختصة اجتماعية قائلة إن هذه العادات الجديدة تعكس تحولات اجتماعية يشهدها المجتمع، حيث أصبحت أنماط الاستهلاك أكثر تنوعا مقارنة بالماضي، مشيرة الى أن الإفطار خارج البيت لا يعني بالضرورة التخلي عن التقاليد، بل قد يكون مجرد تجربة اجتماعية أو ترفيهية يلجأ إليها بعض الناس لكسر الروتين، أو للاجتماع بالأصدقاء والعائلة في أجواء مختلفة في ظل التوسع الكبير لقطاع الخدمات، وازدياد الترويج لعروض الإفطار في المطاعم والفنادق.