فلاحو ورعاة يعتمدون على 4 أيام في السنة لتحريك قطعانهم و حرث أراضيهم يعتمد الموالون والفلاحون بولاية تبسة على 4 أيام لتحديد شكل فصول السنة المقبلة، بحيث على ضوء ما يتم رصده وتحريه لتلك الأيام الصيفية يمكن توقع شكل كل فصل من الفصول، من حيث تساقط الأمطار والجفاف وإمكانية تحقيق مردود فلاحي جيد من عدمه، فضلا عن حالة الإعشاب وتوفر الكلأ للماشية. ويراهن المؤمنون بهذه التوقعات على حسن قراءة تلك الأيام، ويرون أنها مجربة وصحيحة وأن هامش الخطأ في تلك التوقعات قليل جدا، وقد أثبتت متابعاتهم لها صدقها بالرغم من إيمانهم بأن «قراءة كف الغيب اختصاص رباني بامتياز» وأنه لا يمكن القفز على هذه الحقيقة أو تجاوزها. ويشير هؤلاء إلى أنهم لا يخوضون في قضايا الغيب وإنما يرصدون توقعاتهم اعتمادا على حالة الجو والمناخ وسقوط الأمطار في تلك الأيام، كما تحدد قطرات الندى التي يعثر عليها في تلك الأيام صباحا ومع شروق الشمس على حالة الجو في تلك الفصول . وهذه المؤشرات وغيرها التي ترتكز عليها التوقعات، فإذا سقط الغيث وهبت الرياح وعثر على حبيبات الندى فإن الفصول القادمة لصفحة الغيب قد تكون مماثلة ، وما على الفلاحين والموالين والرعاة سوى الاستعداد لحرث الحقول ورفع عدد القطعان، أما إذا شحت السماء في الأيام التي تحروها وسكتت الرياح وجاء الجو مستقرا لا اضطرابات جوية فيه، فإن قراراتهم ستكون مخالفة للتدابير السالفة الذكر، وسيضطر العديد منهم إلى تعديل رزنامة نشاطاتهم السنوية تماشيا ومقتضى الحال، فيتم حرث مساحات فلاحية أقل وتخزين الأعلاف بداية من الصيف لتقديمها في فصل الشتاء للماشية، وقد تتطور الحلول إلى التفكير في ما يسمى بهجرة الشتاء والصيف بحثا عن الكلأ والدفء شتاء بالجنوب والعودة في ما بعد إلى الشمال ربيعا بعدما تكون الطبيعة قد إزينت واكتست حلة خضراء . فهذا الثمانيني « مسعود» الذي تحفظ ذاكرته الكثير من هذه القراءات يقول إن هذه الأيام الأربع تسمى «بالعمد» محليا وقد توارثها الفلاحون عن آبائهم و أجدادهم منذ عقود طويلة خلت، بحيث كان الفلاحون يتحرون تلك الأيام صيفا بداية بفصل الخريف ومرورا بالشتاء فالربيع ووصولا إلى الصيف،إذ يتم تحريها أيام 57 و 58 و 59 و 60 من فصل الصيف. فبالنسبة لفصل الخريف فيحدده اليوم ال 57 ، فإذا جاء الجو فيه باردا وممطرا ومضطربا مناخيا مصحوبا برياح قوية فإن فصل الخريف القادم سيكون استثنائيا ولا تصاب الماشية فيه بأمراض أو تسجل فيه سقوط أجنة الماشية، وقد تكون الرياح الشمالية بوابة الخير بشرى خير للمتابعين للعملية، أما إذا شحت السماء فإن ذلك يقلل من حجم التفاؤل في فصل افتتاح كل سنة فلاحية. و بالنسبة لفصل الشتاء فيمكن تحري طبيعته وشكله في اليوم 58 من فصل الصيف، ولا تختلف التوقعات عن المنطلقات السالفة الذكر فكلما كثر سحبه ورياحه وخاصة الشمالية منها دل ذلك على كثرة الأمطار والثلوج شتاء، ولو جاء اليوم مشمسا لا سحب ولا رياح فيه كان ذلك نذير شؤم وإنذار بموسم فلاحي قد يكون كارثي. أما بالنسبة لفصل الربيع فيحدد شكله يوم 59 من الصيف والتجربة التي نعرضها تكون متماشية والقراءات السالفة الذكر، فيما يتم تحديد فصل الصيف بيوم 60 من الصيف الذي قبله. ويؤكد الموال « عمار» من ناحية أخرى أن هناك يوما آخر يعتمده الفلاحون لتحديد الفصول الأربع للسنة المقبلة، إذ يطلق عليها تسمية «السبعينية»أي بعد مرور 70 يوما عن دخول فصل الصيف غير أن قراءته أكثر تعقيدا من الحسابات السابقة، إذ أن كل فترة من ذلك النهار من شواهد مناخية تحدد فصلا من الفصول، معتبرا أن الضالعين فيها والمؤمنين بها في تناقص مع انخراط الإنسان في عصر الصورة والصوت والسماوات المفتوحة والتطور التكنولوجي الرهيب. بينما يعتبر الفلاح»بخوش» أن هذه القراءات بصدقها أو زيف ما تأتي به هي خلاصة تجارب إنسانية قابلة كرسها تعاقب الفصول ودقة الملاحظة ، فقد كان الرعاة يمنعون ورد إبلهم ومواشيهم مثلا في أيام العمد السابقة الذكر حتى لا تطرح وتصاب في الخريف بالأمراض والجرب، كما يضطر الفلاحين إلى منع المياه عن مواشيهم وقطعانهم في اليوم ال 39 من فصل الصيف المسمى محليا «بعنصلة» ويحبب فيه تناول الإنسان للبصل وعدم القيلولة فيه. ويلخص من جهته الفلاح «الناصر» ما تم التطرق إليه بخلاصة تجارب عقود من الزمن والمراقبة والتتبع توارثها الآباء عن الأجداد قبل ظهور تنبؤات النشرات الجوية والمناخية، فقد كان على الفلاح والموال تحريها للتحرك على ضوئها لحماية قطعانهم وتنمية محاصيلهم. و لتسهيل نقل تلك التجارب للجيل اللاحق عمد الآباء إلى تلخيص تلك الوصفات السحرية في جمل مقتضبة ومضغوطة الهدف منها ترسيخها في الذاكرة فيقول الموال « الخميني»إن البعض يكرر عددا من تلك التجارب والحكم التي تشبه السجع من الأدب كقولهم في حال احمرار سحب المساء «إذا حمرت العشية هز جمالك وقد الثنية «أي لا تخشى السحب وبإمكانك التحرك في أي وجهة تشاء،بينما إذا ظهرت تلك السحب في الصبيحة فينصح بالعكس بقولهم»إذا حمرت في الصباح حط على جمالك وارتاح». كما حددت مقولة أخرى شكل وملامح العام الفلاحي الجيد بحيث يختصرون خلاصة تجاربهم بقولهم»العام لمليح نعطيلكم خصايلو،في الليل تصب النو،وفي النهار تحمى قوايلو» وبرأي آخرين فإن هذه الحكم والتجارب لا يمكن الجزم بصدقها كلية لأنها تجارب إنسانية قابلة للمناقشة وما كان صالحا في القرن ال 18 ميلادي قد لا يكون صالحا في القرن ال 19 و ال 20 و ال 21 بحكم التقلبات المناخية وظاهرة الانحباس الحراري وغيرها،ويذهب أصحاب هذه الوجهة إلى أن الحكمة تقتضي الحيطة والأخذ بالأسباب في محيطات ريفية بسيطة قبل عقود من الزمن كانت قراءة الأحوال الجوية تأتي عبر دراسة حركة النجوم والقمر والأجرام السماوية الأخرى. و لازالت ذاكرة الشيوخ والجدات تروي قصصا عن «غيلان «ذلك المقتدر الذي ضيع قطعانه التي يصعب عدها و إحصاؤها بعدما أرسلت إحدى زوجاته له وردة لا يمكن أن تتبرعم إلا في الربيع،إذ تعهدت برعايتها و ريها بالمياه الساخنة في مكان دافئ إلى غاية أن تفتحت وانتشر أريجها،وقامت بإرسالها إلى زوجها حاثة إياه على العودة لانتهاء الشتاء،ولم يصدق المسكين»غيلان» ما وقعت عليه عيناه لاعتقاده وهو الخبير في الحساب أن فصل الربيع لم يحن أوانه بعد، غير أن عودته إلى الشمال كانت وبالا عليه ،فقد نفقت قطعانه وضاعت ثروته بفعل الأمطار الطوفانية التي اجتاحت المنطقة أثناء عودته ،لتأتي الحكمة احسب حسابك وحساب غيلان لا تنساه حتى لا تلقى نفس المصير.