تربع بين رفوف المكتبة الجزائرية، كتاب جديد للإعلامية والصحفية الجزائرية أحلام بن علال، صاحبة مؤسسة صحفية "أحلامي براس"، الموسم ب«في قلب الحدث: دليل الصحفي بين الحقيقة والتواصل الرقمي"، صدر عن 'دار خيال للنشر'، ويقدم المولود الجديد، رؤية فكرية ومهنية متكاملة لمهنة الصحافة في العصر الرقمي، حيث تتداخل سرعة المعلومة مع تحديات المصداقية وانتشار الأخبار الكاذبة. يجمع الكتاب بين التأصيل الفلسفي والأخلاقي للمهنة، وبين الممارسة الصحفية اليومية، ليشكل دليلًا عمليًا للصحفيين والطلبة، وكل المهتمين بالإعلام المعاصر. عُرفت بن علال بأسلوبها الحواري المميز، وقدرتها على إدارة نقاشات معمقة مع شخصيات فاعلة في مختلف المجالات، مع اهتمام خاص بقضايا الإعلام الرقمي، الصحافة الاقتصادية، وتمكين المرأة وتواصل اليوم، العمل على تطوير مشاريعها الإعلامية بإيمان راسخ بدور الصحافة المهنية في صناعة الوعي، ومواكبة تحولات المجتمع. ينطلق دليل الصحفي بين الحقيقة والتواصل الرقمي، من فكرة أساسية، مفادها أن الصحفي في زمن المنصات الرقمية لم يعد ناقلا للأحداث فحسب، بل أصبح حارسا للحقيقة وصانعا للوعي العام. ففي عالم تتدفق فيه المعلومات بسرعة غير مسبوقة، تصبح مهارات التحقق والتحليل والتفكير النقدي ضرورية، لضمان وصول الخبر الصحيح إلى الجمهور. لذلك يركز الكتاب على بناء صحفي واع، قادر على التمييز بين المعلومة الدقيقة والشائعة، وبين الخبر والتحليل، بين السرعة والمصداقية. التحولات العميقة والثورة الرقمية يتكون الكتاب من مجموعة فصول مترابطة، تبدأ بمقدمة، تؤكد أن الصحافة اليوم، تعيش تحولات عميقة بفعل الثورة الرقمية. وتوضح المؤلفة، أن نقل الخبر لم يعد كافيًا، بل يجب فهم سياقه السياسي والاجتماعي والثقافي، وتحليل أبعاده وتأثيره على المجتمع. كما تؤكد أن الأخلاقيات المهنية تبقى حجر الأساس في العمل الصحفي، مهما تطورت التكنولوجيا أو تسارعت وسائل النشر. في الفصول الأولى، يتناول الكتاب مفهوم الحقيقة في العمل الصحفي من منظور فلسفي ومهني، مستندًا إلى أفكار فلاسفة، مثل أفلاطون وأرسطو وديكارت وكانت، الذين شددوا على أهمية التفكير النقدي والمنطق في الوصول إلى المعرفة. كما يبرز دور الصحفي في تحليل الأخبار وليس مجرد نقلها، من خلال الربط بين الأسباب والنتائج، وتقديم رؤية متكاملة تساعد الجمهور على فهم الأحداث. ويركز أحد المحاور الرئيسية في الكتاب، على الأخلاقيات والمسؤولية المهنية، حيث تؤكد المؤلفة، أن الصحافة ليست مهنة تقنية، بل التزام أخلاقي تجاه المجتمع. فالصحفي مطالب بالتحقق من مصادره، واحترام الحقيقة، وتجنب الإثارة أو التضليل، إضافة إلى الحفاظ على استقلاليته في مواجهة الضغوط السياسية أو الاقتصادية. كما يناقش الكتاب، التحولات التي أحدثتها وسائل التواصل الاجتماعي في العمل الصحفي. فهذه المنصات وفرت فرصا كبيرة للوصول إلى الجمهور والتفاعل معه، لكنها في الوقت نفسه، خلقت تحديات جديدة، أبرزها انتشار الشائعات والمعلومات المضللة. لذلك، يوضح الكتاب، كيف يمكن للصحفي استخدام هذه الوسائل بذكاء، من خلال التحقق من الأخبار قبل نشرها، وتحليل ردود فعل الجمهور، والاستفادة من التفاعل الرقمي في تطوير المحتوى الإعلامي. ومن أبرز القضايا التي يتناولها الكتاب، ظاهرة الأخبار الكاذبة والشائعات الرقمية، التي أصبحت أحد أخطر التحديات أمام الصحافة الحديثة. تقدم المؤلفة منهجية عملية للصحفيين، للتعامل مع هذه الظاهرة، تشمل استخدام أدوات التحقق الرقمي، وتحليل الصور والفيديوهات، والرجوع إلى مصادر متعددة قبل نشر أي معلومة. كما تؤكد أهمية نشر التصحيحات بسرعة وشفافية، للحفاظ على ثقة الجمهور. استخدام الأدوات الرقمية وتحليل البيانات يتطرق الكتاب كذلك، إلى فن السرد الصحفي والتحليل العميق للأحداث، حيث يشرح كيف يمكن للصحفي أن يحول الخبر إلى قصة متكاملة، تربط بين الوقائع والسياق التاريخي والاجتماعي. فالتحليل الجيد لا يكتفي بوصف ما حدث، بل يفسر لماذا حدث، وما هي نتائجه المحتملة، وهو ما يمنح العمل الصحفي قيمة معرفية حقيقية. وفي سياق التحولات الرقمية، يخصص الكتاب فصلًا لموضوع الصحافة الرقمية والتحقيقات الصحفية، حيث يبرز أهمية استخدام الأدوات الرقمية، وتحليل البيانات للوصول إلى الحقائق الخفية. كما يشدد على أن التكنولوجيا لا يمكن أن تحل محل التفكير النقدي أو الأخلاقيات المهنية، بل تبقى مجرد أدوات في يد الصحفي. كما يتناول الكتاب موضوع بناء السمعة المهنية للصحفي، مؤكدًا أن المصداقية هي رأس المال الحقيقي للعاملين في الإعلام. فالسمعة المهنية تُبنى عبر الالتزام المستمر بالحقائق والشفافية والاحترام المتبادل مع الجمهور، وليس عبر السبق الصحفي السريع فقط. ومن بين المحاور المهمة أيضًا، التفاعل مع الجمهور الرقمي، حيث يوضح الكتاب أن الجمهور لم يعد متلقيًا سلبيًا، بل أصبح شريكًا في صناعة الخبر، من خلال التعليقات والمشاركة والتفاعل. لذلك يحتاج الصحفي إلى فهم طبيعة هذا الجمهور، وإدارة الحوار معه بطريقة مهنية تعزز الثقة والمصداقية. وفي أحد الفصول المتقدمة، تستعرض المؤلفة التحولات المستقبلية في الإعلام، خصوصًا دور الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات، والتحقق من الأخبار. لكنها تؤكد أن التكنولوجيا، مهما تطورت، لن تستطيع أن تحل محل القيم الإنسانية التي يقوم عليها العمل الصحفي، مثل النزاهة والصدق والمسؤولية. كما يضم الكتاب فصلًا فكريًا مهمًا، يربط بين الفكر الإعلامي الجزائري والعالمي، حيث تستعرض المؤلفة أفكار عدد من المفكرين الجزائريين، مثل مالك بن نبي ونصر الدين عياضي ومحمد لعقاب، إلى جانب مفكرين عالميين، مثل مارشال ماكلوهان ويورغن هابرماس ونعوم تشومسكي وميشال فوكو. ويهدف هذا الربط، إلى إظهار كيف يمكن للصحفي أن يستفيد من هذه المرجعيات الفكرية، لفهم دور الإعلام في المجتمع وتحليل الخطاب الإعلامي بشكل أعمق. ويختتم الكتاب، بتأكيد فكرة محورية، مفادها أن الصحفي المعاصر يقف دائمًا بين الحقيقة والمسؤولية. فالمهنة مهمة اجتماعية وأخلاقية، تهدف إلى حماية الوعي العام وتعزيز النقاش الحر في المجتمع. وبهذا، يقدم كتاب "في قلب الحدث"، رؤية شاملة للصحافة في عصر التحولات الرقمية، تجمع بين الفكر الفلسفي، والقيم الأخلاقية، والممارسة المهنية، ليكون دليلًا عمليًا لكل من يسعى إلى ممارسة صحافة واعية ومسؤولة، في زمن تتسارع فيه الأخبار وتتعاظم فيه الحاجة إلى المصداقية. الجدير بالذكر، أن الإعلامية أحلام بن علال، خريجة كلية علوم الإعلام والاتصال تخصص سمعي بصري، استطاعت أن ترسخ حضورها في المشهد الإعلامي، من خلال مسار مهني يجمع بين التكوين الأكاديمي والخبرة الميدانية. أسست مجلة "أحلامي" سنة 2017، إلى جانب جريدة "إعلام DZ" الإلكترونية، واضعة نصب عينيها، تقديم محتوى نوعي يجمع بين البعد الاقتصادي والثقافي والاجتماعي.