تدعم قطاع السياحة بعاصمة الشرق، بدخول منشأة جديدة حيز الخدمة، بعد توقف عن النشاط لحوالي 11 سنة، حيث عادت الحياة لتدب من جديد بأحد أقدم الفنادق الكبيرة، وسط مدينة الجسور المعلقة، لتقدم للزوار والسياح إقامة فخمة ومريحة وفق المعايير الدولية، من خلال 54 غرفة أو جناح، تسمح للمقيم بالسفر عبر التاريخ والتمتع بجمال المدينة القديمة وأبرز جسور "سيرتا" وأخاديدها، مباشرة من الغرفة ودون عناء التنقل، في رحلة ثقافية وسياحية، إذ يوفر النزل إطلالة بانورامية رائعة، تزيد من متعة السائح. استفاد فندق "سيرتا" من برنامج للتأهيل والترميم، وفق الغلاف المالي الذي حازت عليه قسنطينة، بعدما استضافت الحدث الثقافي الضخم، قسنطينة عاصمة الثقافة العربية لسنة 2015، حيث تقرر وقتها إدراج الفندق ضمن المشاريع التي سيتم تجديدها، في خطوة لاستقبال ضيوف المدينة، وانطلقت الأشغال به سنة 2013، لكن هذه الأشغال لم تكتمل، بسبب التعقيدات التقنية التي تم مصادفتها، وحتمت على القائمين على الترميم، إعادة أجزاء كبيرة من الأرضية وتدعيم هذه المنشأة بهيكل معدني جديد، وبرر المهندسون تأخر الأشغال بصعوبة الترميم، مقارنة بعمليات البناء العادية، كما تسبب تعطل دخول التجهيزات من ميناء سكيكدة، في تأخير افتتاح هذا الصرح السياحي. فندق "سيرتا".. من نزل عادي إلى فندق "بالاص" كان فندق "سيرتا" بقسنطينة، يصنف، قبل إغلاقه، ضمن فنادق 4 نجوم، قبل أن يعاد تصنيفه في درجة "3 نجوم"، بسبب غياب المسبح وحظيرة السيارات، هذا الأمر تم التنبه له خلال أشغال الترميم وإعادة التهيئة، حيث عكف القائمون على متابعة هذا المشروع، على جعل الفندق جوهرة سياحية بامتياز، من خلال معالجة النقائص التي كان يشتكي منها، والإبداع في تجهيز مختلف الأجنحة بمواد أولية من الدرجة الأولى، ليتحول الفندق إلى صنف فنادق "5 نجوم"، أو ما يصطلح عليه ب«البلاص"، بعدما بات يضم مسبحا وحظيرة ومرافق أخرى. شملت الأشغال التي أشرف عليها تجمع صيني، التحديث، وإعادة التأهيل، وترقية وتوسعة البناية من 1800 متر مربع إلى 8000 متر مربع، بإضافة فضاءات جديدة، على غرار المسبح، مطعم خارجي ومرآب ومركز للياقة البدنية، مما سيسمح بتعزيز مكانة قسنطينة كوجهة سياحية، ويساهم في خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لأبناء الولاية. تحويل ملكية الفندق إلى شركة الاستثمار الفندقي تحولت ملكية فندق "سيرتا"، في صيف 2024، من شركة التسيير السياحي للشرق لفائدة شركة الاستثمار الفندقي، الشركة الرائدة في تسيير الفنادق من الطراز العالي، والتي ستعمل على استغلال هذا المرفق، الذي يعد من أهم معالم المدينة، والذي عرف عملية تهيئة شاملة، في إطار العمليات التي استفادت منها الولاية، ضمن مشاريع قسنطينة عاصمة الثقافة العربية 2015. جرت مراسم التوقيع، تطبيقا لمحتوى اللائحة رقم 03، المؤرخة في 23 ماي 2024، المنبثقة عن الدورة 184 لمجلس مساهمات الدولة، حيث أبدى الملاك الجدد افتخار الشركة بإدماج فندق "سيرتا" ضمن محفظتهم الفندقية، على اعتبار القيمة التاريخية التي يحظى بها هذا الفندق، الذي يعد إضافة نوعية للشركة، حيث سيساعد هذا النزل على الترويج للموروث الثقافي للمدينة، من خلال مسرح الفندق الذي أُعيد تأهيله. وحسب السيد العربي مولاي، الرئيس المدير العام لشركة الاستثمار الفندقي، صاحبة الفندق، فإن تسيير هذه المنشأة سيكون بسواعد جزائرية وإطارات محلية، خاصة بعدما تم تداول أخبار أن الفندق سيتم تسييره من طرف المؤسسة الفندقية الدولية "ماريوت"، موضحا، خلال افتتاح المنشأة السياحية، في 30 ديسمبر من السنة الفارطة، أن الفندق الذي زاوج بين الأصالة والعصرنة، سيتم تسييره مباشرة من طرف شركته، التي لها خبرة كبيرة في التسيير، كما سيتم استحداث مناصب شغل جديدة، وقال إن الأسعار ستتوافق مع نوعية الخدمات المقدمة، التي ستكون فخمة، حيث ستتراوح الأسعار بين 70 ألفا للأجنحة العادية، و270 ألفا لليلة الواحدة للجناح الرئاسي. مؤسسة سياحية عمرها أزيد من قرن أوضح السيد بلواهم بشير، مهندس معماري، متابع استشاري لأشغال الترميم، أن نزل سيرتا الكبير، الذي تحول إلى "بالاص"، شيد سنة 1912، حيث اختار له المصممون شكل الهندسة العربية الإسلامية، وما زال يحافظ على طابعه المعماري الأصيل، ويمتاز بموقعه في وسط مدينة قسنطينة، وكان يتألف النزل من أربعة طوابق و120 غرفة ومطعم رحب، صمم بهندسة معمارية مميزة، وهو يطل على مناظر خلابة للمدينة، كما كان الفندق يضم قاعة اجتماعات، رواق لعرض منتجات الصناعة التقليدية والفنون الجميلة والأزياء، وكان يتربع وقتها على مساحة 1895 متر مربع، منها 1049 متر مربع مبنية، أُضيفت له، خلال عمليات تركيز وتهيئة سابقة، مساحة 500 متر مربع لإقامة مسبح وحضيرة للسيارات. وحسب السيد بلواهم بشير، الذي بدأ في متابعة الأشغال منذ 2013، فإن الفندق عرف أشغال ترميم وتوسعة، حيث تم الترميم على مرحلتين، مضيفا أن أشغال التوسعة انطلقت سنة 2017، حيث تم إزالة بعض المباني وترحيل السكان، وما رافقه من تعويضات، قبل الانطلاق في أجزاء التوسعة وتهيئة الطريق، بعد غلق مدخل شارع "رحماني عاشور"، وتحويل حركة المرور من وراء الفندق. أول بناية تنجز بالإسمنت المسلح انطلق بناء فندق "سيرتا" سنة 2010، وتم افتتاحه سنة 1912، ضمن عدد من المشاريع الكبرى بقسنطينة، لاستقطاب أكبر عدد من السياح، الراغبين في مشاهدة جسري سيدي راشد وسيدي مسيد، حيث تمت الأشغال باستعمال المواد التقليدية، وكان، وقتها، عبارة عن بناية بطابق أرضي وطابقين علويين، مع وجود قبوين أسفل الفندق. الفندق عرف أشغال توسعة عام 1922 وبداية سنة 1923، إلى غاية 1926، حيث تم توسعة البناية وتحول إلى فندق عصري، ليكون أول فندق عصري بالجزائر، في ذلك الوقت، بعدما بات يضم بعض الخدمات الفخمة، على غرار التدفئة والهاتف، وتحول إلى فندق بطابق أرضي وأربع طوابق علوية، حيث تمت أشغال التوسعة، على عكس المرحلة الأولى، باستخدام الإسمنت المسلح، من طرف الشركة العالمية "فرنسوا هينوبيك"، التي اضمحلت لاحقا سنة 1968، ضمن أول عمليات استعمال هذه المواد في البناء عبر العالم. شراء أرشيف الفندق من فرنسا أوضح المهندس بشير بلواهم، أن شركة الاستثمار الفندقي، قامت بشراء أرشيف الفندق، حيث سافر عدد من إطارات الشركة والمختصين إلى فرنسا، وتم اقتناء كل الوثائق التي تخص هذا الصرح السياحي، بما فيها كراس الورشة، لمعرفة كل كبيرة وصغيرة بخصوص أشغال الإنجاز وقتها، حتى يتمكن المختصون المتابعون لمشروع الترميم والتوسعة، من وضع قاعدة بينات محكمة، والتدخل بطريقة محترفة، مضيفا أنه تم التنقل إلى الشارع الدولي الهندسة المعمارية بباريس، أين تم اقتناء الوثائق الخاصة بالفندق، الذي تمت أشغال ترميمه الأخيرة من طرف شركتين صينيتين، وقال إن العملية كانت تحت مراقبة وزارة الثقافة، من خلال الديوان الوطني للتسيير واستغلال الممتلكات الثقافية المحمية، والوكالة الوطنية للقطاع المحفوظ، إذ تم الحفاظ على روح المدينة القديمة في ديكور الفندق، خاصة من خلال توزيع القطع النحاسية. الفندق كان مهددا بالزوال كشف المهندس المعماري بشير بلواهم، أن أول الضربات التي تلقاها الفندق؛ حادث الحريق الذي تعرض له سنة 1990، حيث تخربت قاعة السنيما بشكل كبير، مضيفا أن حالة البناية تدهورت كثيرا سنة 2015، وكانت وضعية الفندق في حالة حرجة، وكان من الممكن أن تخسر قسنطينة هذا الفندق، ما استدعى طلب خبرة من طرف مخبر مختص، أكد على ضرورة تدعيم أساسات هذه البناية، وقال إنه تم اللجوء إلى استعمال الهياكل الحديدية للحفاظ على هذا المعلم التاريخي والثقافي، وكذا استعمال ألياف الكاربون، من أجل تقوية هيكل هذا الصرح السياحي، مضيفا أن الأشغال كانت جد مرضية ومطمئنة، ما سمح بالانطلاق في أشغال الترميم الأخرى والوسعة بأريحية. ... حافظ على طابعه المعماري المورسيكي أوضح المهندس بلواهم بشير، أن مشروع تهيئة وترميم فندق "سيرتا"، كلفت مبلغا إجماليا في حدود 7 ملايير دينار، بين الدراسة والإنجاز، مضيفا في دردشة مع "المساء"، أن عملية التهيئة ركزت على الفخامة والراحة، وأن الفندق بات يضم 54 جناحا، بتصنيف "5 نجوم" أو ما يعرف في عالم الفندقة ب"البالاص"، مع إعادة فتح المطعم المدرج، الذي كان قاعة سينما سابقا، إضافة إلى فتح مطعم كل الأيام وقاعة المسرح، واستحداث قاعة رياضة ومسبح خارجي وقاعة "صونا"، وكذا حضيرة السيارات، مع تجهيزه بتدفئة مركزية و9 مصاعد، بعدما كان يضم مصعدا واحدا، الكهرباء المركزية، التسيير المركزي وحاسوب الغرف، مع الحفاظ على الطابع المعماري المورسيكي القديم، الذي يجمع بين الفنون الإسلامية، الأندلسية والمحلية، ويتميز بالزخارف النباتية المعقدة، أو ما يعرف بفن "الأرابيسك"، مع استخدام القوس وحدوة الحصان والعقود والزليج الملون وكذا الفسيفساء والخطوط العربية. وحسب المهندس بشير بلواهم، فإن الفندق حافظ على واجهته القديمة، بتوصية من وزارة الثقافة، التي رافقة أشغال الترميم، خاصة وأن الفندق كان يقع في محيط التراث المعماري المحمي، والمصنف ضمن المدينة القديمة لقسنطينة، حيث لم يسمح بتغيير أي تفصيل ولو صغير بواجهة هذا الفندق، وتم تهيئته وفق النمط المطابق للنمط القديم، مع اعتماد مهندسي الديكور في الجانب الداخلي، على الدقة في وضع التفاصيل التي تبرز للسائح وتضعه في جو يشعر من خلاله أنه داخل مدينة قسنطينة، حيث تم وضع ديكورات من الخشب المنقوش والأواني النحاسية، وفوانيس تشبه فوانيس المساجد القديمة، مع الحرص على تعطير المكان بعطر من باب المدخل إلى غرفته وسريره، بزهرة البرتقال، المشهورة في ولاية قسنطينة، والتي يصنع منها ماء الزهر. آلة عصر بُن ب700 مليون وقهوة بعبق المدينة القديمة ركز القائمون على تسيير فندق "سيرتا"، على الجانب التقليدي في تجهيز مدخل هذه البناية السياحية، من خلال وضع مكان المقهى في أول الرواق، أين تداعب رائحة البن، حاسة شم كل زائر، وتجذبه بطريقة غير مباشرة لتناول فنجان من هذا المشروب، وحمل الزائر بشكل معين إلى مقاهي قسنطينة العتيقة بالمدينة القديمة. وحسب مصادر من شركة الاستثمار الفندقي، فقد تم استيراد ماكينة عصر بُن، فريدة من نوعها، حيث تم جلب نسختين من دولة إيطالية، تكلف كل ماكينة حوالي 700 مليون سنتيم، وهي عبارة عن آلة في حدود 80 سنتمترا، في شكل أنبوب بلون ذهبي، وذراعين يدويين لعصر البن وتشبه كثيرا الآلات التقليدية القديمة، مع التركيز أيضا على البهو، الذي تم إنجازه بمواد أولية فاخرة، على غرار الرخام، حيث تجاوزت أحيانا 100 دولار للمربع الأرضي الواحد، والذي يكون تقريبا بحجم "0.5X 0.5 متر".