ما الذي يجعل الحديث عن شاعر و مثقف و إنسان و رجل قانون محنك مثل عبد اللطيف بن شهيدة، يشبه الكلام عن إحدى حدائق وهران المدهشة، المستلقية بهدوء وسط المدينة أو على أطرافها مثل نساء لوحات بيكاسو المثيرة، ما الذي يجعل الحديث عنه مثل العودة إلى مرتفعات «لي فاليز» المدوخة لمشاهدة الأمواج العالية المرتجفة، تقفز منذ الأزل عند أقدام وهران راجية أن تمد لها ذراعك كي تصعد وتدخل المدينة من جهتها الشرقية. هكذا هو الحديث عن الأستاذ عبد اللطيف بن شهيدة وعن شعره بالفرنسية والعربية . مخطئ من يظن أنه سقط من الذاكرة . ألم يعبُر قرنا كاملا 1905-2000 بجلال الحياة، ويعبر مدنا كثيرة من «مستغانم» حيث رأى النور والبحر والمقعد الأول والسبورة الأولى، ثم تلمسان والدراسة الثانوية، ثم الجزائر العاصمة ليحصل على شهادة ليسانس في «الآداب الجميلة»سنة 1926، وليفوز من وهران بليسانس في الحقوق ثم تفوز به وهران؟! كم كان حظي طيبا إذ تعرفت عليه في التسعينات، وجمعت بيننا الصداقة والشعر، وتعلمت منه الحكمة والتواضع. ومازلت أحتفظ بكثير من الاعتزاز بالقصيدة التي أهداها لي وقرأها أمام الحضور. ولأن مصابيح دواخل البشر تنير مظاهرهم الخارجية أو تطفؤها، فإن عبد اللطيف بن شهيدة الشاعر والإنساني، والمحامي الذكي، المتسامح، المبتسم دوما، الأنيق، المتجدد فكرا، كان -و هو الشيخ- أكثر شبابا من هريمي الروح والأفكار. لقد أدخل عبد اللطيف بن شهيدة قناديل الشعر إلى رمادية المحكمة. كان يرافع في المحاكم بلغتيه العربية والفرنسية الفصيحة ويقنع غالبا. أصبحت مواعيد مرافعاته تجذب الناس من خارج المحكمة، والذين لا علاقة لهم بالقضية المتداولة، يملؤون قاعة قصر العدل ليستمعوا إلى مرافعة «الميتر عبد اللطيف بن شهيدة» الشاعر. المعجبون يملؤون القاعة و كأنهم في دار الأوبرا يحضرون مسرحية لشكسبير أو سعد الله ونوس!! أمام أبصارهم المشدودة يقف عبد اللطيف بن شهيدة المحامي المحنك بالسنين والتجارب العارف بالقوانين ومنعرجاتها الخطيرة، دون أن يتجاهل شجرة الشعر وثمارها فيضمن مرافعاته التي تأسر بأشعار أبي فراس الحمداني، أو المتنبي، أو ابن الرومي، أو معروف الرصافي، أو لامارتين، أو دو نيرفال- وخاصة في كتاباته حول تجربته في الشرق وتركيا - أو فيكتور هيغو. تأتي استشهاداته الشعرية في مكانها المناسب من المرافعة دون زيادة أو نقصان، حتى أنك تحس أن ذلك المقطع الشعري كان الأساس في ربح قضية الخلاف المرفوعة. عبد اللطيف بن شهيدة لا ينتصر سوى للشعر الكلاسيكي في اللغتين العربية والفرنسية، لأنه ينتصر للموسيقى الخارجية والقافية، ولما لهما من تأثير على الإلقاء، والخطابة، والإيقاع، والوقع على السماع. حتى يكاد يجعلنا نؤمن أن الشعر الموزون المقفى خلق للمرافعات في المحاكم . ولأن لا شيء يقف في وجه شاعر متمرد على الرمادية الجافة في لغة القانون، فإن عبد اللطيف بن شهيدة لم يثنه غياب نوادي المحامين والأدباء والمقاهي، أن يحول مقهى ( قصر العدالة) إلى فضاء لحلقات ثقافية وفكرية وقانونية، يشارك فيها و بشكل عفوي و متواصل مجموعة من أهم محاميي وقضاة المدينة و الناحية المهتمين بالثقافة و الفكر و الأدب من أمثال ميتْر غوادني، إلى الطيب فراحي، وماحي باهي، وامحمد فرحات، و حبار وغيرهم من المحامين والقضاة و أساتذة القانون. يجتمعون ويتحاورون ويتناقشون و يقرؤون الشعر، حتى أن نادل المقهى أضحى يعرفهم جيدا واحدا واحدا، يعرف رغباتهم و يحفظ طلباتهم بين قهوة وشاي و قنينة موزاية أو سعيدة، ويقول مستنكرا وبروح ساخرة وهو يضع السكر في فنجان ولا يضعه في آخر : - القضايا نتاع المحاكم ما تجيب غير الضغط والسكر.! - ... و الشعر أيضا لكن عبد اللطيف بن شهيدة صاحب كتاب «آرابياد» بالفرنسية و «المقادير» بالعربية وغيرها من مخطوطات كثيرة لم تَر النور، ظل يعبُر القرن ببهاء. كان فريدا في طريقة مزجه الخطاب الشعري بالقانوني، الحلم بالصرامة، وهو المنتمي إلى جيل ابن شنب، هذا الجيل المتميز بثقافته المزدوجة العالية، والذي بدأ بستانه في أيامنا العجاف هذه، يفقد جل أشجاره. هذا الجيل الذي لم تكن اللغة تشكل عقدة ولا حاجزا نفسيا أو حضاريا لديه. مازلتُ أذكر أن الأستاذ عبد اللطيف بن شهيدة كان يحدثني بحماسة و حب عن الشاعر لامارتين يسوق من شعره أمثلة مثيرة، وبالاهتمام نفسه يتحدث عن الشاعر العربي ديك الجن و يستظهر من جميل الشعر الكثير لهذا وذاك. فسلاما لروحك الرقيقة أيها المثقف الاستثنائي.