كارثة.. وفاة 5 أشخاص في انهيار عمارة بالعاصمة!    حريق يلتهم 34 محلا تجاريا داخل السوق المغطاة في عين الدفلى    إيداع رجل الاعمال يسعد ربراب رهن الحبس المؤقت    جلسات مغلقة في قاعة شبه فارغة    أي مخرج لمأزق السلطة في الخرطوم؟    أصابع الاتهام توجه إلى جماعة إسلامية غير معروفة    قايد صالح في زيارة عمل وتفتيش إلى الناحية العسكرية الأولى    توقيف 26 منقبا عن الذهب بتمنراست وعين قزام    الحجوزات لم تتجاوز 5 بالمائة    وزارة التعليم العالي‮ ‬تنفي‮ ‬دخول الطلبة في‮ ‬عطلة إجبارية    أئمة المساجد‮ ‬يدعون لتأجيل الإنتخابات الرئاسية    لجأ للمغالطات لينسب إنتصارات دبلوماسية إلى نفسه    لالماس‮ ‬يقترح حلولاً‮ ‬للأزمة‮ ‬    إجراءات رقابية لمنع تحويل الأموال إلى الخارج    توقيف رجال أعمال وعسكريين واستدعاء اخرين    لترقية معارف الطالبات بتيارت‮ ‬    حمراوي‮ ‬بهدلوه‮ ‬في‮ ‬الطائرة    قيمة بن ناصر تقارب ال20‮ ‬مليون أورو    هجوم إلكتروني‮ ‬على‮ ‬إير ألجيري‮ ‬    هكذا تتأثر أزمة النفط بحراك الجزائر    بن مسعود يشدّد على مراقبة مؤسسات إنجاز الهياكل السياحية    أمن الجلفة يطيح بمروّجي سموم    لصوص سطوا على منزل بقرواو في قبضة الدرك    النقل الجوي في ارتفاع بفرنسا ووجهة الجزائر في تراجع    برنامج توعوي للوقاية من تعقيدات الأمراض المزمنة    حملة تحسيسية حول مرضى السكري وارتفاع ضغط الدم    "الصام" تلعب مصيرها وتصر على النقاط الثلاثة    غيث أفريل يُغيث المحاصيل    تأخر وصول لوازم التهيئة يرهن تسليم مشروع توسعة المطار    نهاية الإضراب    المحامون بمجلس قضاء وهران ومختلف المحاكم يقاطعون العمل القضائي لليوم الرابع    المال العام.. تصرف السفهاء    الإطاحة بعصابة من ولاية مجاورة تسطو على لوازم السيارات ليلا بمعسكر    مصالح الدرك الوطني تتدخل لفتح مقر بلدية سيدي بختي    فسخ العقود مع 65 مستفيدا    سلوكات لا تخدم السلمية    دِفاعًا عن المسرح ..    هل يحرر الحراك المسارح من عصابات المصالح؟    حراك المجتمع الأدراري وبداية تشكل الوعي السياسي والاجتماعي    14 مصابا يلتحقون بذويهم ومناصران تحت الرقابة الطبية باستعجالات تيزي وزو    وهران تنظم سباقا مفتوحاعلى مسافة 16 كيلومتر    الأسرة في الإسلام مبادئ وقوانين    هل نظرية الانفجار العظيم صحيحة؟    كيف نقرأ هذا البحث على ضوء القرآن؟    الانتهاء من رسم مسار السباق    ننتظر حصادا وفيرا من رياضيينا بعد تسليم المنشآت المتوسطية عام 2020    نصب تذكاريّ للملك سيفاكس ببني صاف    6973 سائحا منهم 429 أجنبيا في الثلاثي الأول 2019    حفناوي الصيد يمثل الجزائر    أول منصة عربية للتواصل الاجتماعي    الثعابين تطرد جورج ويا من مكتبه    بعد افتكاك الأديبة أسماء مزاري‮ ‬المرتبة الأولى عن قصة‮ ‬حقوقهن‮ ‬    نعيجي يتجه للتتويج بلقب هداف الدوري الجزائري    تسجيل‮ ‬3‮ ‬حالات خلال هذا الموسم    الشيخ شمس الدين”العقيقة هي نفسها بالنسبة للذكر أو الأنثى”    ‘'القدم السكرية" في يوم دراسي    الصحة العالمية تحذر من وباء الحصبة    أهازيج الملاعب تهز عرش السلطة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الفتى العكّاوي
نشر في الجمهورية يوم 04 - 03 - 2019


بيروت 8 يوليو 1972..
تستيقظ المدينة على صراخ وعويل غادة المفجوعة، تبكي الحازمية وجعها، تلبس المدينة الحزينة لباس الحداد، تتوشح بأكاليل من الياسمين، تودع بعيون دامعة عريس مدينتها المسجّى...
ينزل الخبر على غادة كالصاعقة، قيل لها:
الرّجل أشلاؤه ممزقة، وذراعه فوق غصن الشّجرة ينزف عطرا، وأحلامه الكبيرة اغتيلت و..و...، غادة لم تصدق الخبر، وقد اهتزّت الأرض من تحت قدميها، ثم راحت تعيد شريط ذكرياتها معه.
غسان لم يكن لها سوى الوطن الجريح، والحلم الأبدي المتجدّد بين حنايا الذاكرة، غسان كان فلسطين، وكان البلبل الذي يغرد في سمائها، والوجع المتنقل بين الضّفة والأخرى، يحمل فلسطين في قلبه، وعلى ظهره حيثما حل به المطاف، وأين أرست سفنه الشراعية يسكن وجعه.
كان يقول لها في رسائله:
«أنتِ في جِلدي، وأحسّك مثلما أحس فلسطين، ضياعها كارثة بلا أي بديل، وحبّي شيء في صلب لحمي ودمي، وغيابها دموع تستحيل معها لعبة الاحتيال».
كان حينما يتكلّم ترخي سمعها مندهشة حالمة ،وهو يتحدث عن الوطن الجريح، يكشف أمامها خارطة فلسطين، ويضع قلمه وسطها قائلا:
هنا كنت أسكن، وهنا بيافا ترعرعت، ومن هنا هٌجّرت إلى جنوبي لبنان، وإلى دمشق ارتحلت، ومع هذا الترحال كبر الوجع والحنين، وعذبت هنا وهناك....
تقول غادة وهي تنوح كحمامة مهيضة الجناح:
آه غسان ..البارحة ...
البارحة استقبلتك بكثير من الفرح، واليوم وقد تملّكني الخوف أفْجَع فيك، وما بقي منك إلاّ ذراعك مرمياً ينزف دماً، وساعتك في المعصم تدق وتدق، وصوت درويشي يردّد في سمعي غاضبا:
«سقطت ذراعك فالتقطها
واضرب عدوك لا مفر
وسقطت قربك فالتقطني
واضرب عدوك بي
فأنت الآن حرُ
و حرُ و حرُ»
يتواصل أنين غادة من الوجع، وهي تصرخ قائلة:
غسان ...آه غسان ...
غسان عاشق ثائر، وخائب مثل الملايين في هذا العالم، وهو الذي جمع بين حبين كبيرين، حبّ الأرض وحبّ امرأة.
كانت تقول دائما لصديقتها رولا:
«نعم. كان ثمّة رجل اسمه غسان كنفاني» الرّجل الذي أقلق راحتي، وأقلقت وجدانه، رجلا أستعيده في ذاكرتي التي يسكنها حياً، وهو الذي أتعبته علب الدُّخان، وامتلأ صدره بدخانها الملوث. هو الرّجل الذي أنهك جسده المريض بالنقرس، وإبر الأنسولين الشيطانية التي تغرّز في وجعه، وهو الطفل المشاكس الذي حرم من بيت في وطنه ومن وطنه، ولم يسمح له العدو بالحياة، ففجره إلى أشلاء فتناثر عطره يملأ الأرض ...فلسطين. ترفع سماعة الهاتف وتتصل.. تتصل وتتصل ولا أحد يجيب، لا أحد يخمد ثورة بركانها، لا أحد يسكن لوعتها، ويطفئ لهيب حرقتها، لا أحد يكفكف دمعها، لا أحد يضمها إلى صدره، لا أحد ... لا أحد... تبتسم غادة في حالة من الهستيرية كالمجنونة التائهة في شوارع دمشق، وهي تبحث عن وجه غسان بين الوجوه، لعلها تراه. كل العيون من حولها دامعة، والوجوه حزينة، والمدينة شاحبة تلبس لباس الحداد، الحازمية ترثي وجعها، وتتخذ من قلمه وكوفيته تمثال حرّيتها، الرّجل لم يمت فكل المواليد سميت باسمه، وغادة مازالت تجوب شوارع المدينة التي تشهد على حبها ووجعها وأحلامها، تبحث عنه في حاراتها الدمشقية بالقلعة، والجامع الأموي، وقصر العظم، وقصر الخضراء..
وغسان لم يعدّ بعد، وظلّت عقارب الساعة تدق وتدق وتدق.. وأنغام فيروز تملأ الفضاء الرّحب الذي ضاق في عيونها....
و بأيدينا سنعيد بهاء القدس...
بأيدينا للقدس سلام....
بأيدينا للقدس سلام...
كانت تقول لها:
كنت أغتسل وجعي بعرق الوطن الذي ينزّ من جبينه، وأشمّ رائحة الأرض على صدره، وأعشق رجلا دون كيشوتيا أحببته وعشقته على الورق.
آه أيها الفتى العكاوي...
غسان لم أجدك، ولم أجد جسدك مسجى ينتظر الصلاة، غير أنه كان ثمّة رجل اسمه غسان كنفاني في حياتي، ورحل في 8 يوليو 1972، والمدينة ترفع عزاءك إلى السماء قائلة لي:
« إنِ اشتقتِ يوماً لقبر حبيبِكِ، مُرّي به في الصباح
وصُبّي عليه من الدمعِ، صُبّي من الدمع فوق الترابِ،
مصابك فوق الذي نستطيعْ
ستخرجُ عكّا إلى السهل، رافعةً كفَّها للسماءْ.
ألاّ من رأى وجه كنعان، في أيّ منفى، نقيم العزاءْ؟!!»


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.