بدأت الكفاح المسلح وعمري لم يتجاوز العشرين سنة و الثورة صنعها الشباب قلت لقاض فرنسي أننا سنستقل و سيصبح بلدكم صديقا لنا مستعد لحمل السلاح مجددا من أجل وطني و القيادة السياسية و العسكرية للبلاد لا يهمها سوى خدمة الشعب جبهة التحرير الوطني حزب تاريخي و اسمه لا يزال يخيف العديد من دول الجوار في إطار الاحتفالات المخلدة لذكرى الفاتح نوفمبر المجيدة ارتأت جريدة "الجمهورية" أن تجري سلسلة من اللقاءات و الشهادات التاريخية مع مجموعة من الشخصيات الثورية و النضالية التي حفرت اسمها في سجل زعماء هذه الأمة المجيدة الذين حرروا الجزائر من نير الاستعمار، و قد بدأنا هذه السلسلة مع المجاهد الكبير السيد غالي محمد و لمن لا يعرف هذا الرجل فإن عمي غالي محمد المدعو "الزعيم" هو مجاهد كبير و معروف على المستوى الوطني، تهابه فرنسا الاستعمارية و لاتزال إلى اليوم تتذكر جيدا أنه كان من بين الكثيرين الذين مرّغوا أنفها في الوحل أيام الثورة الجزائرية المباركة... عمي "الزعيم" لمن لا يعرفه تحدى كذلك الموت، حيث نجا منه في العديد من المرات، و لم تتمكن رصاصات الجيش الفرنسي الغادرة من إسقاطه و إصابته إصابة توقفه عن الجهاد و الكفاح الثوري المظفر. الشباب وقود المعجزات التقينا به في منزله، وجدناه كالعادة بشوشا و مبتسما، رحب بنا و أكد لنا أنه يحب كثيرا الشباب الجزائري المثابر و الحيوي، باعتباره الوقود الحقيقي الذي فجر الثورة التحريرية المجيدة، و روى لنا عن بداياته الأولى في ميدان النضال و الكفاح المسلح، حيث قال إنه التحق بالثورة في 1955، كان فدائيا و قام بالعديد من العمليات العسكرية الناجحة ضد فرنسا في سيدي بلعباس و لاسيما في رأس الماء، ثم "صعد بعدها إلى الجبل رفقة الثوار و المجاهدين حتى تمّ إلقاء القبض عليه من قبل العدو الفرنسي، بعد وشاية من قبل أفراد عرش رفض الكشف عن اسمه و هوية أصحابه في سنة 1959، باعتباره كان مقاتلا شرسا و عسكريا صنديدا، و أضاف السيد غالي محمد الضابط السابق في جيش التحرير الوطني، بأسى و حزن كبيرين، أن فرنسا قتلت جميع إخوته بشكل وحشي، مؤكدا أن هذا الأمر دفعه إلى مواصلة الجهاد ضد الفرنسيين حتى تحقيق النصر. و روى لنا هذا المجاهد الكبير، كيف أنه واجه قاضي المحكمة الفرنسية في سنة 1960، بشجاعة و بسالة منقطعة النظير، حيث قال لنا في هذه الشهادة التاريخية، إنه لما نطق القاضي بالحكم ضده، وجاءه المترجم و ترجم له ما نطق به هذا القاضي قائلا له "إن سيّدك أدانك بحكم الإعدام، المؤبد والأعمال الشاقة حتى الموت في زنزانتك"، رد عليه عمي "الزعيم"، أمام المساجين و الحاضرين في المحكمة "هذا سيّدك أنت و ليس سيدي" و "أمّا بخصوص فرنسا فلن تبقى ثلاث إلى أربع سنوات لنستقل عنها و تخرج نهائيا من الجزائر و نبقى إخوة معها"، حينئذ سأل القاضي عمي غالي، من قال لكم هذا الكلام فأجابه هذا الكلام قاله لنا رئيسنا فرحات عباس، وقتئذ ضحك جميع من كان في قاعة المحكمة، على هذا الكلام – يقول هذا المجاهد الكبير- ظنّا منهم أنني قلت كلام مجانين أو معتوهين، ليتحقق الوعد الصادق و خرجت فرنسا الكولونيالية مهزومة مدحورة، بفضل تضحيات الشهداء و الرجال المخلصين، و أضاف نفس المتحدث أنه بعد هذه المحاكمة الجائرة تم تحويلي إلى سيدي بلعباس لأدخل في إضراب لمدة 8 أيام، ثم بعدها إلى وهران حيث وجدنا كذلك الجميع مضربا و غاضبا من سياسة فرنسا الحاقدة ضد الجزائريين، ثم حوّلت بعد ذلك إلى سجن الحراش حيث خرجت منه إلى غاية الاستقلال في 1962. حدود الوطن خط أحمر التحق عمي غالي في سنة 1963 بصفوف الجيش، و تحديدا بالعشاش الواقعة بالحدود الجزائرية المغربية، و صرح لنا أنه يتذكر جيدا الاعتداء الذي ارتكبه المغاربة على ترابنا الوطني أو ما يعرف إعلاميا ب "حرب الرمال"، التي قال بشأنها إنه قتل فيها 400 عسكري جزائري، مؤكدا أن الجزائريين وقتها كانوا يقظيين و منتشرين على طول الحدود التي تربطنا بالمغرب، و أن هذا الغزو كان مدروسا بطريقة جيدة، حيث صرح أن المسؤولين المغاربة أدركوا أن هذا التوقيت مناسب لضرب الجزائر بعد خوضها حرب طويلة و منهكة، ليؤكد "الزعيم" أن الأمر مختلف اليوم لأن بلدنا بات اليوم آمنا و أصبحت لدينا دولة و مؤسسات مستقرة و قويّة، مشددا أن الحرب ليست حلاّ مناسبا و ملائما للجانبين، وأنه يجب تحكيم لغة العقل و الحوار لتفادي كل ما من شأنه تدمير البلدين الجارين، مشيدا بالسياسة الحكيمة للمسؤولين الجزائريين الذين يريدون تفادي كل ما من شأنه تعفين الأوضاع و تصعيد الأمور، و لكنه عاد ليؤكد بأن الجزائر خط أحمر و أن كل من يُصِب البلد بأي أذى سيتم سحقه كما تم سحق فرنسا في السابق و الإرهاب في العشرية الدموية القاتمة، مبررا ذلك أنه في الاعتداء الأول الذي اقترفته المملكة المغربية على وطننا، لم يكن لدى الجيش الجزائري أسلحة قوّية و فتاكة بخلاف اليوم التي تغيرت فيه الأمور و باتت مؤسستنا العسكرية يضرب لها المثل في نوعية التسليح، الانضباط، الاحترافية و القتال... إلخ، منتقدا في سياق آخر، قيام المغرب بإغراق بلدنا بكل أشكال المخدرات، مقابل حصوله على الوقود و الماشية الجزائرية بسعر رمزي مما يتسبب - حسب عمي الزعيم - في تدمير الاقتصاد الوطني، مؤكدا عدم قبوله المساس بالتراب الوطني و أنه مستعد لحمل السلاح مجددا من أجل أرض المليون و نصف المليون شهيد. إشادة بالسياسة الحكيمة للمسؤولين و أثنى السيد غالي محمد، في نفس المضمار على السياسة الحكيمة لرئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة و كل الشخصيات الوطنية التاريخية التي تركت بصمتها في سجل أشاوس و عظماء هذا الوطن المفدى، على غرار الزعيم الراحل هواري بومدين، المرحوم أحمد بن بلة، و حتى حسين آيت أحمد و نائب وزير الدفاع الفريق قايد صالح... إلخ، الذي قال بشأنهم جميعا، إن الكرسي و المسؤولية لا يهمهم بقدر ما تهمهم الجزائر التي كافحوا و ناضلوا من أجلها أيام الاستعمار البغيض لبلدنا، و قال إن الوطن بحاجة إليهم اليوم لتأطير الشباب و توجيههم إلى الطريق الصحيح، ليعود بعدها إلى الحديث عن بدايات كفاحه العسكري المسلح، الذي قام به ضد الجيش الفرنسي، حيث صرح أن أول عملية قام بها كانت في رأس الماء سنة 1956 ، ثم عملية فدائية أخرى في سنة 1958 وصفها بالناجحة وجرح فيها جنديين جزائريين، بالإضافة إلى ضربات عسكرية نوعية أخرى في الجبال، و قال لنا إنه يتذكر جيدا فصول عملية ناجحة خطيرة شارك فيها، تم على إثرها استهداف 3 سيارات عسكرية فرنسية، إذا قال له أحد الفدائيين الجزائريين قبل تنفيذها، من فضلك "الزعيم" إحمل هذه القشابية في مكاني، فقال له إحملها بمفردك، ليرد علييه و بصريح العبارة هذا الشخص "... راهي سابقتلي اليوم" و لما ضربنا هذا الرتل العسكري - يقول عمي غالي - نجا منه جنديين فقط و استشهد هذا الفدائي في هذا الكمين الذي تمّ في ليلة شديدة البرودة، حيث صرّح لنا أنه حتى الزبدة التي سلّمت لنا كانت تسقط من أيدي المجاهدين بسبب عدم قدرتهم على تحريك أصابعهم من شدة الصقيع، و أضاف لنا أنه بعد تنفيذ العملية، انتقل هو والمجاهدين الذين كانوا معه إلى منطقة أخرى حيث قطعوا العديد من الكيلومترات مشيا على الأقدام ليجدوا أنفسهم في ضواحي ولاية تلمسان، و هو ما يؤكد أننا كنّا نواجه الموت يوميا و لا نخشى الاستعمار الفرنسي المدجج بالأسلحة الثقيلة، و كشف لنا أنه أصيب في العديد من المرات بإصابات خطيرة في جسده، نتيجة استهدافه برصاص الاستعمار الفرنسي الحاقدة، و لكنه بالرغم من ذلك لا يزال حيّا بمشيئة الله و هاهو اليوم يبلغ من العمر 81 عاما ( مولود في سنة 1932) و لا يزال على استعداد لمواصلة رسالة الجهاد والكفاح ضد كل من تسول له نفسه المساس بأمن و استقرار الجزائر، لينتقد في سياق آخر، تصرفات بعض الحركى و العملاء الذين كانوا يتعاونون مع الغزاة الفرنسيين ويقدمون لهم المعلومات عن تحركات الجنود الجزائريين، مضيفا أنه و زملاؤه كانوا واثقين من الانتصار على فرنسا، لاسيما الضباط و القادة العسكريين، و السياسيين الذين كانوا يتفاوضون مع نظرائهم الفرنسيين في مختلف العواصم الأوروبية، و صرح لنا في سياق آخر أن الزعيم الراحل هواري بومدين كان صديقه أيام الثورة التحريرية المظفرة، كاشفا لنا عن سبب تسميته باسم هواري بومدين، حيق إنه أنه لما قدم إلى وهران للاطلاع على أحوال الثورة هناك كان يعتقد أن هذه الولاية ليست منظمة جيدا من الناحية العسكرية و أنه لا يوجد فدائيين فيها، و لكنه تفاجأ بوجود تنظيم محكم و فدائيين على أهبة الاستعداد لضرب مصالح العدو الفرنسي، و لما سألهم الرئيس الراحل عن المكان الذي كان يتواجد فيه آنذاك قيل له هنا سيدي الهواري، فسمى نفسه الهواري، و لما توجه إلى تلمسان سمّى نفسه بومدين تيّمنا بالولي الصالح سيدي بومدين، ليصبح إسمه الثوري و الكفاحي هواري بومدين... سبب تسميته ب "الزعيم" ودعا في شهادته الحيّة، الشباب الجزائري إلى أخذ العبر من أسلافه المجاهدين والثوار مؤكدا أنه لا يزال هناك رجال مخلصين و أكفاء يسيرون البلاد، مضيفا أن المسؤوليين السياسيين و العسكريين الحاليين على غرار الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، نائب وزير الدفاع الفريق قايد صالح، الوزير الأول عبد المالك سلال و آخرين، لا يَجرُون وراء مصالحهم الشخصية، بل على مصلحة الوطن و الشعب فقط، و أنه من حسن الحظ أننا لسنا ملكية سلطوية بل جمهورية ديموقراطية شعبية، و أكد لنا أنه لما كان في الجبل رفقة أصدقائه المجاهدين تعاهدوا على حفظ سلامة الوطن و تقاسم خيراته بالعدل و المساواة، مشيدا بالجيش الوطني الشعبي، الدرك الوطني و مصالح الأمن الساهرين على حماية الوطن، مقدما مثال على الحملة الكبيرة التي يقوم بها هؤلاء الرجال لمحاربة كل أشكال استهلاك و تهريب المخدرات، الإرهاب، الفساد و تأمين حدودنا الشاسعة من كل عدوان محتمل على ترابنا الوطني، و عن سبب تسميته "الزعيم" أكد لنا أن هذه التسمية ثورية و جاءت بعد تنفيذه لعملية عسكرية ناجحة و نوعية ضد الجيش الفرنسي لاسيما و أن عمره لم يكن يتجاوز آنذاك العشرين عاما، و هو ما يؤكد فعلا -حسبه - أن الشباب الجزائري هو من نجح في طرد الاستعمار الفرنسي من بلادنا، محذرا من مغبة عدم الحفاظ و احترام رسالة الشهداء، حيث قال إن الجزائر مثل شجرة التفاح أوراقها و ثمارها يانعة و أن كل من يتجرأ على المساس بها و التلاعب بمصير شعبها فإن جذورها المليئة بالأشواك السامة و القاتلة ستصيبه إصابة بليغة ترديه قتيلا بمجرد المساس بها، لذا أوصى الجميع بالتضحية و المثابرة الدائمتين والمستمرتين للنهوض بهذا الوطن المفدى، مضيفا أنه سمع عن مجاهدين جزائريين كتبوا بدمائهم التي كانت تنزف من فمهم لحظة استشهادهم "تحيا الجزائر"، و هذا إن دل على شيء فإنما يدل يضيف عمي "الزعيم" على أن هذا البلد محفوظ، و شعبه عظيم و الرجال الذين يسهرون عليه، لا يريدون إلا الصلاح الخير لهذا البلد و أن كل من يخذل رسالة الشهداء سيواجه سيلا من المصائب و سوء الخاتمة و العاقبة نكالا بما قام من شرور تجاه وطنه وشعبه. تعزيز الثقة بين المواطن و المنتخبين من جهة أخرى استنكر عمي "الزعيم" جميع الدعوات المطالبة بإدخال حزب جبهة التحرير الوطني إلى المتحف، حيث قال بخصوص هذه النقطة إن "الأفلان" حزب تاريخي أحب من أحب و كره من كره، و أنه بفضله استطاعت الجزائر أن تكوّن العديد من الشخصيات السياسية المحنكة، التي أثبتت قدرتها على التفاوض مع الفرنسيين في مفاوضات إيفيان ...إلخ، مشيرا إلى أن جبهة التحرير الوطني حزب وطني و كل من يظن أنه انتهى و لم يعد صالحا لهذا الزمان فهو مخطئ، مؤكدا أن إسم جبهة التحرير يخوّف الجميع بما فيه جيراننا الذين يوجدون معنا في المحيط، حيث أنها تمكنت في ظرف سبع سنوات من تحقيق الاستقلال المنشود، ولدى تطرقه إلى مسألة الحقرة، التهميش و المحسوبية التي يشتكي منها الشباب الجزائري أكد المجاهد غالي محمد أن هذه الظاهرة ستختفي رويدا رويدا في السنوات القادمة، لاسيما و أن الدولة أثبتت عزمها و إصرارها على مكافحة هذه الظواهر الاجتماعية الخطيرة، داعيا الشباب إلى الانخراط في هذه العملية حفاظا على مكتسبات الدولة و دعما لجهودها المستمرة و المتواصلة في هذا المجال... خاتما قوله إنه على المنتخبين في مختلف المجالس الشعبية البلدية العمل على إنجاز المشاريع التي يحتاج إليها المواطن، لاسيما في الجزائر العميقة، حيث دعا إلى الاهتمام أكثر بتطوير و تحديث المرافق الصحية، المؤسسات التربوية، الفلاحة، تربية المواشي و حتى تحسين شبكة النقل و تحديثه... إلخ، الأمر الذي من شأنه تعزيز الثقة بين المواطن و المنتخبين الذين تجدهم يجرون وراء الناخب قبل الاستحقاقات و يتهربون منه بعدها و يغلقون مكاتبهم و هواتفهم كأنهم لم يحصلوا على أصواتهم طيلة أيام العمليات الانتخابية، و هو ما انتقده بشدة المجاهد و الزعيم الكبير محمد غالي.