أكد الخبير في التنمية الاقتصادية، الدكتور عبد الرحمان هادف، أن القرارات الصادرة خلال الاجتماع الدوري لمجلس الوزراء تعكس تحولا جوهريا في حوكمة الاقتصاد الوطني، مشيرا إلى أن الجزائر انتقلت من مرحلة الحوكمة الظرفية إلى حوكمة استراتيجية بعيدة المدى، تقوم على رؤية استشرافية تهدف إلى بناء اقتصاد متنوع ومستدام. وأوضح هادف، خلال استضافته اليوم الإثنين في برنامج "ضيف الصباح" للقناة الإذاعية الأولى، أن المشاريع المنجمية الكبرى، وعلى رأسها مشاريع الفوسفات، لا يمكن النظر إليها بمعزل عن جهود تطوير البنية التحتية، بل باعتبارها جزءا من منظومة اقتصادية متكاملة يتم إعدادها وفق رؤية شاملة، من شأنها تعزيز موقع الجزائر في الخريطة الاقتصادية العالمية. وأضاف أن هذه المشاريع ينبغي أن تُفهم في سياقها الاقتصادي الحالي، وما يمكن أن تحدثه مستقبلا من قيمة مضافة، من خلال المساهمة في الانتقال من نموذج اقتصادي ظل قائما لعقود على التبعية لقطاع المحروقات، نحو نموذج جديد قائم على التنويع، وخلق الثروة، وترقية الصادرات خارج المحروقات. وفي هذا الإطار، أبرز المتحدث الأهمية المتزايدة لقطاع المناجم، وخاصة الفوسفات، في ظل الأزمات العالمية المتعددة، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بالأمن الغذائي العالمي، باعتباره مادة أساسية في إنتاج الأسمدة الكيميائية الضرورية للزراعة، إضافة إلى استعمالاته في صناعات أخرى مثل الأدوية والمنظفات. وأشار إلى أن التحولات التي تعرفها الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد تمنح الجزائر فرصا كبيرة لتصبح من بين كبار المنتجين والمصدرين للفوسفات والأسمدة، خاصة مع التوجه نحو تثمين هذه الموارد محليا بدل تصديرها في شكل خام. كما لفت إلى أن السلطات العليا في البلاد تعتمد مقاربة جديدة في استغلال الموارد المنجمية، تقوم على التحكم في مختلف حلقات سلسلة القيمة، من الإنتاج والنقل إلى الخدمات اللوجستية والتسويق، وهو ما تجسد في تكليف رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، لوزير القطاع بضرورة تسريع وتيرة الإنجاز بهدف بلوغ مرحلة تصدير الفوسفات في آفاق مارس 2027 عبر منجم "بلاد الحدبة". واعتبر هادف أن هذا المشروع يعد من أبرز المشاريع الاستراتيجية، إذ يحتوي على احتياطات ضخمة تقدر ما بين مليار وملياري طن، ما من شأنه أن يمنح الجزائر قدرة تصديرية معتبرة ويعزز مكانتها في السوق العالمية. كما أشار إلى أهمية مركب "وادي الكبريت" بولاية سوق أهراس، الذي يُرتقب أن يلعب دورا محوريا في تحويل الفوسفات من مادة خام إلى منتجات ذات قيمة مضافة، خصوصا الأسمدة، في إطار دعم الصناعة التحويلية المنجمية. وفي السياق ذاته، أوضح أن الجزائر تمتلك قاعدة صناعية معتبرة في مجال تثمين الموارد المنجمية وصناعة الأسمدة، بطاقة إنتاج تتراوح حاليا بين 5 و7 ملايين طن سنويا، في حين لا تتجاوز حاجيات السوق الوطنية 200 إلى 300 ألف طن، ما يفتح المجال لتوجيه الفائض نحو التصدير. وتوقع الخبير أن تعزز الجزائر مكانتها إقليميا ودوليا كواحدة من أبرز الدول المنتجة للغاز والفوسفات، خاصة في ظل المشاريع الجارية التي يُرتقب أن ترفع طاقة الإنتاج إلى نحو 12 مليون طن سنويا من الفوسفات والأسمدة، وهو ما يمثل، حسبه، قفزة نوعية في مسار تنويع الاقتصاد الوطني.