يسير البشر منذ بداية الخليقة منطق طبيعي هو النوم ليلا والعمل نهارا قول الله تعالى: "وجعلنا الليل سباتا وجعلنا النهار معاشا"، إلا أن الحضارة الحديثة التي نعيش تحت تأثيرها الآن ابتكرت بيئة عمل على مدار أربع وعشرين ساعة، وهناك بالفعل أعمال مهمة ضرورية يتطلب فيها العمل الليلي كالمستشفيات وشركات الماء والكهرباء وأفراد الأمن في الشركات غيرها فهناك الكثير من الأفراد الذين يعملون أثناء الليل بشكل معاكس للطبيعة والعمل الليلي بطبيعته لا يؤثر على حياة الرجل كما يؤثر على حياة المرأة.لان المجتمع الجزائري مجتمع مفعم بالتقاليد و الأعراف، تجد المرأة الجزائرية نفسها بين نارين، نار العائلة ونار العمل، حيث أن هناك مهنا كثيرة يتطلب العمل فيها البقاء ليلا، وهذا ما لا يقبل نقاشا في الثوابت لذا سرعان ما تبدأ في الظهور عوائق ومشاكل جمة تعكر حياتها سواء كانت عزباء أو متزوجة، ليشكل ذلك حاجزا في تحقيق حلم الوظيفة الذي طال انتظاره، حيث تختلف نظرة المجتمع للمرأة التي تعمل ليلا وذلك حسب طبيعة عملها، ويرجع سبب هذه النظرة إلى الخوف من المضايقات التي قد تتعرض لها المرأة العاملة في حال عادت بوقت متأخر، وخصوصا لمن لا تمتلك سيارة خاصة بها. و أن العمل الليلي لا يتناسب مع دور المرأة كزوجة وأم، بالإضافة ل العبء الصحي والنفسي عليها. عمل المرأة ليلا.. ريبة، حذر وتوجس بالرغم من أن عمل المرأة ليلا بات من المستجدات التي مست حياة النساء، إلا أن النظرة إليه لا تزال عالة على الآخرين وما زال تأخر المرأة في العمل ليلا ينظر إليه من قبل المجتمع بريبة وحذر وتوجس، وغالبا ما يخلق سواء بالنسبة للرجل أو المرأة، انعكاسات قد تكون سلبية أو ايجابية حسب الظروف، فالآباء والأزواج يعتقدون أن عمل المرأة في أوقات متأخرة من الليل، هو تمرد عن العادات والتقاليد، وإنهم يرون في هذا الأمر ضرر على الأسرة خاصة إذا كانت الموظفة أما لأطفال، و هناك من يعارض عمل زوجته أو ابنته أو أخته في دوامات المساء وفي الوقت المتأخر من الليل، وهنا تباينت الآراء في عمل المرأة ليلا، فبينما يرى المؤيدون أن عمل المرأة ليلا هو جزء من مهام بعض المهن التي تمتهنها المرأة كالممرضة والطبيبة، كما أن هناك العمل مهما كان وضعة هو من حق المرأة طالما أن تعبت وتعلمت، وليس هناك فرق بين المرأة والرجل، فالكل سواسية في المهام والواجبات.. أما الفريق المعارض لعمل المرأة ليلا فهم يرون أن للمرأة مهاما وواجبات داخل منزلها، وعليها الاهتمام بأسرتها وأبنائها وتوفر لهم سبل الرعاية اللازمة، وأن غيابها ليلا يفقدها حب أبنائها وأن العمل ليلا يتعارض مع طبيعة تكوينها، ويسبب لها أعراضا صحية هي في منأى عنها. ومن هذا نوجز بعض النماذج من الطرفين: زوجتي.. كائنة ليلية..! "تزوجت كائنة لا أراها إلا ساعات معدودة في اليوم، فعندما أعمل في النهار تكون هي بالبيت وعندما أعود تكون هي قد ذهبت إلى عملها الذي أتخذه ضرة لي" بنبرة استنكارية يقول عبد الفتاح حول وجهة نظره حول العمل الليلي لزوجته الذي تزوجها منذ 9 سنوات وهي تعمل "قابلة" بعيادة خاصة، وما زاده استنكارا هو أفراد عائلته سيما الأب الذي رآها انتقاصا من قيمة ابنه كرجل"أما محمود والذي يعمل صيدلانيا، يقول إنه يرفض "قطعيا الارتباط بفتاة تقتضي طبيعة عملها التأخر مساء أو تضطرها للخروج في أوقات متأخرة"، مشيرا إلى أن هذا لا يتناسب مع دور المرأة كزوجة وأم، بالإضافة ل "العبء الصحي والنفسي عليها". هل العمل يستحق أن تغامر المرأة بحياتها؟ وقال بدري " لا يمكن أن تتغير نظرة المجتمع لمهنتها ولطبيعة عملها والخطورة في مدى إحساسها وأهلها بعدم الأمان فقد تتعرض المرأة لأي ضرر من جراء خروجها أو رجوعها بوقت متأخر، بل وقد تتعرض لذلك في العمل ذاته، فهل العمل يستحق أن تغامر المرأة من أجله؟. بيولوجية المرأة لا تمنع عملها ليلا فيما لا يرى حسان مشكلة في عمل المرأة ليلا إن كانت أهل للثقة من قبل أهلها وذويها والمجتمع ومدى قدرتها للمحافظة على نفسها جسميا ومعنويا، وأنا أرى أن عمل المرأة ليس عيبا بحد ذاته لكن في ذات الوقت أرى انه لا بد من وجود ضوابط وهذه الضوابط تختلف عن الرجل، قد تتفق مع الرجل في بعضها لكن اعني بالاختلاف هي تلك الأمور التي لا تستطيع المرأة أن تعملها، فالمرأة تختلف بيولوجيا عن الرجل لذا من الطبيعي أنها هناك اختلاف حتى بالسلوكيات والتصرفات لذا من الصحيح أن تعمل المرأة ولا نمنعها ومن الصحيح في ذات الوقت أن يكون عمل المرأة وفق بيولوجيتها، ولكن هذا لا يمنع أن تعمل ليلا". على المرأة إثبات أهليتها للثقة وجدارتها بالمسؤولية أما شهادات النساء فقد تأرجحت حول العمل المرأة ليلا بين الاقتناع والمجازفة، حيث قالت مريم.د (صحفية): هناك ظروف تجد فيها المرأة نفسها مجبرة علي العمل ليلا إذا كانت تمتهن مهنا تتطلب بقاءها لساعات متأخرة من الليل، كالشرطية، ومضيفة الطيران، والصحفية، والطبيبة والممرضة وغيرها. إلا أن عمل المرأة في كل تلك المناحي الحياتية يتطلب من المرأة أن تثبت أنها آهل للثقة وجديرة بتحمل المسئولية وأنها تمتلك المقدرة الكافية على الإبداع والإنتاج ليل نهار، أسوة بالرجل، دون كلل أو ملل، ورغم طبيعتها الأنثوية. أقدم مهنة نبيلة.. فلما المعارضة؟ أما ليلى طبيبة جراحة فقالت: طرأ تطور نسبي على نظرة المجتمع لمناوبات المرأة ليلا، واضطرارها أحيانا التأخر خارج المنزل، وإن كان تطورا فهو لا يرقى للحد الذي نريده، ومع ذلك أنا فخورة بعملي في مجال الطب والجراحة خاصة مع توفير كل الدعم والمساعدة اللازمة من قبل أهلي وزوجي، وبالتالي استطعت أن أفرض احترامي ووجودي بشخصيتي الجادة والمسؤولة، مع إيماني وقناعتها بنبل الرسالة التي أقدمها للمجتمع". سئمنا من نظرات الارتياب والشك؟ أما فريال فتعمل في شركة متخصصة بتكنولوجيا المعلومات قسم صيانة وبحكم عملها تضطر في أحيانا كثيرة التأخر إلى ما بعد الساعة التاسعة ليلا، ما يجعلها محط أنظار جيرانها، وعلى الرغم من معرفتهم بأنها عائدة من العمل، إلا أنهم يلقبونها ب"عيشة راجل"، ما جعلها تفقد صبرها بسبب تلك النظرات التي لم تعد تطاق وتسأل "متى ستنتهي النظرة الى الفتاة التي بنظرات الشك؟". سلبيات العمل الليلي وبنبرة منهكة من العمل طوال الليل بمطار هواري بومدين تقول مالية: عندما اركب سيارتي، اقفل كل أبوابها من الداخل، لكي لا يقتحم احد سيارتي عندما أكون واقفة عند إشارة الضوء الأحمر، وبالاضافة إلي التعب الذي اشعر به، عليّ أن أتحمل نظرات راكبي السيارات الذين يقفون بمحاذاتي عند الإشارة الضوئية، أما علي المستوى العائلي ونظرا لأسرتي المحافظة فقد تكبدت مشقة كبيرة لإقناع أهلي بصعوبة عملي والتأخير المصاحب له، وعندما تزوجت عاودتني المشاكل ال جمة بيني وبين زوجي الذي يغار كثيرا ويطالبني دائما بالتخلي عن عملي" ابتسامة تخفي معاناة كبيرة وفي الختام أجمعت فئة كبير من النساء العاملات أنهن نساء يعانين ما يعانينه في حياتهن الخاصة ومنازلهن، ويأتين إلى العمل ليضاف عبء ثقيل هو معاناة المرضى التي يتوجب عليهن التخفيف منها، متناسيات كل ما يؤرقهن، كل ذلك وسط بيئة اجتماعية لا تساعدهن مطلقا في مهمتهن الإنسانية تلك.. عمل النساء ليلا يزيد من خطر إصابتهن بسرطان الثدي أظهرت دراسة فرنسية، أن عمل النساء ليلا يزيد من خطر إصابتهن بسرطان الثدي بنسبة 30 %، نظرا لتأثيره على الدورة البيولوجية الذي قد يكون مسرطنا. وهذه ليست المرة الأولى التي يشار فيها إلى الآثار المضرة للعمل الليلي، فالوكالة المعنية بالسرطان التابعة لمنظمة الصحة العالمية والمركز الدولي للأبحاث عن السرطان قد صنفاه في العام 2010 بين “العوامل التي يحتمل أن تكون مسرطنة” باعتباره نشاطا يؤثر على النظام اليوماوي الليلي النهاري.وهذا النظام الذي يتحكم بفترات اليقظة والنوم ينظم عدة وظائف بيولوجية، يطرأ عليه تغيير عند الأشخاص الذين يعملون ليلا أو بدوامات غير اعتيادية. وقد أظهرت دراسة أجريت في أوساط الممرضات "ازدياد خطر الإصابة بسرطان الثدي عند أولئك اللواتي يعملن ليلا”، على ما قال باسكال غينيل مدير الأبحاث في مركز الأبحاث الخاصة بعلم الأمراض وصحة السكان التابع للمعهد الوطني للصحة والأبحاث الطبية في فرنسا. وشرح هذا الباحث أن ميزة هذه الدراسة تكمن في أنها محصورة بالنساء وتتطرق بصورة مفصلة نسبيا إلى أنواع النشاطات الليلية ودواماتها.