قال الأستاذ محمد لخضر معقال إن بعض المؤرخين في الغرب عودونا أن نقرأ تاريخنا الحديث انطلاقا مما أطلقوا عليه مفهوم النّهضة. ودعا في حوار ل''الخبر''، إلى ضرورة أن نضع قطيعة إبستيمولوجيّة بشأن هذه المسألة. من خلال كتابكم الأخير حول النخب العربية والمسلمة، ما هي المميزات التي يمكن استخلاصها بخصوص تطورها التاريخي؟ - يبدو لي أنّه من الضروري أن نحدّد مفهوم النخبة بعيدا عن الرصيد الأكاديمي المهيمن حاليا، والذي ابتكرته العلوم الاجتماعية الأوروبيّة بين القرن التّاسع عشر والقرن العشرين، ولاسيّما ذلك المنظور الذي يعتبر النخب حسب المعايير الخمسة وهي: التكوين من أجل الكفاءة الذي يفتح المجال إلى التدبير كي تنشأ فئة متمركزة تصنع القرار. أمّا فيما يخص المنظور الذي صرفت عشرين سنة لوضعه وتوظيفه في الدّراسات التي قمت بها حول المجتمع الجزائري وتاريخ حركاته العديدة من أجل تحريره منذ المرحلة الاستعمارية إلى يومنا هذا، فإنّني أدركت أنّه من المعقول أن ينطلق التحليل الواقعي من المجتمع عينه بدلا من أن ينطلق من الرصيد الأكاديمي الغربي. وعليه فمن اللازم النّظر في صميم المجتمع أي فحص حركية ودينامكيّة المجتمع الجزائري عبر مراحل تطوّره وتتابع أزماته المتنوّعة. باختصار، بدا لي أنّ ظهور النّخب العربيّة المسلمة، كان نتيجة وحصيلة الأزمات المتفرّقة والمتنوّعة التي تراكمت، مثل العدوان الاستعماري في القرن التاسع عشر. فالمقاومات الريفيّة والمدنيّة ثمّ الثورات التحريريّة، ساهمت بدورها في بروز هذه النخب. يلاحظ أن هذه النخب برزت بالأخص مع عصر النهضة، لكنها تراجعت بعد الثورات الوطنية، لماذا حدث هذا الإخفاق؟ - تطوّر الظروف التّاريخيّة منذ الحرب العالميّة الأولى مع اندلاع الحركات الثوريّة في القارة الآسيويّة ثمّ بعد الحرب العالميّة الثانيّة مع شموليّة الأزمات والحروب التحريريّة في القارة الإفريقيّة تركت بصمات جذريّة في تكوين النخب العربيّة والمسلمة. عوّدنا بعض المؤرخين أن نقرأ تاريخنا الحديث انطلاقا مما أطلقوا عليه مفهوم النّهضة. لا بدّ في هذا المجال أن نضع كذلك قطيعة إبستيمولوجيّة. النّخب العربيّة والمسلمة نشأت في المشرق (الشرق الأوسط) بفضل المناورات الأوروبيّة (البريطانيّة والفرنسيّة) الّتي كانت تستهدف سقوط وكسر الإمبراطورية العثمانيّة، وإنشاء خلافة إسلاميّة هاشميّة في العراق والشام (مشروع بريطانيا العظمى) أو خلافة إسلاميّة مملوكيّة بمصر (فرنسا). ولهذا قام الصراع حول التحالفات بين الفئات المتفرّقة ومدبري كسر الإمبراطورية العثمانيّة. لكنكم تقدمون تحليلا مغايرا بالنسبة للقارة الإفريقية، لماذا؟ - أمّا ما يخصّ البلاد المسلمة في القارة الإفريقيّة، فكان تكوين النّخب نتيجة الحروب التّحريريّة. وكانت القطيعة مع الاستعمار أكثر حدّة، لأن النّخب الّتي فتحت حركيّة الأزمة مع الاستعماريين تكوّنت في الرّيف والقرى، غير أنّها، وإن كانت شديدة المواجهة مع الاستعمار لم تحظ بكفاءة تمنحها قدرة التحليل السّياسي وتقديم خطّة سياسيّة وبرمجة مشروع ثوريّ تحريري فعّال. وهذا ما خلّف خلفيات سلبيّة أدّت إلى الإخفاق الرّاهن.