يحاول الفنان تازروت أن يجعل من الزجاج مادة فنية حية، تعكس إبداعاته ورؤاه الفنية والفلسفية، فرغم أن هذه المادة الهشة لا تقاوم القوة والعنف، وسرعان ما تنكسر، لكنها تملك قدرة على الانتقام، فمن يؤذيها بالكسر تجرحه، وقد تميته، فيما تتعايش في حوار متناغم مع الأضواء والظلال والانكسارات الضوئية، التي تتعدى البعد الفيزيائي إلى اللغة الفنية البديعة والفريدة. تجاوز الفنان في تعامله مع الزجاج، خلال معرضه "انكسار" المقام برواق "عائشة حداد"، الجانب الجمالي للزجاج، الذي يزيد كل مساحة يدخل عليها، بهاء وإضاءة وأنوار منعكسة، ليحوله إلى لغة تتحدث باسم الإنسان الحساس، الذي لا يقل انكسارا عن الزجاج، ويحمله قناعاته وخلجات روحه الهشة، التي تقاوم المعتدين، كما لم يعد الضوء مجرد ملامسة عابرة لقطع الزجاج، بل بات ينحتها ويحولها ويحييها، علما أن السيادة في المعرض للزجاج وحده، سواء في قوته أو في هشاشته. الزجاج تعبير صادق يتحول هذا الزجاج عند الفنان، إلى مادة حية تتشكل وفق المواضيع المطروحة عبر اللوحات، التي يتجاوز عددها 20، كما أن الفنان غالبا ما يربط هذا الزجاج بالضوء، الذي يخترق المادة الزجاجية الشفافة بكل لطف ونعومة، رغم انكسار هذا الضوء عند تغيير مساره، أو حين يمتصه الزجاج ذو المادة الشفافة عن طيب خاطر، دون أي خسائر، وهكذا يتكاملان في ثنائي مرح ومتصالح، دون أن يعتدي أحدهما على الآخر. يستغل الفنان تازروت هذه العلاقة الفيزيائية، بين الزجاج والضوء، ليعبر بها إلى مسالك روحانية، حيث التأمل تارة والفن أخرى، بهذه الحركات المتناغمة الراقصة للأشعة ببدلتها الشفافة، وعند نقطة الشفافية، يقف الفنان عند عتبات نفسه الغائرة في الأعماق، ليعكس من خلالها مشاعره ونظرته للحياة وما فيها، وبالتالي جاءت اللوحات معبرة عن تحرر الزجاج من وظائفه المعروفة، ليكون فنا يخاطب الناس، سواء في حالته الصلبة أو السائلة، ليكتشف الجمهور أنه يرى هذه المادة من جديد، فهي ليست كما عرفها من قبل، محصورة في مهامها المحددة، كأن تكون مجرد دعامة، بل هي أيضا لغة عميقة تفتح عينيه على أفكار وحالات وواقع جديد. عوالم تحكي تجارب الإنسان تتوالى لوحات الفنان، وهي كثيرة، منها لوحة "حزن" عن وجه امرأة بتقاسيم كئيبة، ولوحة "صدى القمر" التي صنع فيها بالزجاج، قاربا يشق البحر تحت ضوء القمر الفضي، وكأنه يسير باتجاه هذا القمر، ولوحات أخرى، منها "شظية من العدالة" و"أثر إنساني"، علاوة على لوحات من الحجم الكبير، مثل لوحة "نور إنساني" لوجه امرأة، يتقاطع فيها الضوء بالزجاج. أما لوحة "شظايا الروح"، التي يبدو فيها بجلاء الزجاج المهشم، فتبرز أوجاع الروح التي لا تلتئم، بينما تمثل لوحة "أضواء في طفولة"، بورتريه طفل ينظر وهو ملتفت، وكأنه في حالة عتاب، وبقربه لوحة القط الذي يقف وقفة أسد، أما القرش في لوحة "اللحظة الحاسمة"، فذاك حكاية أخرى، يتجلى فيها البطش المُسلط على الضحية من قرش يهم بالهجوم، ولوحة أخرى فصل فيها شكل رأس حصان، أخذ مساحة اللوحة، وكأنه يتطلع بعينيه ليخرج. خصص الفنان أيضا في معرضه ذي اللوحات السوداء المكللة بالزجاج، فضاء لتكريم بعض الشخصيات، منها الفنان التشكيلي الراحل أمحمد اسياخم، والمغني شارل أزنافور، والمناضل نلسون مانديلا، ورويشد، كما حضرت بورتريهات لوجوه إفريقية. للإشارة، اعتمد الفنان على المطارق الصغيرة عوض الريشة، واستطاع أن يضبط تشكل التباينات بين الظل والضوء، والعتمة والشفافية، والكسر والنعومة، ويظهر الزجاج سائلا أو متصدعا، مع بروز بصمة الفنان في كل لوحة تعبر عن إلهامه، وتمكنه متجاوزا الزجاج إلى عوالم أخرى في منتهى الرقي الفني.