يُجسِّدُ فصلُ الشتاء في مدينة عنابة، مورُوثًا غذائيًا عريقًا، تتوارثه الأجيال جيلاً بعد جيل، حيث تتحول المائدة إلى فضاء حي، تختلط فيه روائح الأكلات التقليدية بدفء البيوت ولمة العائلات، ويبرز هذا الموروث، من خلال الحِرَف الغذائية الشتوية التي لا تؤدي وظيفة الإشباع فقط، بل تعبر عن هوية جماعية وذاكرة شعبية راسخة في وجدان المجتمع العنابي. تستمد عنابة تميزها في هذا المجال، من موقعها الجغرافي الفريد، فهي مدينة تجمع بين البحر والسهول والجبال، ما أتاح لسكانها تنوعًا كبيرًا في الموارد الطبيعية. وقد انعكس هذا التنوع على نمط عيشهم وغذائهم، فابتكروا حرفًا غذائية تتلاءم مع قسوة الشتاء وبرودته، وتعتمد على منتجات محلية بسيطة، تحولت بفضل المهارة والخبرة، إلى أطعمة غنية ودافئة. تُعَدُّ صناعة الكسكس اليدوي، من أهم ركائز المائدة الشتوية العنابية، إذ تبدأ هذه الحرفة بتحضير سميد القمح الصلب وفَتله يدويًا، في أجواء يغلب عليها التعاون والتآزر بين نساء العائلة أو الجارات. ويُطهى الكسكس شتاءً بمرق غني بالخضر الموسمية، كالقرع واللفت والحمص، وأحيانًا يُدعم باللحم أو ب"القديد"، فيتحول إلى طبق متكامل، يُقدَّم في التجمعات العائلية والمناسبات، حاملاً معه قيم الكرم والتضامن. يبرز "البركوكس"، كأحد أكثر الأطباق الشتوية ارتباطًا بالدفء، وهو حبيبات عجين أكبر من الكسكس، يُحضَّر يدويًا ويُطهى في مرق كثيف غني بالبقول والخضر. وغالبًا ما يُضاف إليه "القديد"، فيمنحه نكهة قوية ومميزة. ويُقبل سكان عنابة على "البركوكس" في الليالي الباردة، لما يوفره من طاقة وشعور بالشبع، حتى أصبح رمزًا من رموز الشتاء وحرفة غذائية لا تغيب عن البيوت. كما تحتل حرفة إعداد "القديد" مكانة خاصة ضمن هذا الموروث الغذائي، إذ تُحضَّر في نهاية الخريف وبداية الشتاء، من خلال تمليح اللحم وتجفيفه بطرق تقليدية دقيقة. ويُعد القديد وسيلة ذكية لحفظ الغذاء، ودليلًا على فطنة الأجداد في التكيف مع الطبيعة. ويُستعمل لاحقًا في تحضير الكسكس والبركوكس، وبعض الشوربات، فيمنحها طعمًا عميقًا، يعيد إلى الأذهان عبق الماضي. لا تكتمل صورة المائدة الشتوية العنابية دون ذكر "الشخشوخة" بأنواعها، ومن بينها "زريقة"، وهي "شخشوخة" تقليدية، تُحضَّر من فتات العجين المسقي بالزبدة العربية والسكر. وتُقدَّم "زريقة" ساخنة في صباحات الشتاء الباردة أو في المناسبات العائلية، حيث تمتزج بساطتها بمذاقها الغني، مانحة الجسد دفئًا، والطاولة بهجة خاصة. وتمثل هذه الأكلة حرفة منزلية أصيلة، تعبر عن روح الكرم والاعتناء بالضيف. ويُضاف إلى ذلك "الرفيس" المعتمد على التمر أو العسل، والذي يُحضَّر بكثرة في فصل الشتاء، لما له من قيمة غذائية عالية. وغالبًا ما يُقدَّم للضيوف أو في المناسبات العائلية، خاصة للنساء بعد الولادة، ليؤكد الدور الاجتماعي للحِرَف الغذائية في تعزيز الروابط الإنسانية. تنشط في الشتاء أيضًا، صناعة المربيات التقليدية بعنابة، اعتمادًا على فواكه موسمية جُمعت في فصول سابقة، مثل التين والعنب والبرتقال. وتُحضَّر هذه المربيات بطرق تقليدية دون مواد حافظة، ما يجعلها صحية ومحببة، وترافق "خبز الدار" أو "المسمن" في فطور الشتاء، فتخلق لحظات دفء عائلية مميزة. وتظل صناعة زيت الزيتون من أعرق الحِرَف الغذائية الشتوية في عنابة وضواحيها، حيث تعرف المعاصر التقليدية نشاطًا ملحوظًا خلال هذا الفصل. ويُستعمل زيت الزيتون في أغلب الأطباق الشتوية، سواء في الطهي أو التقديم، ما يجعله عنصرًا أساسيًا في المائدة، ورمزًا للخير والبركة والاستمرارية. وتلعب الأسواق الشعبية دورا مهما في الحفاظ على هذا الموروث الغذائي، إذ تتحول شتاءً إلى فضاءات نابضة بالحياة، تُعرض فيها المنتجات التقليدية، من كسكس يدوي و"قديد" وتوابل محلية. وهناك، لا يُباع الطعام فقط، بل تُروى الحكايات، وتُتَبادَل الوصفات، وتنتقل الخبرات بين الأجيال. ورغم التحديات التي تواجه الحِرَف الغذائية الشتوية، كزحف الأطعمة السريعة وتراجع اهتمام بعض الشباب، فإن هذا الموروث لا يزال صامدًا، بفضل ارتباطه العميق بالهوية والحنين إلى الماضي. وقد ساهمت مبادرات محلية وجمعيات ثقافية في إعادة الاعتبار لهذه الحِرَف، وتشجيع تعلمها واستثمارها. وتبقى موروث المائدة الشتوية العنابية وشاهدًا حيًا على غنى التراث المحلي، ودليلًا على أن الطعام ليس مجرد وسيلة للعيش، بل ذاكرة تُحفظ، وهوية تُصان، ودفء يتجدد كل شتاء في بيوت عنابة.