خلص المشاركون في اليوم الدراسي المنظم، مؤخرا، بجامعة "عبد الحميد مهري" بقسنطينة، حول التقنيات الحديثة في التكفل باضطراب طيف التوحد، تحت شعار "ممارسات علاجية مبتكرة"، إلى أن الاعتماد على الوسائل التكنولوجية الحديثة، بات يشكل ركيزة أساسية في مرافقة الأطفال المصابين بهذا الاضطراب. أوضح المتدخلون، في اليوم الدراسي الذي جمع مختصين ودكاترة، أن هذه التقنيات تساهم بشكل مباشر في تحسين مهارات التواصل اللفظي وغير اللفظي، وتعزيز قدرات الانتباه والتركيز، إلى جانب توفير بيئة تعليمية تفاعلية وجذابة، تساعد الطفل على التعلم بطريقة أكثر فعالية. كما تتيح هذه الأدوات دعم الاستقلالية وتعزيز فرص الإدماج الاجتماعي، مع مراعاة الفروق الفردية لكل حالة، ما يمنح كل طفل مساراً تكفلياً يتماشى مع احتياجاته الخاصة. وأشار المشاركون، إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح أداة فعالة في هذا المجال، حيث يستخدم في تحليل سلوكيات الطفل بدقة، وتصميم برامج تدريبية مخصصة، فضلا عن التنبؤ بالاحتياجات المستقبلية، ما يساهم في دعم المختصين على اتخاذ قرارات علاجية مبنية على معطيات دقيقة. كما تم إبراز دور التطبيقات الذكية والأجهزة اللوحية، في تقديم محتوى تعليمي تفاعلي، يعتمد على برامج التواصل البديل والألعاب التربوية، إلى جانب تطبيقات تدريب النطق واللغة، فضلا عن توظيف تقنيات الواقع المعزز والافتراضي، التي تجعل عملية التعلم أكثر تحفيزا وفعالية. وتناول المختصون في مداخلاتهم، أهمية الروبوتات العلاجية، حيث أكدوا أن الدراسات أظهرت أن الروبوتات الاجتماعية تساهم في تحسين مهارات التواصل لدى الأطفال، والتقليل من القلق الاجتماعي، مع تعزيز التفاعل مع المحيط، من خلال توفير بيئة آمنة وبسيطة تساعد على التعلم التدريجي. ورغم هذا التطور، شدد المتدخلون على أن دور المختص، سواء الأرطفوني أو الأخصائي النفسي، يظل محوريا في اختيار الوسائل المناسبة لكل حالة، وتوجيه استخدامها بشكل سليم، مع تقييم مستمر لتطور الطفل. وكشف عميد كلية علم النفس، البروفيسور حماني حازم، خلال تدخله، عن أرقام وصفها بالمقلقة، مؤكدا أن الإحصائيات العالمية تشير إلى إصابة طفل واحد من كل 36 باضطراب طيف التوحد، وهي نسب اعتبرها "مخيفة"، وتعكس تزايد انتشار هذا الاضطراب عبر العالم، موضحا أن الوضع في الجزائر، لا يقل أهمية، إذ يتم تسجيل ما يقارب 450 ألف حالة سنويا على المستوى الوطني، في مقابل محدودية كبيرة في قدرات التكفل التي لا تتجاوز، حسبه، ألف حالة فقط، وهو ما يطرح تحديات حقيقية أمام المختصين والهيئات المعنية. ودعا البروفيسور في هذا الإطار، إلى ضرورة تكثيف الدراسات العلمية، وتعزيز برامج التشخيص المبكر، وتوسيع هياكل التكفل، إلى جانب دعم التكوين المتخصص، بما يسمح بمواكبة هذا الارتفاع المتسارع، وتحسين فرص إدماج الأطفال المصابين ضمن المجتمع. من جهتها، قدمت الأستاذة الدكتورة راحم نورة، المختصة في الأرطفونيا، في مداخلتها العلمية، عرضا حول تقنية "Floortime" واستعمالاتها عند أطفال طيف التوحد، حيث أبرزت اعتماد هذه التقنية على التفاعل العاطفي المباشر، من خلال اللعب داخل بيئة الطفل، بما يسمح بفهم اهتماماته وبناء تواصل تدريجي، يساهم في تنمية مهاراته الاجتماعية والعاطفية، بعيدا عن أساليب التلقين التقليدية. كما أوضحت المختصة، أن هذه المقاربة تقوم على مبدأ "اتباع الطفل" والدخول إلى عالمه، بدل فرض أنماط جاهزة من التعلم، وهو ما يعزز ثقته بنفسه ويدعم قدرته على المبادرة والتفاعل، مشيرة إلى أن إشراك الأسرة في تطبيق هذه التقنية، يعد عنصرا أساسيا في نجاحها، باعتبارها تتيح استمرارية التفاعل خارج الجلسات العلاجية، مما ينعكس إيجابا على تطور الطفل بشكل متوازن ومستدام، ويجعل من "Floortime" مقاربة حديثة، قائمة على البعد الإنساني في التكفل بهذه الفئة. أما الأستاذة مروة معيوز، نفساني عيادي رئيسي، فأكدت في مداخلتها حول أهمية تقنية (ABA) "تحليل السلوك التطبيقي"، أن هذه الأخيرة ترتكز على تحليل السلوكيات وتفكيكها بهدف تعديلها وتعزيز الإيجابي منها، عبر برامج تدريبية مهيكلة، تساعد على تحسين التواصل والانتباه والاستقلالية لدى الطفل، حيث أوضحت أن هذه المقاربة تعتمد على مبدأ التعزيز الإيجابي والتكرار المنهجي للسلوكيات المرغوبة، ما يسمح بترسيخ التعلمات بشكل تدريجي وفعال. وأضافت المتدخلة أن برامج (ABA) صمم وفق خصوصية كل حالة، مع تحديد أهداف دقيقة وقابلة للقياس، الأمر الذي يساهم في تتبع تطور الطفل وتقييم مدى تقدمه بشكل مستمر. مشيرة في السياق ذاته، إلى أن نجاح هذه التقنية يرتبط بمدى التنسيق بين المختصين وأولياء الأطفال، لضمان استمرارية العمل العلاجي داخل وخارج الجلسات، مما يعزز فرص تحقيق نتائج ملموسة على المدى البعيد. كما سلطت الأستاذة سعودي فاطمة الزهراء، أستاذة محاضرة بجامعة "محمد لمين دباغين" سطيف (2)، الضوء على تقنية (TMS) "التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة"، حيث أكدت دورها في ضبط السلوك لدى المراهقين المصابين بطيف التوحد، من خلال تحفيز مناطق محددة في الدماغ بشكل غير جراحي، بما يساهم في تحسين التحكم الانفعالي والحد من السلوكيات النمطية والاندفاعية، مؤكدة أنه يفتح آفاقا جديدة لتعزيز التوازن السلوكي والانخراط الاجتماعي، خاصة عند دمجها ضمن برامج علاجية متكاملة.