الجزائر في حالة استنفار دبلوماسي لحماية مواطنيها في الخارج    مصطفى حيداوي : تمكين الشباب سياسيا وتنمويا "خيار استراتيجي"    يعد مرجعا مهما في تلقين القرآن الكريم بالمدارس القرآنية والزوايا..مصحف رودوسي التاريخي.. علامة فارقة في الهوية الدينية والحضارية للجزائر    سيدي بلعباس..برنامج خاص لتسويق منتجات السمك من المنتج إلى المستهلك    بوركينا فاسو : أكثر من 130 قتيلاً في هجمات إرهابية خلال 10 أيام    استهداف بيت المرشد ومقري الرئاسة وهيئة الأركان..هجوم أمريكي إسرائيلي على إيران وطهران ترد    كوبا : كشف تفاصيل جديدة عن إطلاق النار على قارب أمريكي    زيارة فريق تقني لسونلغاز إلى نيامي.. لقاءات ومعاينات تحضيرا لإطلاق مشروع محطة إنتاج الكهرباء    حرب بين دولتين مسلمتين في عزّ رمضان    تدابير جديدة لتعزيز الإدماج المهني لذوي الهمم    بوعمامة: الجزائر تتعرّض لحملات تضليل    بلمهدي يثني على المدرسة الصوفية    المسرح الجهوي لسعيدة : برنامج متنوع لإحياء ليالي رمضان    إيليزي.. برنامج ديني وثقافي لتنشيط السهرات الرمضانية    أرحاب: الجزائر ملتزمة بتمكين الشباب الإفريقي علمياً ومهنياً    رياح قوية وزوابع رملية مرتقبة بعدة ولايات جنوبية    هل اقترب إغلاق المسجد الأقصى؟    معسكر سري يعيد حيماد عبدلي إلى الأضواء في مارسيليا    حاج موسى يتوج بجائزة لاعب الشهر في فينورد    الرابطة المحترفة الأولى "موبيليس" : تألق جديد لمولودية وهران، وبارادو يواصل سلسلته السلبية    رمضان.. رحلة روحانية تعيشها القلوب قبل الأجساد    "تسحروا، فإن في السحور بركة"    من حكمة المنان في فريضة الصيام    إجراء أول خزعة كلوية بالمركز الاستشفائي الجامعي    فرصة لاستعراض علاقات التعاون الثنائي ومجالات الاهتمام المشترك    " أكدت أن الجزائر جسد واحد لا يقبل التجزئة ولا المساومة"    لا تسامح مع البيروقراطية ولا بديل عن تسريع وتيرة الإنجاز.    برميل خام برنت يستقر عند 70.75 دولارا    انتخاب الجزائر نائباً لرئيس اللجنة الإفريقية لحقوق الاستنساخ    "كناص" يفتح وكالاته استثنائياً اليوم السبت    وفاة 12 شخصا في حوادث مرور    خنشلة : توقيف 04 أشخاص من بينهم امرأة    مبولحي يعتزل    أجواء عائلية في الإقامات الجامعية    كيف تحارب المعصية بالصيام؟    الجزائر قبلة التسامح والتعايش الحضاري    عقيدة براغماتية وفق خصوصية اجتماعية    كوكبة من حفظة القرآن المتميّزين لإمامة المصلين في صلاة التراويح    من إن صالح إلى تمنراست.. مشروع مائي استراتيجي ينطلق    حملة تحسيس للوقاية من المؤثرات العقلية خلال رمضان    تشجيع الابتكار وتحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية    برنامج طموح للاستغناء عن استيراد البذور والشتلات    6 علامات لصناعة الألبسة ترغب في الاستثمار بالجزائر    إصرار على مواصلة الكفاح المشروع إلى غاية الاستقلال    "أسطول الصمود العالمي" يتحرك مجددا    الشعبي نص قبل أن يكون لحنا وتراث متجدد رغم التحديات    الدكتور بلقاسم قراري ضيف "منتدى الكتاب"    مدرب الأهلي السعودي يكشف سر استبعاده لمحرز    "السياسي" يفشل في الإطاحة بأبناء "العقيبة"    يانيس زواوي مرشح لتدعيم "الخضر" مستقبلا    تنصيب لجنة تحكيم الدورة الثامنة لجائزة "آسيا جبار للرواية 2026"    تعرّف على إفطار النبي في رمضان    الفيفا ترشّح 5 أسماء جزائرية صاعدة    اجتماع اللجنة الدائمة المشتركة متعددة القطاعات    اجتماع لمتابعة رزنامة الترتيبات    الجزائر تقترب من تحقيق السيادة الدوائية    فتح الرحلات الجوية لموسم حج 1447ه/2026م عبر البوابة الجزائرية للحج وتطبيق "ركب الحجيج"    انطلاق أشغال اللجنة المكلّفة بدراسة الترشحات    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بوسعادة .. سياحة في عمق التاريخ
»جوهرة الصحراء« مقصد للباحثين عن التنوع ومسرح للتفاعل الحضاري

بوسعادة المدينة التي تسحر زائريها بجمالها، والمقصد لمن يبحث عن التنوع، مدينة تضرب جذورها في الماضي ، كانت مسرحا للتفاعل الحضاري بدءا من فجر التاريخ حتى الدولة الحديثة..، حيث يشعر الزائر لمدينة بوسعادة بالسكينة والطمأنينة وهو يعانق هذه المنطقة العريقة التي لُقبت قديما ب»بوابة السعادة« فما إن تطأها قدماك حتى يتوقف بك الزمن وتعود بك عجلاته آلاف السنين لتفاجأ بعالم غريب وعجيب يمتزج فيه الواقع بالخرافة والحكايات بالأساطير لتصنع لنا أسطورة أجمل مافيها أنها كلها حكايات في زمن لم يعد فيه ما يسمح بالحكي بعد أن دخل أهله طاحونة الحياة التي لا تتوقف.
كلما يتوغل المرء في جنبات بوسعادة ويغوص في أعماقها يتلمس ينابيع التراث وشموخ الأصالة، ما جعل »جوهرة الصحراء« كما يحلو للكثيرين تسميتها، تتحول منذ زمن بعيد إلى قبلة للسياح ومحج للفنانين الذين انبهروا لثراء المنطقة وتقاليدها وما تختزنه من تميّز في في المعالم والأزياء .
وأنت تتأهب للدخول إلى مدينة السعادة، تلمح الجبل العتيق كردادة وهو يعتلي المدينة حتى يخيل للمرء أنّ هذه القمة الجبلية الشاهقة تسهر على حماية هذه الجوهرة من هول الزمن، وما يلبث الداخل إلى بوسعادة أن يشعر بهدوء الصحراء، فأحياء ومسالك بوسعادة مكللة بالربوات والتلال والكثبان الرملية تزينها أشجار الصفصاف من جانب وتعطرها رائحة النباتات الطبيعية من الضفة الأخرى، وتبرز هذه المدينة العتيقة لأول وهلة بخصوصية طابعها المعماري الأصيل والمميز، فحاراتها ذات اللون البني والأصفر لم تشيد سوى بالطوب والعرعار والخشب منذ قرون ومازالت تكافح الزمن لحد الساعة.
مكونات معمارية فريدة
كل من يتشمم عبقها يدرك ، أنّ الأخيرة جزائرية خالصة، فقد أبت المدينة الانسلاخ وظلت مخلصة لشخصيتها الثقافية ورصيدها الحضاري الكبير، ولعلّ شواهدها الحالية تعكس ماضيها الثري. فالقلعة، والسور، والسوق التقليدي، والجوامع الأثرية، والحارات القديمة، ومدارس القرآن الكريم، هي أكثر ما يميز بوسعادة، فهي مدينة تتكامل فيها الخصائص المعمارية على غرار معظم المدن الجزائرية، اشتهرت بوسعادة التاريخية بفنون العمارة الإسلامية وشهدت فيها المساجد والبناءات العمرانية نموا ملحوظا بل وبرز من خلال هذا العمران أهمية الروح الإسلامية والطراز الهندسي الفاخر كما هو حال مسجد النخلة والمسجد العتيق. وقد استعمل البناءون البوسعاديون في عمارتهم وسائل طبيعية كالنخيل و العرعار ووظفوا ما لديهم توظيفا موفقا في بناء المساجد التي تقدم النموذج الامثل في العمارة والبناء الإسلامي بفنونه وزخارفه.
زخم من المعالم
وما يزيد في إبهار السياح وجعلهم يتشبثون ببوسعادة، تلك المناظر الفاتنة والأخاذة كبساتين النخيل الكثيفة والأشجار والنباتات الصحراوية المترامية على ضفتي الوادي الرقراق ، مشكلة بذلك فسيفساء لوحة فنية تشكيلية مفتوحة على الطبيعة الصحراوية الشاسعة وهو سحر شجّع كبار المخرجين العالميين على القدوم إلى المدينة الهادئة لتصوير أعمال اشتهرت دوليا، على غرار »بائع العبيد « للمخرج الايطالي الشهير »أنطوني داوسون«، علاوة على أفلام جزائرية كان لها صداها ك »عطلة المفتش الطاهر« للمخرج موسى حداد، و»وقائع سنوات الجمر« للمخرج محمد الأخضر حمينة.
ولا يمكن أن تكتمل جولتك عبر جوهرة الصحراء دون زيارة طاحونةس فيريروس التي لا تبعد عن بوسعادة سوى كيلومترات قليلة، وأصبحت بمثابة معلم تاريخي يلجا إليه كل الزوار، تبعا لمجاورتها شلالات رائعة كانت في الماضي تشكل الطاقة المحركة للطاحونة، وسيكون المرء مقصّرا حتما، إن أسقط زوادي بوسعادةس من أجندة زيارته للمدينة الحالمة، ويعد الوادي المذكور مرفئا رومانسيا تتجلى فيه آيات الحنين والأنين والآهات، ما أهلّه إلى تجاوز دوره الآبدي كمغذي لواحة بوسعادة الجميلة، لتصبح مناظره الساحرة ملهمة المبدعين?ولكون الوادي الدائم الجريان عابرا لبوسعادة القديمة، يروي اعيان المدينة أنّه بقي مصدرا هاما للزراعة والبستنة، حيث عمد سكانه الأوائل إلى إنجاز الحدائق وغرس الأشجار المثمرة كما كانوا يعتمدون عليه في الاستهلاك اليومي للخضروات بل ومن بين السكان من يجعل بعض المساحات المحاذية لضفتي الوادي مرعى للغنم.
مرافق سياحية عالية الجودة
تتوفر بوسعادة على امكانات و مرافق سياحية عالية الجودة حيث تساهم بدورها في مد جسور التواصل الثقافي والانساني والحضاري ويعتبر منتجع القائد واحداً من أهم المنتجعات السياحية بالمنطقة التي تشهد إقبالاً كبيراً من العائلات الجزائرية التي تبحث عن جو من الخصوصية والرفاهية المتناهية الدقة والذي لا يبعد سوى دقائق عن محطة المسافرين . ويتوقع أن يشكل نقطة جذب رئيسية للسياح الراغبين في الاستمتاع بتجربة سياحية وتراثية فريدة في بوسعادة .
يمنح الفندق جميع زواره بمجرد الوصول احساساً عميقاً بروعة وجمالية التراث البوسعادي البديع، وذلك عبر مرافق وبيئة محيطة تم تصميمها بعناية وإبداع لتغوص بالزوار في دهاليز الماضي وتُقدم تجربة سياحية تراثية متكاملة. يضم المنتجع غرفا فاخرة تعبر وبشكل واضح عن روعة السحر والأناقة وتوفر مزيجا رائعا من الطراز العربي والأثاث الفاخر والذوق العصري الى جانب هذا, يضم حمام متكامل بتجهيزات عالية الجودة، وتصاميم داخلية خلابة تم اختيارها من أفضل المكونات والمواد الطبيعية, كما روعي في تصميم الجناح كافة التفاصيل الفاخرة التي تضمن للمقيمين فيها التمتع بأعلى درجات الراحة والرفاهية، اضافة الى حمام سباحة بتصميم تراثي بديع يتيح لمستخدميه التمتع باشعة الشمس. ويتوسط تصميم الفندق مطعم يقدم لعشّاق التذوق تشكيلة متنوعة من أشهى الأطباق المحلية والغربية في أجواء وتصاميم عربية خلابة مستوحاة من التراث البوسعادي.
دينيه: إخلاص للفن والروح
وشكّلت بوسعادة مُقاما دائما لأجيال من الكتاب والفنانين، يتقدمهم الفنان التشكيلي الفرنسي الشهير »اتيان دينيه« )1861 1929م( الذي عاش في بداية القرن العشرين مغامرة مثيرة ابتدأت فصولها في باريس وانتهت بواحة صغيرة في جنوب الجزائر-بعدما فتنته بوسعادة بغواياتها الساحرة المتنوعة ، خصَّها بروائعه الخالدات، حيث رسمها تاريخيا واقتصاديا واجتماعيا، فانبرى لتصوير الحياة اليومية، ومختلف مظاهر الحياة الاجتماعية والدينية، في لوحات زيتية أخذت شهرة دولية ودخلت كبريات المتاحف في العالم ، فخلَّدالبوسعاديين وحياتهم اليومية بفنية منقطعة النظير، وخلَّف عن الجزائريين تراثا تشكيليا متنوعا ومتميزا ببهاءِ الألوان الخاطفة بسحرها ونورها ?ولاتزال الذاكرة التشكيلية العالمية تحتفي به إلى اليوم، وتكِنُّ له تقديرا خاصا، ولا يزال رصيده الفني من اللوحات المرسومة محط إعجاب واهتمام في العديد من المعارض التشكيلية الكبيرة والمتاحف العالمية.
كان فنانا مرهفا لذلك لم يكن غريبا أن ينجذب للإسلام مستجيبا لعالمه الداخلي ودوافعه الروحية دخل الإسلام وغيّر اسمه إلى »نصر الدين دينيه« قبل أن يكرس حياته لخدمة واحة تفيّأ بظلال عشقها أين اطلع على حياة المسلمين, عاداتهم وتقاليدهم وتابع أفكارهم وعقيدتهم السمحة وأعجب بها كثيرًا وتعمّق في معايشة الحالة الروحية للإنسان, عاش بينهم وتعلّم العربية ودرس الدين واكتشف عالم الصدق والنقاء في الصحراء وبساطة حياة القبائل العربية وتميزها بالكرم والحكمة والشجاعة والنبل والفروسية وسجل التأثيرات الطبيعية على سلوكهم, وكانت صور المعارك والفرسان وحفلات الأعراس وألعاب الأولاد والبنات وصور الشخصيات والمشاهد النوعية الطبيعية والوصف الوثائقي الدقيق للحياة والطقوس أهم الموضوعات التي استهوته بالتعبير عنها بنهج واقعي وانطباعي الأداء , مما أعطى أعماله طابعها الخاص ونكهتها المتميزة.
لم يكن إيتيان دينيه مجرد فنان استشراقي مثلما هو شأن غالبية أبناء بلده من المثقفين المستشرقين الذين ورد في كتاباتهم التاريخية وأعمالهم الأدبية وصف المسلم بالهامشية والسلبية, وفي الوقت ذاته, إعلاء الشأن الأوربي وتميزه. فتجنب مثالب الاستشراق الغربي وتحامله, مخلصا لطبيعة فنه وغاياته الإبداعية رغم الضجة الكبيرة التي أصدرها إسلامه في أوساط المعمرين الفرنسيين ، حيث شنت حملة تشويه ضده, وتهميش دوره, ونبذه من الحركة التشكيلية الفرنسية ?ولكن نصر الدين دينيه لم يعبأ بكل ما أوكل إليه من تهم، وبكل الكلام الذي حيك عنه، ذلك انه اتخذ الإسلام دينا بكل قناعة وهو الأمر الذي اكسبه نوعا من القوة وتوّج حياته بزيارة الكعبة المشرفة بيت الله الحرام لأداء فريضة الحج وما زال رُفاته يحضن قبرٌه البسيط ببوسعادة في بقعة اقتناها ديني حبّاً وانتماءً لهذه الأرض التي جمعته حيا وميتا بصديقه ورفيقه ومرشده سليمان بن إبراهيم وزوجته؛ وهما الشخصان اللذان رافقاه في رحلته الحجّية أيضا، ، فسمي من يومها بالحاج ناصر الدين، فكانت حسن الخِتام، إذ بعد العودة من الحج أسلم الروح إلى بارئها بمرسيليا، فنقل جثمانه إلى جنة الله في أرضه، كما كان يحلو له أن يسمي بوسعادة،بعد أن خَلَّدَ ماءها ونخيلها وناسها وطقوسهم الدينية الإسلامية، وتخليداً لأعماله الفنية الرائعة ورحلته الإيمانية المؤثرة تم تحويل بيته لمتحف يحمل اسمه اليوم.
متحف دينيه وجهة رئيسية للسياحة الثقافية
»صوت الاحرار« زارت متحف دينيه والتقت مديره السيد لجلط محمد و في لقاء معه، قال لنا: »من الصعب ذكر بلدة بوسعادة من دون ذكر نصر الدين دينيه.. لأن العلاقة متداخلة بين هذا الفنان العالمي وهذه المدينة«، وأردف: »إن المتحف عالم فريد قائم بذاته، لا تكفي زيارة واحدة إليه ، فلوحاته وحدها بحاجة إلى زيارات عدة، ذلك أن الأفكار والأحاسيس والرؤى التي تختزنها تدفعك للعودة مجددا«.
وفي ما يخص التظاهرات والنشاطات الثقافية التي يقوم بها المتحف قال ان ادارة المتحف تسعى جاهدة إلى ترسيخ الهوية الوطنية عبر تعريف الأجيال الصاعدة بمكتسبات الأجداد وإنجازاتهم، مؤمنة بقيمة التاريخ في بناء الحاضر واستشراف المستقبل مشيرا أن المتحف يستقبل طلبات الزيارة من الجهات المعنية في المدارس لتاطير زيارات لتلامذة مختلف المؤسسات التعليمية بمدينة بوسعادة وضواحيها لتعريف الطلبة بالتراث الفني و تشجيع ثقافة الولوج الى المؤسسات المتحفية ، إلى جانب هذا يضيف إن المتحف ينظم ورش عمل و أنشطة تحسيسية و تكوينية لفائدة الأطفال في مجال الرسم بالتنسيق مع بعض المؤسسات المدرسية و جمعيات المجتمع المدني في إطار اهتمامها بتنمية مهارات الطفل وإيمانا بأن الفن أسلوب حياة.
وأكد أن المتحف يشارك بالتنسيق مع الدوائر والمؤسسات الحكومية في المناسبات المهمة، كاليوم الوطني للفنان وعيد الاستقلال واليوم العالمي للمرأة مفيدا أن متحف نصر الدين دينية ينظم سنويا معارض معينة أصبحت تقليدا سنويا متعارف عليه على مستوى منطقة بوسعادة كالمعرض المحلي للمرأة المبدعة الذي انطلق سنة 2009 و مازال مستمرا للسنة الخامسة على التوالي للتعريف بالإبداعات النسوية سواء اللواتي قطعن مسار طويلا في مجال الإبداع التشكيلي أو اللواتي لازلن في بداية طريق التألق. وأبان أن السائحون يعدّون أكثر الفئات تردداً بشكل عام على المتحف، ذاكرا أنهم يشكلون نسبة كبيرة من الزوار.
المتحف مكون من ثلاث طوابق الإستقبال وعلى اليمين مدخل لبيت الحاج المكون بدوره من طابقين به نسخ عن صور الرسام بالإضافة إلى الفرش التقليدي ويمكن للزائر أخذ الصور بالطابقين والتعرف عن حياة وأعمال الفنان من خلال مرشدين وموجهين مهامهم إعطاء الزائر كل المعلومات عن الرسام واللوحات? الطابق السفلي وبه مكتبة كبيرة فيها مؤلفات الرسام ونسخ عن أعماله كما بها ناشطين يقومون بتزويد السائح بكل ما يريد معرفته عن منطقة بوسعادة وحتى عن أعمال فنانين آخرين ويباع فيها بعض المنشورات للرسام ألفونس وغيره.
أما الطابق العلوي »المتحف الرسمي« لأعمال الراحل الحاج نصر الدين حيث يمنع هناك التصوير به 13 لوحة أصلية و6 كتب من مؤلفاته وبعض الشهادات المتحصل عليها في مختلف المناسبات الدولية والمعارض كما بعض الصور الفوتوغرافية القديمة للرسام مع أصدقائه من المنطقة وخاصة مع الحاج سليمان، إضافة إلى الوصية التي تركها المرحوم لأخته بباريس مطالبا دفنه ونقل جثمانه في حالة وفاته لمدينة بوسعادة?حيث كتبها باللغتين العربية الدارجة الخاصة بأهل منطقة بوسعادة وباللغة الفرنسية.
مواهب.. على خطى دينيه
لعل السمة الأساسية في فن ناصر الدين دينيه هي البصمة التي تركها في تاريخ الفن التشكيلي الجزائري حيث أصبح مرجعا و مادة ثرية تناولها الرسامون من بعده ولقد بلغ تأثر بعضهم به حد التمسك بنهجه وإعادة رسم لوحاته ويعد السيد قدور أحد التشكيلين الذي اختاروا السير على خطى دينيه مطلقا العنان لمواهبه في رسم أجمل اللوحات.
دخل عالم الرسم والإبداع من بابه الواسع ،فهو رجل عصامي ،استطاع بتعلمه الفطري أن يناقش ويحاور ويجادل في مواضيع مختلفة،هذا ما التمسناه عند زيارتنا الميدانية لهذه الشخصية الفنية الفذة .عندما سئل عن سر قصته الغرامية مع اللون واللوحة والألوان الزيتية قال محدّثنا أن أول لقاء له مع الرسم وملامسة الريشة كان منذ صغره وتطورت موهبته مع مر السنين ، فكثيرا ما كان يسبح بخياله ويتأثر بالطبيعة الخلابة المحيطة به ليعبر عنها في رسوماته بمناظر زاهية الألوان ترمز إلى السعادة والراحة والهدوء والانتعاش.
و رغم مسيرته الحافلة بالنجاحات حيث قام بانجاز المئات من اللوحات لا يخفي هذا الفنان الصعوبات والعراقيل التي واجهته في بداية مشواره?بدءا من نقص المواد الأولية وغلائها إلى صعوبة تسويق اللوحات يقول في هذا »في البداية كانت هناك صعوبات عديدة أولها العقلية التي يتمتع بها مجتمعنا الرافض لفكرة شراء اللوحات الزيتية والمنحوتات، حيث لا يقدر مجتمعنا و لا يعير أهمية و قيمة لهذا الفن الأصيل الذي هو إبداع حقيقي«، ويضيف للأسف الشديد لا يوجد مكان للفنان، فهو يعاني في صمت، لكن بالرغم من كل هذه الصعوبات نحمد لله سبحانه وتعالى ونشكرهس. حسبه الفنان التشكيلي يحتاج لرعاية ودعم أكبر لكي يتطور فنه نحو الأفضل.
وحتى الدولة ينبغي أن تشجع الفنانين من خلال شراء لوحات من معارضهم أو تكليفهم بإقامة نصب أو لوحات لمؤسسات الدولة.
كما أبدى تأسفا كبيرا عن حال المدينة بوسعادة التي بدأت تفقد قيمتها التاريخية والحضارية، حيث كانت في وقت مضى تحفة رائعة لكن ثقافة المجتمع المستهلك جعلت منها بنايات شوهت صورة القرية الريفية الجميلة، كما أن بارونات الاسمنت قضوا على مساحات واسعة من الأشجار والمناظر الخلابة في مدينة كانت في الماضي القريب منبع إلهام لا ينضب لعديد الفنانين ممن اثر فيهم عبورهم في وقت من الأوقات بالمدينة الحالمة.
ليبقى إعادة الاعتبار للمدينة القديمة عن طريق المحافظة على وجهها التاريخي الزاخر وإنقاذ ما تبقى منها حقيقة لا بد منها فهذا الإرث المميز أصبح مع مرور الوقت عرضة لمجموعة من الأخطار بفعل عوامل متداخلة منها تقلبات الظروف الطبيعية وعمليات الزحف العمراني, فتلاشي معالم المدينة الساحرة، إنما هو بمثابة انهيار لجزء كامل من تاريخ المنطقة ونشدد هنا على ضرورة تعبئة كافة المتدخلين والأطراف المعنية لإعادة تأهيل هذه المدينة ومن ثم إحياء الذاكرة الجماعية المحلية والوطنية.
معربين في نفس الوقت عن أملنا في استعادة هذه المدينة لماضيها العريق ولإشعاعها وصورتها الجمالية والهندسية لان الأمر يتعلق بتراث وطني يستحق التثمين خصوصا أنه يمكن أن يشكل رافعة للنهوض بالقطاع السياحي وخاصة السياحة الثقافية على مستوى المنطقة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.