يروي المجاهد محمد شوشان المدعو «حمة» واحد ممّن عاش بناء قيادة الأركان في «غار الدماء» مسار الراحل الزعيم هواري بومدين في بناء أقوى المؤسسات الوطنية وإعادة جمع شمل جيش التحرير الوطني، انطلاقا من نواة إعادة استقطاب الجيوش المحاربة للاستعمار الفرنسي في الجهة الشرقية والغربية. يروي مسار نضالي حافل منذ التحاقه بالثورة التحريرية في أوائل 1955 وهو لم يتجاوز سن ا17 سنة، إلى غاية أواخر 1959، أسندت لهم العديد من المسؤوليات آنذاك، ويسترجع معنا فترة التحاق هواري بومدين إلى غار الدماء وتم تعيينه من طرف الحكومة المؤقتة كرئيس أركان هاته المنطقة الحدودية كاملة، هذا الوقت كانت كامل الفيالق والتي تنتمي إلى القاعدة الشرقية لأن القاعدة الشرقية كانت تضم 06 فيالق، المجاهد حمة شوشان ينتمي إلى الفيلق 03، يذكر لنا لقاءه مع هواري على رأس قيادة الأركان، انطلاقا من تكوين أزيد من 20 فيلق نواة ال 06 فيالق للقاعدة الشرقية، وعمل على تقسيم نظامي وفق منطقتين الشرقية والمنطقة الجنوبية، وخلق في كل منطقة فيالق وكتائب، أسس لنظام ضخم متكامل على كامل الحدود الجزائرية التونسية، وبالتالي الفيالق ال 06 تم دمجهم في الجهتين الشرقية والجنوبية، وكان هناك تجنيد كبير آنذاك اشرف عليه شخصيا. فلسفة القائد «هواري بومدين» في بناء قيادة الأركان خير آنذاك الراحل بومدين الضباط المتواجدين بين من يريد أن يواصل المسيرة في قيادة الفيالق ووضع الحرية للضباط، ولكن اغلب الضباط تم دمجهم إراديا في هيئة الأركان، وكنت وقتها مكلفا بالبطاقية الوطنية للجيش، وكان طاقم كبير من الجنود والإطارات ونعني بهم الضباط إلى غاية الاستقلال، في غار الدماء بومدين رحمه الله «رجل وطني عظيم»، مؤمنا إيمانا صادقا بهذا الوطن وبالشعب الجزائري، الرجل الذي لا ينام إلا القليل، يتنقل من فيلق لآخر، كانت له توجيهات في كل منطقة يصل إليها، وصل إلى أن نظم عمل برنامج حربي كبير داخل الجزائر، الفيالق التي كانت موجودة عبر الحدود تنطلق من حين لآخر إلى داخل الوطن الجزائري لشن معارك وهجومات على أماكن العدو ونصب الكمائن...إلخ، كان يسانده طاقم كبير من الضباط، وهؤلاء الضباط يرافقونه وكانت عبارة عن هيئة أركان متنقلة متوزعين على المنطقيتين الجنوبية والشمالية. هواري بومدين كان من المسؤولين الكبار للثورة وممن أعطى ما عنده بعد التحاقه من المنطقة الخامسة جهة وهران، ثم عاد بعدها ليحمل على عاتقه هيئة الأركان، كان دائما يعتبر نفسه جنديا وليس مسؤولا في قيادة الأركان، تجده دائما في جانب الجنود لمعرفة أدق التفاصيل في التموين ومشاكل الجنود والروح القتالية ومستوياتها وسط الجنود، وليترك الروح عالية والثقة أعمق في القيادة. دخول بومدين إلى سوق أهراس من اجل بناء هيئة الأركان، تمركزت القيادة في سوق أهراس من أواخر ال 1959 إلى غاية الاستقلال، وقتها ساهمت (حمة شوشان) في البحث عن أماكن مناسبة من اجل تمركز هيئة الأركان، وفعلا وجدنا أماكن لذلك، لتنتقل بعد ذلك هيئة الأركان إلى «تاورة» 25 كلم غرب عاصمة الولاية، أين التحقت الجيوش من كل ناحية، من جهة ساقية سيدي يوسف، القالة، ومن جهة قالمة سواء كانت بالداخل أو الخارج، والهيئة العامة للحرب هي من يشرف على هاته القوات، حتى وصلت الجيوش وتمركزت في ولاية المسيلة، عملية دخول والتحاق الجيوش بالنواة المركزية، لم تكن بالأمر السهل كما يتصوره البعض، لكن بحكمة هذا الرجل استطاع أن يجمع كيان جيش التحرير الوطني، كان يستمع أكثر مما يتكلم، عاش فترة في سوق أهراس ثم اتجه إلى قسنطينة، والجزائر بعدها. هواري بومدين رجل جمع بين أمرين قلما تجدهم في رجل، جمع بين الصرامة والإنسانية، رجل يرتعب منه كل من يقف أمامه، من أهم ما رايته عن قرب عن الرجل كان رجلا وطنيا إلى حد النخاع، صارم صرامة المسؤولية التي تسند إليه ،بسيطا متواضعا يسمع كثيرا لمن يكلمه ولا يقاطعه، وينتظر الفهم الدقيق والرد المناسب بمسؤولية. مواقف إنسانية لا تنسى من أهم المواقف التي أذكرها للراحل، لما طلب مني أن أهيّئ مكانا لالتحاق والديه بسوق اهراس، وطلب مني أن أهيئ بيتا لاستقبال والديه، وقتها لم يكن لي بيت خاص بسوق أهراس، كانت زوجتي عند صهري فقط، فبلغته إنني ليس لي بيت خاص ولكن أنا أقيم عند صهري، لأن عائلتي ببلدية المراهنة، لكنه قال لي تصرّف، وبالتالي تصرّفت مع صهري واستقبلنا والديه استقبالا لائقا، من أجمل الصور التي بقيت راسخة في ذهني آنذاك كلما دخلت إلى الراحل في وجوده مع والديه أجده متكأ على ركبتي والدته، والوالدة تربت على رأسه، صورة حقيقية بالغة، كان هناك علاقة كبيرة بينه وبين والديه، هذا القائد الصارم الذي نتعامل معه في الميدان، لما أراه ولدا مطيعا بين حضن والدته فهي صورة بالغة التأثير فعلا. وبقي والداه عندنا تقريبا آنذاك أسبوعا، وهو يتردد عليهما. وبقيت مواقف الراحل هواري بومدين مواقف ثورية، مواقف وطنية منها التأميم والوقوف أمام كل ما يعيق بناء البلاد آنذاك، والثورات الثلاث التي أطلقها لبناء البلاد، والفضل الكبير للراحل في بناء مؤسسة عسكرية بجيش عصري بجميع الرتب والوحدات القتالية، وهي صمّام الأمان للبلاد اليوم وغدا.