إن نجاح الثورة الصناعية في أوروبا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر قد أعقبه مد إستعماري عالمي، بحثا عن المواد الأولية لتغذية المصانع التي ولّدتها تلك الثورة من جهة وإيجاد أسواق خارجية لترويج منتجاتها الصناعية الوفيرة، من جهة ثانية، ومرده ذلك الترويج من ضخامة لرؤوس الأموال وحتمية استثمارها. فقد نتج عن الثورة الصناعية، اذن، تقدم اقتصادي، كمي ونوعي، أدى إلى تنظيم حركة استعماريه واسعة ثم أثناءها احتلال دول آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية لنهب ثرواتها وتدعيم الثورة الصناعية وبالتالي ىسقوط ما يسمى ببلدان العالم الثالث، حاليا، في مخالب الدول الاستعمارية، آنذاك، تحت عنوان تبليغ «رسالة حضارية « الى تلك الشعوب، قصد الأخذ بيدها نحوالرقي الحضاري، فكان ثمن استقبال تلك «الحضارة» مكوثها مئات السنين، تحت السيطرة الاستعمارية. وحين حاولت نفض غبار»الحضارة»عنها، كلفها ذلك الملايين من خيرة أبنائها، ورغم حصولها على استقلالها السياسي، الشكلي، لدى معظمها، فإن بقايا تلك «الحضارة» قد تجذرت بمستوى تجذر العناصر المكونة لثقافات تلك الشعوب إلى درجة يصعب التخلص منها على مدى القرون القليلة القادمة. أما نجاح الثورة التكنولوجية في القرن العشرين، فقد صاحبه مد ديمقراطي عالمي أيضا. حاملو ومبلغو»الديمقراطية» اليوم،هم أنفسهم رسل «الحضارة « بالأمس، ومستقبلوها، هم أنفسهم مستقبلو الحضارة بالأمس، وما الفرق بين حضارة الأمس وديمقراطية اليوم إلا في المصطلح الذي اقتضى التجديد تطويره تبعا لتطور الفكر الاستعماري ليتماشى مع منهجية وفنيات استعمار الشعوب. وسائل التبليغ هي الأخرى لم تختلف إلا من حيث التقنية، وهي نتاج الثورة التكنولوجية، والدة « الديمقراطية». فالحضارة تم تبليغها الى الشعوب على أفواه المدافع وداخل طرود مقنبلات ال 26 B أما « الديمقراطية « فإنها تبلغ اليوم على أطباق المشويات البشرية. وداخل طرود مقنبلات ال 52B وعلى رؤوس الصواريخ العالية الذكاء عوض مشواة الفحم التقليدية ليكون أسرع وأتقن من حيث التحضير، ولو أنه لن يكون ألذ ...هؤ لاء، إذن، هم رسل»الديمقراطية» الذين انحدروا في السلم الحضاري الى مرحلة دنيا من الحضارة وهي مرحلة آكلي لحوم البشر. إن رسل «الحضارة « با لأمس، قد دفعوا قسطهم من كلفة التبليغ. أما رسل الديمقراطية اليوم، فإنهم يحاولون التملص، تماما، من المساهمة في دفع فاتورة التبليغ، لا لشيء إلا لأنهم أقنعوا الشعوب التي»حضروها» بالأمس بضرورة احتضان الديمقراطية وما يحويه هذا المصطلح من مضامين وفنيات التغلغل والتوغل في نفوس وعقول تلك الشعوب، واعتبارها (الديمقراطية ) مخرجا وحيدا لها من دائرة التخلف، وبالتالي فعليها أن تنفرد بدفع فاتورة التبليغ، ماديا وبشريا وحضاريا. إذا كانت هذه الشعوب تدفع اليوم ثمن استقبال «حضارة» الأمس فعليها أن تتأكد بأن آثار»الديمقراطية» لن تكون أحسن حالا من بقايا ومخلفات «الحضارة «، وبالتالي فعليها أن تستعد لمرحلة ما بعد «الديمقراطية أوإعصار القرن» الذي يبدو أنه سينقل العالم من حرب باردة الى حرب أشد برودة، أوقل إنها مجمدة reilgnoc فعوض أن كانت بين قطبين أحدهما رأسمالي بزعامة الولاياتالمتحدةالأمريكية والثاني شيوعي بزعامة الاتحاد السوفياتي فسيصبح العالم خاضعا لقطب واحد هوالقطب الرأسمالي وبذلك يصبح لقمة سائغة بدون منافس، فهي أكثر برودة.