كل شيء جميل في مدينة ساحلية مثيرة بمياها العذبة الغزيرة وأراضيها الزراعية الخصبة ومعالمها الأثرية القديمة والشاهدة على عراقة الانسان الجزائري، وفوق ذلك تخبئ بين ذراعيها أساطير مدهشة تصل إلى ابنة ملكة كليوباترة التي قيل أن زوجها جزائري بربري، استوطن مدينة شرشال المنفتحة على التاريخ والجغرافيا. قيل أن لا أحد يرفض أن يقطن هذه المدينة التي تشبه بالغزالة في جمالها وبالجنة في سحرها وبالمدللة برهف العيش وسط خيراتها المتعددة، إنها من دون منازع مدينة شرشال التي تعانق الغابات وتسبح في شواطئ خلابة، فتمتعك بمناظرها قبل الوصول إليها عبر طرقات تفيض بالاخضرار والنسائم العليلة، وتجعلك تحلم كيف كانت منذ المئات، بل الآلاف من السنين، بفضل ذلك الأثر الذي تحكيه معالمها، علما أنه كان يطلق على هذه المدينة التي يحبها كل من يراها، «أيول» الأمازيغية، القيصرية، إنها مدينة يوبا الثاني وعاصمة موريتانيا القيصرية، تنام تحت وسادة تاريخ عريق وإرث عظيم، تمتد عبر موقع استراتيجي بين الولايات وتتسع بين منعرجات الجبال وأمواج البحر، ثم تجدها تحاول الانحناء نحو ميناء للصيد لتطمئن على شواطئ، حيث تحدها من الجهة الشرقية والغربية، شواطئ رملية وصخرية مثيرة، هنا فقط يمكن إدراك قوة هذا التناسق الطبيعي والتاريخي والذي جعل منها لوحة خالدة في ذاكرة الزوار والطبيعة معا. حب ملكي كبير إن الزائر لهذه المدينة التي لا تُنسى أبدا، مطلوب منه أن يصبر على مدار 90 كيلومترا من العاصمة ليضع يده على تاريخها ونظره فوق طبيعتها الساحرة. قبل الوصول أو لحظة الوصول، تتكاثر الأسئلة حول صحة قصة ابنة الملكة الفرعونية كليوباترا وزوجها الملك البربري الجزائري، حيث يروى أن يوبا وسيلينا، جمعت بينهما كأسيرين قبل أن يعودا إلى مكانتهما ويصبحا ملكين قصة حب كبيرة، أي عندما تمّ القبض عليه كأسير وأرسل إلى روما عند جوليو سيزار، وتصادف ذلك مع تواجد كليوباترا السابعة ملكة مصر والتي انتحرت بعد وفاة زوجها من شدة حبها له، حيث أسرت ابنتها سيلينا عند الرومان وفي هذا الوقت تعرفت على الملك الأمازيغي بيوبا الأول، لأنهما كان أسيرين عند الرومان وعاشا قصة حب حارقة، ومن تفاصيل وقوع البربري النوميدي أسيرا، أنه عندما كان جنديا متشبعا بالثقافة الإغريقية ويتحلى بخوارم المرؤة، قام جوليو سيزار بإرساله إلى «أيول»، لتصبح قيصرية عاصمة المملكة النوميدية، وبهذا ضحكت الدنيا للملكة سيلينا وزوجها الملك يوبا، واسترجعت الملك الضائع والتاج المخطوف، ولكن في أرض الجزائر التي عاشت فيها حتى آخر أيامها، وبعض الروايات تعتقد أنها ترقد بالضريح الملكي الموريتاني الفخم الذي أقامه لها زوجها العاشق، ويشتهر الضريح عند سكان المدينة بقبر الرومية، ويذكر أنه ظهرت بعد يوبا مملكة نوميدية. مركز الثقافة اليونانية الرومانية من أهم معالم المدينة العريقة التي احتضنت عديد الإمبراطوريات وأنظمة الحكم المختلفة، أي من العهد الفينيقي وتسميتها ب»أيول»، ثم تألقها مع بروز القرطاجيين، وإنما هناك من يعتقد أن الفراعنة حكموها عقب اكتشاف تمثال مصري في شرشال، يحمل خرطوشة الفرعون «تحتمس الأول» (1493-1482ق.م)، حيث يحتفظ به حاليا في متحف شرشال، علما أنه تمثال نحت من البازلت الأسود وجلسته جلسة الألوهية مصرية. حكم شرشال، الأمازيغي سيفاكس وبعده ماسينيسا، ثم في عام 105 ق.م استحوذ عليها الرومان الرومان، بينما في عهد الملك يوبا الثاني حولت إلى عاصمة لموريتانيا القيصرية، وتحول اسمها من إيول إلى «قيصرية»، بل وجعل يوبا الثاني من عاصمته «قيصرية» مركزا للثقافة اليونانية -الرومانية، في حين في حقبة الإمبراطور الروماني كاليجولا ألحقت بروما وسميت (كولونيا كلاوديا سيزاريا)، غير أن مركزها التجاري بقي جذابا وحيويا، لأن الرومان اتخذوها بفضل موقعها الجيد عاصمة لهم، أي تمّ الاستحواذ على ثلثي الشمال الجزائري، وللأسف دمرت المدينة مع قدوم الوندال عام 372م ثم افتكها البيزنطيين في عام 534م وعقب الفتح الإسلامي أطلق عليها اسم بشرشال. معالم تؤكد صحة الروايات ترك الرومان وراءهم وحول ميناء شرشال، حصنا منيعا، يمتد على مئات الأمتار، لأنهم حرصوا أن تكون تحفة عمرانية ومدينة للفن ومركز للحضارة الإغريقية الرومانية، وهذا ما جعل من القيصرية، إحدى كبريات المدن في الضفة الغربية لحوض البحر الأبيض المتوسط، ولهذا يتفق على أن شرشال متحفا مفتوحا، لأنها تكتنز آثار تعود إلى أكثر من خمسة عشر قرنا، ومازالت صامدة تؤكد كل ما يروى في كتب التاريخ، علما أن متحفها الأثري المفتوح، يمكن الوصول إليه عبر طريق يوصلك إلى غابة كثيفة الأشجار، وتحتوي على الحجارة الضخمة التي تعود إلى عهد الرومان. في حين المكان الأثري يتضمن العديد من الآثار أهمها عدة مسارح وساحات، مازالت غرفها مبلطة ومزينة بالفسيفساء، بالإضافة إلى الأسوار والأعمدة، وكذا اللوحات والعلامات الدالة على المكان والمعالم الخالدة الصامدة في وجه الطبيعة ويد الإنسان. ويمكن كذلك الوقوف على الحمامات الثلاثة التي اشتهر بها الرومان من الجهة الغربية، ومازال حمام بالقرب من باب تنس يحافظ على نسيج بنائه بالرخام والفسيفساء، وفي الجهة الغربية دائما نجد آثار قليلة جدا تعود للمعبد الموجود بحي قايد يوسف. يضم المتحف إحدى روائع القطع المنحوتة على مستوى شمال إفريقيا، أما جدران المتحف، فهي مزينة باللوحات الفسيفسائية والكتابات اللاتينية، وببعض الكتابات العربية، مع وجود قسم خاص بالشواهد الجنائزية، ونجد في صحن المتحف نافورتان جميلتان مزخرفتان بفسيفساء تعكس مشهد الأوليس مع عرائس البحر ومشهد آخر ملفت يشي لبانتصار نابتون. أما في المتحف نجد تحفتان من الفن المصري مصنوعتان من الحجر الأسود، تصور الكاهن بيدوباست ويعد أكبر قساوسة الإله بتاح، وتمثل ذراعا لتمثال توتموزيس الأول ملك من الأسرة الثامنة عشر، إنه القليل من هذه المدينة الثمينة.