الحمد لله كثيراً، وصلى الله على محمد عبده ورسوله خاتم أنبيائه بكرة وأصيلاً، وسلم تسلمياً كثيراً، أما بعد : فتحت جريدة الشروق نقاشاً حول موضوع "السلفية في الجزائر" فاستجاب له الكُتاب الفضلاء والمشايخ الأجلاء، آمِّينَ من وراء ذلك كشف حقيقة هذا التيار الوافد على الساحة الدعوية في الجزائر، فأردتُ أن أُزاحم بمنكبي، وأضرب بسهمي، لعليَّ أحظى معهم بنصيبٍ، أو أرمي في مُعترك هذه الآراء بالسَّهم المصيب. ومما شجعني أكثر على المشاركة في هذا الموضوع هو أنني - فيما أحسب - على اطلاع كافٍ بخبايا القوم، فلقد بلوتهم في كثير من المواقف، ونَفَضْتُ جِعابهم جَعْبَةً جَعْبَةً، وتَقَرَّيْتُ شِعابهم شُعْبَةً شُعْبَةً، ودَرستهم تقريباً وتبعيداً، وخالطتهم تصويباً وتصعيداً، فَتَبَدَّتْ أمامي طائفةٌ غير يسيرة من الانحرافات الخطيرة، والتي كانت تستحثني في كل مرة على البيان والإيضاح. وكثيراً ما كنتُ أُقابل هذا الاستحثاث بالإحجام والتَمَنُّع نظراً لانشغالي بما هو أنفع وأجدى. ولو أني قصرت قلمي على هؤلاء فإني إذًا لفارغ. غير أنَّ الإرباك المستمر والاستفزاز المتزايد الذي يُحدثه هذا التيار في المجتمع الجزائري كان بمثابة الوقود الذي يُغذي كوامن الرغبة لمعادوة الكتابة والبيان، فاستمر معي هذا التردد سنوات إلى أن أَذن الله بإخراجه على النحو الذي تراه ماثلاً أمامك. ومع أنَّ الموضوع واسع الجَنبَات مُترامي الأطراف، إلا أنَّ كشف النَّواحي الغامضة منه من أوكد ما تتطلبه النهضة الإصلاحية الدينية في الجزائر، وذلك من أجل الإفادة من هذا الأخطاء في تصحيح المسار والمسيرة، فالسعيد من وُعظ بغيره.
فتنة جديدة ونكبة تحت اسم الطائفة المنصورة وقد يظن بعض الظانين وتنطق ألسنتهم بهذا الظن أننا نكتب عن أخطاء هذه الجماعة ونحن فَرِحين منبسطين، كلا والله، إننا نكتب وبين جنباتنا آلامٌ تتنزى، وفي جوانحنا نارٌ تتلظى، لأننا نكتب عن إخوان لنا -وإن أبوا- يُشاركوننا الدين الواحد، والوطن الواحد، واللغة الواحدة إنَّه والله وألف والله قسماً لا حانثون فيه ولا آثمون، ليُحزننا أن نتعرض لمثل هذا الموضوع والجزائر - الوطن العزيز - تتقلب على جمرات، والعدو الكاشح يطعنها في كل ما تأتيه طعنات، وأبنائها من وراء ذلك، سُخرية الساخر، وهزء الهازئ، وأضحوكة الضاحك فلا حول ولا قوة إلا بالله ! فيا ويح الجزائر المسكينة، كأن لم تكفها الفتن المتماحلة حتى تزاد عليها فتنة جديدة اسمها "السلفية المدخلية"، ولم تكفها النكبات المتوالية حتى تُضاف إليها نكبة اسمها "الطائفة المنصورة التي لا يضرها من خالفها ولا من خذلها" !! لكن ينبغي أن يُعلم أنَّ العمل النقدي للدعوة الإسلامية أمرٌ لازبٌ لمن رَامَ ترشيد العمل الإسلامي وتمحيصه من الأخطاء والهفوات، فهو ضروري كضرورة النَّار لتنقية الذهب من الشوائب العالقة به، وكضرورة الجراحة لعلاج الأمراض الفتاكة. وقد كتب الإمام أبو حامد الغزالي كتاب "إحياء علوم الدين" في نقد اقتصار الفقهاء على الجوانب الظاهرة في الفقه دون الغوص في المعاني الباطنة. وكتب ابن الجوزي كتابه الماتع "تلبيس إبليس" في نقد طرائق بعض المتفقهة، وصَنَّفَ بعده الإمام الذهبي "زغل العلم" في نقد بعض الاتجاهات الفقهيّة والطرق التعليمية، وصنَّف الشيخ أحمد زروق الفاسي رسالته اللطيفة "عدّة المريد الصادق" انتقد فيها شطحات الصوفية، وكشف أخطاءهم التربوية، وهو إذ ذاك من أجلِّ شيوخهم، ومثل ذلك كثير في التراث الإسلامي ومع ذلك فإنه يُؤسفني أن أقر بوجود بإشكالية الاستعصاء على النقد والمراجعة والاعتراف بالخطأ في صفوف قطاعات معتبرة من نخبة الحركات الإسلامية المعاصرة، بسبب الثقة الزائدة في النفس، وهذا ما من الاستفادة أخطاء الغير .
سبر لحقيقة التيار السلفي من الداخل وفي هذه الورقات محاولة منا لسبر حقيقة المجتمع السلفي من الداخل، ورصد أهم المعوِّقات والمزالق التي حادت به عن الطريق اللاحب، وأعجزته عن السير في الاتجاه الصحيح، وذلك بحصر أهم إشكالاته المنهجية في نقاط أساسية، ترجع إليها أغلب الأخطاء الجزئية الفرعية وأود قبل ذلك أن ألف الانتباه إلى الملاحظ الآتية : أولاً : أنَّ ما يرد من وصف لأحوال ومزالق هذا التيار لا يُراد به التعميم، وإلا ففي المنتمين لهذا التيار من صدقت نيته وحَسُن عمله، لكن حجمهم -وللأسف- لا يصل إلى الحد الذي يؤثر في الأحكام التي تستصدرها هذه الدراسة. فمن الحق علينا أن نقول: إنَّ بعض الإخوة السلفيين يرفضون هذه المواقف المؤسفة، وربما كان فيهم من يتألم من هذه التصرفات الرعناء، كألمنا أو أشد، ولكن ما الفائدة؟ وماذا عسى يُغني مثل هذا الألم إذا لم يستتبعه صاحبه بالاستنكار وطلب العلاج؟! ثانياً: إنني حاولتُ قدر المستطاع رسم الصورة الواقعية لهذا التيار الوافد بعيداً عن التجني والتزيّد؛ فلستُ أُريد لهذا الكتاب أن يكون مجابهة سجالية أو مناظرة حجاجية مع أي كان، وإن كان سيبدو كذلك في بعض الأحيان بسبب الغرض التصحيحي الذي يتوخاه . ثالثًا: لا يفوتني الإيماء أنَّ أهمية هذا الموضوع وتشعبه تُبرّر تقديم الدراسة تلو الدراسة، والبحث تلو الآخر، من أجل كشف المناحي الغامضة التي يكتنفها هذا التيار. ولست أزعم أنَّ هذه الدراسة هي كل ما يمكن قوله عن هذا التيار، ولكني حاولت، وأرجو أن أكون قد وُفقت لنيل شرف المحاولة. أسئلة الدراسة: إنَّ الطبيعة المتشعبة للموضوع تضطرنا إلى طرح ثلة من التساؤلات التي تفرض نفسها على بساط البحث والدراسة، ويُمكن إجمالها في النقاط الآتي: ما حقيقة التيار السلفي المدخلي في الجزائر؟ وما هي أهم أعطابه ومزالقه؟ ما علاقته ببعض المدارس الفكرية في الخليج؟ وماهي مصادر تمويله ودعمه؟ ما هي أهم المعارك التي خاضها هذا التيار ضد خصومه؟ لماذا يلقى هذا التيار التشجيع من بعض الدوائر الفاعلة في الجزائر؟ هل لذلك علاقة بإغلاق ملف جبهة الإنقاذ؟ هل استطاع أنصار هذا التيار الاندماج في المجتمع الجزائري وكسب ثقة الجزائريين؟ وهكذا تتناسل الأسئلة المهمة التي تكون الإجابة عنها مفتاح خير لكشف أهم الحلقات المفقودة في هذا الموضوع الشائك. ومما يجدر الإلماع به هاهنا: أنَّنا لا نتوجه بهذا القراءة النقدية إلى المغرَّر بهم من أتباع السلفية التجريحية؛ لأنَّا على إِيِّاس من تصويبهم إلا أن يشاء الله، فما في أذهانهم لا يُزيله ماءٌ ولا صعيد! ولأنا - كذلك - في نظرهم مبتدعة مميّعون لا ثقة لهم فيما نقول أو نكتب. كما أننا لا نخاطب أولئك المتزعمين المتسلّطين، الذين يمسكون العصى من وسطها، استرضاءً للغوغاء، وخوفاً من أن تلتهمهم ألسنة الجرح، فهؤلاء أضرّ بالسلفية من سابقيهم، وسوف يُسجِّل التاريخ خيانتهم وجبنهم. فهؤلاء حريصون على إبقاء الأمور على ما هي عليه من الفوضى والتفلّت حتى تدوم مناصبهم، وتتضاعف غنائمهم المادية والمعنوية.
هذا ما نتوقعه من دراساتنا ولا يخفى أنَّ من ارتبطت مصالحه "بالسلفية " في شكلها القائم يصعب عليه الانعتاق من شبكة العلاقات المعقدة التي يتصل معها، ويفيد منها، ولذلك فإننا نتوقع رفضه وبشدة لمثل هذه الكتابات، بل ونتوقع منه أن يحلينا بأقبح الأوصاف، ويلبسنا أقذع النعوت، حماية لمصالحه، وتغطية على غيِّه وفساده. ومن طمع في توبة هؤلاء فهو كالخروف الطامع في توبة الذئب. وإنَّما نتوجه بكلامنا هذا إلى أصحاب الضمائر المتيقظة الذين لم يسلموا عقولهم بعدُ إلى قيادات الجرح والتجريح، لأنا نعلم أنَّ منهم من يُنكر هذا ويبرأ منه، فعساهم أن يتحدوا فيما بينهم ويرفعوا أصواتهم بالإنكار لهذه الزعامات المتسلطة، وينهضوا بالسلفية إلى المستوى الذي يخدم طموحات الشباب المتدين ومشروعه الإسلامي. إنا نتوجه بهذا الكلام إلى ذاك الجيل الصاعد الذي لم يقع بعد في شباك الشعارات الخداعة التي يرفعها تجار السلفية الإقطاعيين. فحرامٌ علينا أن نرضى للجيل الآتي ما لم نرض به لأنفسنا، وأن نُجرّعهم هذا الحنظل الذي تجرعناه، وأن نُلوِّث نفوسهم بهذه القاذورات، وأن نبتليهم بما ابتُلي به هؤلاء من أدواء التفرّق المهلك والأنانية الكاذبة، والغرور المدلي، والتنكر للقريب، والخضوع للغريب . حرام علينا أن نُقلّدهم هذه الأسلحة المسمومة فيتفانون بها، ويذوق بعضهم بأس بعض، ويشقون جميعاً ويسعد بشقائهم الغير. حرام علينا أن نسلم إليهم شيئاً من هذه التركة التي يجب أن تنفق في جهاز الميت فتدفن معه ويأمن الأحياء شرها، إذا لم ينالوا خيرها بعدم كفايتها للحياة. وأخيراً، فلعلي في غني عن التذكير بأنَّ كل ما يأتي في هذا الكتاب ليس سوى آراء واجتهادات تحتمل الصواب والخطأ، والاعتدال والشطط، فضلاً عن النقض والإبرام.
الباحث أحمد ذيب في سطور مفتش التوجيه الديني والتعليم القرآني بوزارة الشؤون الدينية والأوقاف. حاصل على دبلوم الدراسات الإسلامية جامعة القاهرة. حاصل على شهادة الماجستير في الفقه الإسلامي من جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة الجزائر. حاصل على شهادة ماجستير مناهج البحث في العلوم الإسلامية من جامعة أبي بكر بلقايد بتلمسان. لديه مجموعة من المؤلفات العلمية المطبوعة، منها: استثمار النص الشرعي بين الظاهرية والمتقصدة المدخل لدراسة الفقه المالكي نوازل زكاة الفطر التفكير الفقهي المعاصر بين الوحي الخالص وإكراهات التاريخ نظرية الضرورة الطبية إشكالية التشهير في المذهب المالكي (تحت الطبع). تخريج الفروع على الأصول عند المالكية. وله عدد من المقالات والأبحاث المنشورة بمجلات جزائرية ودولية.