تمهيد إن النفس التي يعتبرها بعض العلماء مستقرا لكل الشرور، إلا أن الحقيقة غير ذلك فالله تعالى زرع في النفس الخير والشر لقوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا* فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا* قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [سورة الشمس، الآيات 7-10]، ومن ثم تأتي وظيفة التربية والتزكية فتسقي بذور الخير وتهذب بذور الشر وتوجهها. أولا: تعريف التزكية 1. لغة: زكا يزكو معناه الطهارة أو النمو. 2. اصطلاحا: علم يتكفل بتهذيب النفوس وتحليتها بالفضائل و تخليتها من الرذائل. قال ابن مسعود: [كان النبي صلى الله عليه وسلم يفرغنا ثم يملؤنا]. ثانيا: أهمية التزكية 1. تعتبر التزكية أساس بناء الإنسان، ولا يمكن الاستغناء عنها مدى حياته. 2. التزكية من أهم وظائف الرسل بعد بيان عقيدة التوحيد، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سورة الجمعة، الآية 2]. 3. التربية سبقت التعليم، فلا معنى لعلم لا تتبعه الأخلاق، وإذا كان العلم ينصرف إلى الرؤوس فإن التزكية تنصرف إلى النفوس. 4. التزكية سبيل الفلاح في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا* فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا* قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [سورةالشمس، الآيات 7-10]. 5. كان المصطفى صلى الله عليه وسلم يدعو الله بقوله: (اللهم آت نفسي تقواها وزكِّها أنت خير من زكاها...) [رواه مسلم]. ثالثا: ضرورتها. 1 يحتاج كل إنسان إلى التربية والتزكية، التي تلازمه طوال عمره. والنفس المزكاة حليفها النجاح. 2. وجَّه عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتابا إلى سعد بن أبي وقاص يقول فيه: [أما بعد! فإني آمركم بتقوى الله، واسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوكم] 3. التزكية عامل أساسي في انتصار الأمة أو انهزامها، وهذا ما أعلنه صلاح الدين الأيوبي حينما وجد خيام جنده مضيئة في الليلة التي سبقت معركتهم مع أعدائهم بقوله: [هذه خيمة سيأتينا منها نصر الله]، وحين وجد بعضها مظلمة قال: [قد تأتينا الهزيمة منها]. 4. يتفق علماء النفس المعاصرين أمثال «ديل كارنيجي» و «إدوارد سبنسر قولز»... على ضرورة تهذيب النفس وتقوية الشخصية لضمان النجاح في الحياة. رابعا: وسائل التزكية 1. أداء الفرائض والنوافل: من صلاة وصيام وزكاة وحج...وهي من العبادات الكبرى التي تعد أهم وسائل التزكية. 2. الذكر: ويتضمن التسبيح والتهليل والتكبير والاستغفار والدعاء ....عملا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا* وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾[سورة الأحزاب، الآيتان 41-42]. 3. التفكر والتدبر في كتاب الله المقروء «القرآن الكريم» وكتابه المفتوح «الكون». 4. الصحبة الصالحة: لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تصاحب إلا مؤمنا) [رواه أبو داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري]، وقال أيضا: (إنما مثل الجليس الصالح، وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحا منتنة)[رواه البخاري ومسلم]. 5. الطاعات: قال الشافعي: [النفس إن لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالمعصية]. 6. العمل: يقول جون بويز في كتابه «فن نسيان الشقاء» أن الاستغراق في العمل هو السبيل الأمثل للابتعاد عن الشعور بالشقاء»، والمسلم أولى بأن يشغل نفسه بالعمل وبإتقانه ليشعر بالراحة والاطمئنان. 7. الاهتمام بقضايا الأمة الكبرى: فالانشغال بعظائم الأمور يرفع الهمم، ويبعد النفوس من صغائرها وسفاسفها.